الدرس التاسع:

 

الصفات الذاتية

 

تمهيـد

علمنا مما سبق، ان واجب الوجود وهو العلة الموجدة للكون وهذا معناه كما ذكر:

1)    شمول العلة الموجدة على كل كمالات المعلولات جميعاً، وبصورة اتم واكمل

2)    العلة الموجدة توجد معلولها من العدم

3)    العلة الموجدة علة حقيقية وان وجودها ضرورياً لبقاء المعلول

 

واتضح ايضاً ان واجب الوجود هو العلة الموجدة للكون (كل الكون الذي توجد فيه كل كمالات الوجود) وهذا بالنتيجة يوصلنا الى ان كل انواع الكمالات المتوفرة في اي موجود هي بالضرورة مستمدة من العلة الموجدة (واجب الوجود)، دون ان ينقص من كمالاته شيء عند افاضتها على مخلوقاتها ولتقريب هذه الفكرة من الذهن ممكن ان نضرب هذا المثال:

ان المعلم يزود التلميذ من علمه، دون ان ينقص من علم المعلم شيء (مع العلم ان افاضة الوجود والكمالات الوجودية من واجب الوجود، اسمى بكثير من هذا المثال)

وبتعبير اخر نقول: ان عالم الوجود نورٌ وتجلي للذات الالهية المقدسة، الاية الكريمة (الله نور السماوات والارض)

بصورة عامة فان كل مفهوم يعبر عن كمال من الكمالات دون ان يستلزم اي نقص او تحديد، (وبملاحظة الكمالات الالهية اللامتناهية) نستطيع ان نقول انه يقبل الصدق والانطباق على واجب الوجود، وهذا ما نشاهده في الايات القرانية الكريمة والاحاديث الشريفة والادعية والمناجاة المأثورة عن المعصومين (عليهم السلام) مثل هذه المفاهيم: النور، الكمال، الجمال، المحبة، البهجة، وغيرها (مفاهيم عامة لا تستلزم نقص وتحديد تشير الى الكمالات الالهية اللامتناهية).

واما ما ذكر من الصفات الالهية في كتب العقائد والفلسفة والكلام (من جهة خاصة) فهو عدد محدود من الصفات التي تقسم الى مجموعتين: الصفات الذاتية، الصفات الفعلية

 

توضيح الصفات الذاتية والفعلية

ان الصفات التي تنسب الى الله تعالى، اما انها مفاهيم منتزعة من الذات الالهية بالنظر الى انها واجدة لنوع من انواع الكمالات، امثال الحياة والعلم والقدرة، واما انها مفاهيم تنتزع من نوع علاقة وارتباط بين الله تعالى ومخلوقاته، امثال الخالقية والرازقية. ويطلق على القسم الاول (الصفات الذاتية) وعلى القسم الثاني (الصفات الفعلية)

والفرق الرئيس بين هذين القسمين من الصفات هو: انه في القسم الاول تكون الذات الالهية المقدسة مصداقاً عينياً خارجياً لها، اما في القسم الثاني فتعبر عن نوع نسبة واضافة بين الله تعالى ومخلوقاته، وتمثل الذات الالهية وذوات المخلوقات طرفي الاضافة والنسبة، امثال صفة الخالقية، التي تنتزع من الارتباط الوجودي للمخلوقات بالذات الالهية، ويمثل الله والمخلوقات طرفي هذه الاضافة، ولكن لا يوجد في الخارج غير الذات الالهية المقدسة وذوات المخلوقات، اي بمعنى اخر لاتوجد حقيقة عينية خارجية اخرى تسمى بـ(الخالقية)، وبطبيعة الحال فان الله تعالى يملك بذاته القدرة على الخلق، ولكن القدرة من صفات الذات، واما (الخلق) فهو مفهوم اضافي ينتزع من مقام الفعل، ومن هنا يعتبر (الخالق) من الصفات الفعلية، الا اذا فسرناه بـ(القادر على الخلق) فتؤول وتنتهي الى صفة القدرة.

واهم الصفات الذاتية الالهية هي: الحياة والعلم والقدرة. وكذلك السميع والبصير ويضيف اخرون ايضاً الادراك، والبعض الاخر يعتبر الازلية والابدية صفات ثبوتية ذاتية.

 

ملاحظة: نحن في الوقت الذي نبحث فيه عن صفات واجب الوجود (صفات الله تعالى) نؤكد ايضاً اننا مهما بالغنا في البحث والتحقيق عن صفاته القدسية لا يمكننا التوصل الى معرفة تفصيلية لها ؟؟!!! وكل محاولة من هذا القبيل لا تواجه الا الفشل الذريع لانها محاولة لمعرفة كنه ذات الله المطلقة اللامتناهية وهذا ضرب من المستحيل؟! حتى على الانبياء والاوصياء اذ كيف لمحدود ان يحيط بلا محدود ولا متناهٍ؟! نعم يمكن اثبات احدى الصفات بصورة عامة من دون الدخول الى التفاصيل، ونقول مثلاً انه تعالى عالم وعلمه لا متناهي وقادر وقدرته لامتناهية ...الخ وهذا المقدار لاثبات الصفات عن طريق العقل ميسور وممكن، لانه لم يحدد مصاديق علمه ولاقدرته تعالى بل اثبت اصل وجود علم لا محدود ومطلق وقدرة لا محدودة ومطلقة. مخطط 9- أ و9- ب.

 

 

 

 

اثبات الصفات الذاتية

لقد اعتاد العقلاء في موارد تقيمهم للغير استعراض واستقراء آثارهم العلمية والاخلاقية وما قدم ذلك الغير على المستوى الفردي والاجتماعي من عمل وانجاز حتى اذا ما جمعوا ملاحظاتهم حكموا عليه او حكموا له سلباً او ايجاباً.

ونفس هذا الاسلوب ممكن اتباعه في مورد التعرف العام على صفات الله تعالى، فمن وجود الحياة في مخلوقاته بامكاننا الحكم بانه حي، قيوم، ومن خلال وجود نعمة العقل في الانسان وقدرته على تشخيص الحق من الباطل والحسن من القبيح في الاشياء حكمنا بانه تعالى عادل وهكذا ببقية الصفات الكمالية (وهذا هو الطريق السهل كما اسلفنا) اما لاثبات الصفات الذاتية (الطريق المتوسط) فان ايسر الطرق لاثبات صفات الحياة والقدرة والعلم الالهية هو الطريق التالي:

ان هذه المفاهيم حينما نستخدمها في المخلوقات فهي تصف او تعبر عن كمالاتها (كمالات المخلوق)، وهذا لازمه ان توجد بدرجتها المتكاملة في العلة الموجدة لانها مستمدة منها (راجع الميزة الاولى للعلة الموجدة في الصفحة الثانية من الدرس الثامن). اذن لابد ان يكون الخالق واجداً لهذه الكمالات (بصورة اتم واكمل) حتى يمكنه افاضتها واعطاءها للمخلوق فان فاقد الشيء لايعطيه، بمعنى انه لا يمكن لمن يخلق الحياة ان يكون فاقداً لها، او لمن يفيض العلم والقدرة للمخلوقات ان يكون جاهلاً عاجزاً اي ان الله يتوفر على الحياة والعلم والقدرة اللامتناهية، اذن فوجود هذه الصفات الكمالية في بعض المخلوقات دليل على وجودها في الخالق تعالى دون ان يكون فيه نقص او تحديد. مخطط 9- ج.

 

 

الحيـاة

مفهوم الحياة من المفاهيم الواضحة لدى الاذهان. ويمكن تحديده بـ (اتصاف الموجود بالفعل والادراك).

وهذا المعنى منتزع من ملاحظة جميع مراتب الحياة الموجودة في الكائنات الحية، حتى الحياة النباتية والحيوانية.

فان النبات حي، بمعنى ان له نمواً، وحساً. وقد التفت الانسان منذ القدم الى حالة الحس والشعور في النباتات، عندما لاحظ انفعالها تجاه ما يحيطها من المؤثرات البيئية المختلفة كتخزين بعضها الماء ايام الشتاء، لتستفيد منه ايام الحر والجفاف. وكتوجه بعضها الى مصادر النور والحرارة لتستفيد من اشعتها في تحليل غذائها. وكتكيف بعضها مع المناخ الحاكم في البيئة التي تتواجد فيها، حيث يرى – مثلاً – ان البصل الذي نبت في المناطق الباردة غليظ الطبقات. والذي ينمو في المناطق الحارة رقيقها، وغير ذلك.

وقد كشف العلم الحديث عن جوانب اخرى خفية لحالة الحس والشعور في النباتات، كالانفعال للصوت والموسيقى، فالنمو مرتبة من الفعل، والحس والشعور والانفعال مراتب من الادراك.

وتتجلى الحياة في الحيوانات بصورة ارقى واكمل. فالفعل والادراك فيها متطوران عما هما عليه في النبات.

والحياة في الانسان اكمل منها في الحيوان، حيث يتجلى الفعل والادراك في صور اوسع واكمل. فالفعل ليس مجرد نمو وحركة، انه نمو مترقٍ في الروح والجسد، وعمل وجهاد في الحياة، والادراك ليس مجرد حس وانفعال وغريزة، انه خيال وذوق، وحنان وعاطفة، وفكر وتحليل، وتعقل.

وهكذا كلما ارتقينا، فالحياة في الموجودات المجردة عن شوائب المادة كالملائكة، ارفع واكمل، ومجردة عن نواقص الحياة الموجودة في الكائنات المادية، فالفعل فيها اعظم، والادراك فيها ارقى.

والحياة في واجب الوجود تعالى من هذه المقولة: الفعل والادراك لكنها – لمكان واجبية وجوده – منزهة عن كل نقص. فتكون حياته تعالى عبارة عن اتصافه بالقدرة والعلم الكاملين المنزهين عن اية اداة او انفعال او انطباع صورة. راجع مخطط 9- ج.

 

الدليل على حياته سبحانه:

نستدل على حياة الخالق تعالى من جهات (طرق ثلاث):

1)  الجهة الاولى: ان الخالق تعالى خلق الكائنات واعطاها الحياة، ومعطي الكمال لا يكون فاقداً له (راجع النتيجة الاولى والثانية في الدرس الثامن صفحة -1-)

2)  الجهة الثانية: ان الحياة كمال في الموجود فلابد ان يتصف به واجب الوجود (المستجمعة ذاته لكل الكمالات ويستحيل ان يشذ عنها اي كمال)، والا طرأ عليه النقص من تلك الجهة فلا يعود واجباً (راجع النتيجة الاولى والثانية في الدرس الثامن صفحة -1-)

3)    الجهة الثالثة: كل موجود مجرد مستقل فهو واجد بذاته للحياة، اذن فالله تعالى واجد للحياة بذاته:

كما اسلفنا الحياة بمعناها الملازم للعلم والفاعلية الارادية من المستلزمات الوجود غير المادي، وذلك، فانه وان نسبت الحياة الى الكائنات المادية الحية لكن الحياة في واقعها صفة لروحها، لا لبدنها، وانما يتصف بها البدن لتعلق وارتباط الروح به، وبعبارة اخرى: ان الحياة من لوازم الوجود المجرد (غير الجسماني) وبما ان الذات الالهية المقدسة مجردة غير جسمانية مستقلة كما اثبتناها في الدروس السابقة وكل موجود مجرد مستقل يكون واجداً بذاته للحياة، اذن فالله تعالى واجد للحياة بذاته.

العـلـم

مفهوم العلم اكثر المفاهيم وضوحاً وبداهةً ولكن مصاديق هذا المفهوم الذي نعرفه في المخلوقات، مصاديق ناقصة محدودة ولايمكن ان يصدق اي منها عليه تعالى، ولكن العقل (كما اشرنا اليه سابقاً – راجع مخطط 9- ج) يمكنه ان يتصور لهذا المفهوم الكمالي مصداقاً ليس فيه اي نقص او تحديد.

يتصف خالق الكون بالعلم فهو موجود عالم ولم ينازع في ذلك احدٌ من الالهيين المعتقدين بوجود اله خالق للكون.

ولعلمه تعالى – باعتبار الامور المعلومة – مراتب ثلاث:

الاولى: علمه تعالى بذاته

الثانية: علمه تعالى بالاشياء قبل ان يوجدها

الثالثة: علمه تعالى بالاشياء بعد ايجادها

والادلة المذكورة تناسب المرتبة الثالثة، واما ادلة سائر المراتب فهو خارج عن بحثنا وله الكتب الخاصة به.

 

الدليل على علمه تعالى:

يمكن اثبات علم الله تعالى من طرق عديدة:

1)  الطريق الاول: وهو الطريق الذي اثبتنا من خلاله كل الصفات الذاتية اي بما ان العلم موجود بين المخلوقات، اذن فلا بد من وجوده باكمل مرتبـة في خالقها (راجـع مخـطط 9- ج) فواهب العلم اولى به من غيره فهو عالم بكل ما كان وما هو كائن وما سوف يكون لان المخلوقات ماهي الا فعل من افعاله وقد تحقق وجودها بارادته فهو عالم بها بالعلم الحضوري، بمعنى ان المعلوم حاضر عنده وغير محتاج الى كسب معرفة للتعرف عليه، وما ذلك الا لان كل ما دون الله نفحة من نفحاته وفعل من افعاله وفي مقارنة ما بين علمنا وعلمه تعالى وبالنظر الى كوننا محدودين في وجودنا فلا شك ان علمنا يتحدد تبعاً لوسائل معرفتنا المحدودة، واما بالنسبة اليه تعالى فان علم الله مطلق لا محدود تبعاً لوجوده المطلق اللامحدود ونضرب مثلاً يقرب الفكرة:

فلو فرضنا اننا جلسنا في غرفة واستعرضنا من كوة صغيرة (خرق في الحائط) مسيرة عسكرية فان بمقدورنا رؤية هذا الاستعراض بمقدار مساحة الكوة وكلما كبرت مساحتها كانت الرؤية للاستعراض اشمل. اما من كان على مرتفع وكانت قطعات الجيش تحت هذا المرتفع فانه سوف يشمل بنظرته من الاعلى كل الاستعراض ولا يغيب عنه شيء حينها فلا عجب لو قلنا بان علم الله محيط بكل شيء في الارض او في السماء ما دام الوجود في قبضة يده وتحت اشرافه.

2)  الطريق الثاني: ان العلم كمال في الموجود فلابد ان يتصف به واجب الوجود (المستجمعة ذاته لكل الكمالات ويستحيل ان يشذ عنها اي كمال)، والا طرأ عليه النقص من تلك الجهة فلا يعود واجباً (راجع النتيجـة الاولى والثانية في الدرس الثامن صفحـة -1-)

3)  الطريق الثالث: الاستعانة على اثبات ذلك بدليل النظام، فان اي ظاهرة او مخلوق يتوفر على افضل وارقى مراتب النظم والاتقان؛ فانه يدل على مرتبة علم خالقه كما هو الملاحظ في الكتاب العلمي، او القصيدة الرائعة، او الصورة الفنية، حيث تدل على مدى ما يملكه مبدعها من ثقافة وذوق وخبرة، ولا يمكن لعاقل ان يتصور ان الكتاب العلمي او الفلسفي قد كتبه شخص جاهل غير مثقف. اذن فكيف يحتمل ان يخلق هذا الكون العظيم بكل ما فيه من اسرار ومدهشات، شخص غير عالم؟

4)  الطريق الرابع: الاستفادة من بعض المقدمات الفلسفية النظرية (غير البديهية) امثال قاعدة (كل موجود مجرد مستقل هو عالم) كما اُثبت ذلك في الكتب المخصصة لهذه البحوث.

 

ملاحظات:-

(1) توجه الانسان للعلم الالهي له دوره الكبير في بناء شخصيته، ومن هنا اكد القران الكريم كثيراً على هذه الحقيقة (يعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور)

(2)   الادراك:

وصف الله تعالى نفسه في كتابه الحكيم بصفة الادراك، اذ يقول (لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير).

فما هو معنى الادراك الذي يصح ان نصفه تعالى به؟

الادراك فينا صفة زائدة على العلم، فان هناك فرقاً بين علمنا بحرارة النار، وبرودة الثلج، وعذوبة الصوت الحسن، وبين ادراكنا لها، فان ادراكنا لها يستتبع انفعالات نفسية، وتأثرات جسدية، بخلاف مجرد العلم بها فانه خالٍ عن تلك الاحاسيس الزائدة.

والادراك بهذا المعنى مستحيل في حقه سبحانه، لاستلزامه الادوات الجسمية والتغيرات النفسية، وكلها من سمات النقص والفقر، والله تعالى واجب الوجود، فهو منزه عنها.

فلا مناص امامنا – في وصفه تعالى بالادراك – الا ان نحذف هذه النواقص والزوائد، كما فعلنا في صفة (الحياة) وحينئذٍ، يكون ادراكه تعالى بمعنى (علمه بالمدركات).

وعلى هذا، فما دل على كونه تعالى عالماً على الاطلاق، يدل على كونه تعالى مُدرِكاً، كما ان القران الكريم اثبت له هذه الصفة في الاية المتقدمة.

(3)  السمع والبصر:

البعض يضيف السمع والبصر الى الصفات الثبوتية الذاتية ولا يرتاب مسلم في ان الله تعالى سميع بصير، بعد تواتر وصفه بهما في الكتاب والسنة، ولكن الكلام في ماهية سمعه وبصره تعالى، ولابد اذن ان نتحرى معنىً معقولاً للسمع والبصر يصح نسبته اليه تعالى (لتنزهه عن المادة والماديات لانه واجب الوجود) فنقول ان السمع في حقيقته هو العلم بالمسموع بكيفية خاصة.

والبصر كذلك، هو العلم بالمبصرات بكيفية خاصة.

وليست هذه الكيفيات الخاصة سوى وسائط لحصول السمع والبصر (غير معهودة عندنا)، فبإمكاننا ان نفرض سمعاً وإبصاراً منزهين عن الادوات والكيفيات المادية، وهو العلم بالمسموع والعلم بالمُبْصَر. وهذا المعنى غير ممتنع عن الله تعالى، بل هو المتعين فيه، لواجبية وجوده الملازمة لتنزهه عن النقائص.

فمعنى كونه تعالى سميعاً انه عالم بالمسموعات بلا واسطة.

ومعنى كونه تعالى بصيراً انه عالم بالمُبْصَرات بلا واسطة.

وعلى هذا، يكون السمع والبصر فيه تعالى من شعب علمه.

(4)  إشكال وجوابه

الإشكال:

لو كان ما ذكرتموه من دلالة الخلق واتقان المصنوع على علم الخالق والصانع صادقاً، فلتوصف بعض العجماوات بالعلم، لانها تصنع اشياء محكمة ومتناهية في الدقة، كالنحل يصنع اوعية العسل السداسية الشكل من الشمع بدقة عجيبة، والنمل الذي يبني بيوته المنظمة، بهندسة راقية، في اعماق الارض، او الطيور التي تبني اعشاشها المحكمة من العيدان الواهية.

ولتوصف بالعلم كذلك، الالات الالكترونية المبرمجة التي تقوم بتصنيع السيارات والساعات والعقول الالكترونية. مع ان شيئاً من ذلك لا يوصف بالعلم.

الجواب:

ان القاعدة العقلية التي ذكرناها، تنطبق على الصانع المستقل والمختار في صنعه، والخالق المستقل في ايجاده، فيوصفان – اذا كانا كذلك – بالعلم، دون الصانع والموجد الفاقدين للاستقلال والاختيار والارادة في الفعل والايجاد، فانهما لا يوصفان به.

والنماذج المذكورة في الاشكال، كلها من قبيل الثاني، اذ هي مجبرة ومضطرة، اما للغريزة التي تسيرها، او البرامج المخزنة في ذاكرات الالات. فلا توسم حينئذٍ بالعلم، بل الموسوم به هو من خلقها وصنعها – عن اختيار وارادة – لتؤدي ذلك الدور المرسوم لها.

 

القـدرة:

يقال في حق الفاعل الذي يؤدي عمله بارادته واختياره. انه يملك القدرة على عمله. فكل من كان مستطيعاً ومتمكناً لفعل شيء وايجاد اثر، او عدم فعله وايجاده، بارادة منه واختيار، فهو قادر. اذن فالقدرة عبارة: عن القوة ومبدئية الفاعل المختار للعمل الذي يمكن صدوره منه وكلما كان الفاعل اكثر تكاملاً من حيث المرتبة الوجودية كان اكثر قدرةً، وبطبيعة الحال فالموجود الذي يتوفر على الكمال اللا متناهي له قدرة غير محدودة (ان الله على كل شيءٍ قدير).

 

الدليل على كونه قادراً:

1)  الدليل الاول (الفطرة): خلق الله تعالى الانسان من بدن وروح، واودع في روحه قوى ونزعات، ومعارف عليا وتوجيهات ترشده الى ما يضره وما ينفعه في الحياة وتسمى بـ (فطرة الله)، اي خلقة الله (راجع المعرفة الفطرية في الدرس الخامس الصفحة الثانية).

ومن هنا يكون كل ميلٍ ونداءٍ فطري دالاً على حقيقة وجودية واقعية ثابتة وصادقة، وغير قابلة للنقاش فيها.

والانسان اذا توغل في الشهوات، وانغمس في الملذات، واكثر الاحتكاك بعالم المادة، يفقد اعتدال قواه النفسية، وتندثر فطرته الالهية ويعمى بصره ويصم سمعه عما ترشده اليه. غير ان هناك لحظات حرجة ينصعق فيها الانسان بعنف، يستيقظ فيها ضميره ويتحرك وجدانه، فيلتفت الى المعارف الاولية التي اودعتها يد الخلقة في اعماق روحه، وكامثلة على تلك اللحظات:

أ‌-       حالات الخوف والذعر الحاصلة من التقلبات الطبيعية

ب‌-  حالة ترقب الوالدين ودعائهما لسلامة جنينهما قبل الولادة

وغيرها، فتجد كل انسان يتعرض لها ولغيرها من الحالات على درجة بالغة من الامل والانقطاع والتعلق بقدرة غيبية عظيمة مسيطرة على الكون، هي القادرة على الانقاذ والانجاء الى ساحل الامان، وهذه الحالة تحدث مع كل انسان ومهما كان يحمل من عقيدة مسبقة، بل حتى ولو كان ملحداً ومنكراً لوجود خالق للكون.

2)  الدليل الثاني النظام الكوني: عرفنا فيما مضى، ان المعلول يكشف عن وجود علة اوجدته، وان خصوصيات المعلول تكشف عن خصوصيات علته. ونحن نرى ان الكون المحيط بنا، المعلول لله سبحانه، على درجة هائلة من العظمة والاتساع والضخامة التي لا توصف، وفيه موجودات لطيفة، ومخلوقات متناهية في الدقة والصغر، وهي مع ذلك على غاية النظم والانضباط، فيكشف ذلك عن كون خالقه قادراً بأجلِّ قدرة. واذا لاحظت ان خالقه هو المدبر له يظهر لك عظيم قدرته وجبروته.

 

ملاحظات:-

(1) ان العمل الذي تتعلق به القدرة لابد ان يكون ممكن التحقق، اذن فالشيء المحال في ذاته، او المستلزم للمحال لاتتحقق به القدرة وهذا يقودنا الى الخوض في المحال العادي والعقلي:

فالمحال تارةً يطلق ويراد به المحال العادي ويطلق اخرى ويراد به المحال العقلي. ونعني بالمحال العادي: عدم امكان انجاز عمل او مشروع ما لعدم توفر شرائط الانجاز. وهذا نظير من يريد رفع صخرة تزن (2000) كيلو غرام بيدين مجردتين عن اية وسيلة للرفع، فمن المحال رفع هذه الصخرة بالنسبة للانسان الذي الفنا قوته وقدرته، ولكن بمقدوره ذلك لو استعان برافعة تعينه على رفع الصخرة فهي او غيرها من الوسائل تعد من شرائط تحقق ذلك المحال.

واما المحال العقلي: فيعني عدم امكان تحقق امر باي شكل من الاشكال، اذ هو بحد ذاته محال لا انه متوقف في انجازه وتحققه على شرط او صفة، نظير اجتماع النقيضين او ارتفاعهما، فان ذلك بحد ذاته غير ممكن التحقق ولا علاقة له بشيء اخر.

فمثلاً: اذا طلب الاستاذ من تلميذه ان يجعل حاصل ضرب 2× 2= 5 فان طلبه هذا غير صحيح بالمرة، لان التلميذ مهما فكّر وقدّر لا يمكنه تحصيل هذه النتيجة وليس ذلك لعجزه وعدم قدرته بل لان ذلك محال عقلاً، ولا تتعلق به قدرة قادر مهما كانت قدرته.

وبعد هذا البيان صار واضحاً بان قدرة الله لا تتعلق بالامور التي هي في حد ذاتها مستحيلة عقلاً، وقد سُئل امير المؤمنين (عليه السلام) ذات يوم عن امكان تعلق قدرة الله بامر محال: هل بمقدور ربك ان يدخل الدنيا في بيضة من غير ان يصغر الدنيا او يكبر البيضة؟ فاجاب عليه السلام:

          (ان الله تبارك وتعالى لا ينسب الى العجز والذي سألتني لا يكون)

ولا يبقى مجال بعد هذا لطرح امثال الاسئلة ادناه:

أ‌-       هل بامكان الله خلق اله اخر مثله؟

ب‌-  هل يمكن ان يخلق الله صخرة لا يمكنه تحريكها من محلها؟

ت‌-  هل بمقدور الله ايلاج الجمل في سم الخياط؟

وذلك لانها مستلزمة لوقوع المحال عقلاً، ففي المورد الاول مثلاً يكون الاله المخلوق ممكناً. بحكم كونه مخلوقاً، وواجباً بحكم كونه الهاً مثل الله في ذاته، وصفاته، وهذا يعني ان الاله المخلوق واجب وغير واجب وهو التناقض المحال عقلاً. وهكذا الحال بالنسبة الى المثالين الاخرين وما شاكلهما من الامثلة.

نلفت انتباه قارئنا الكريم الى ان الامام الرضا (عليه السلام) سأله سائل بالقول: هل يقدر ربك ان يجعل السموات والارض في بيضة؟ قال عليه السلام:

(نعم وفي اصغر من البيضة، قد جعلها في عينك وهي اقل من البيضة لانك اذا فتحتها عاينت السماء والارض وما بينهما ولو شاء لاعماك عنها)

وجواب الامام (عليه السلام) هنا محمول على انه اجاب السائل جواباً اسكاتياً، اي انه عليه السلام اراد ان يُسكت السائل ويصرفه عن حالة الشك في قدرة الله تعالى، اذ ربما يترتب على الجواب الصريح تشويش في ذهن السائل، ومن ثم يكون سبباً لضلاله وانحرافه، بدلاً من هدايته وتعليمه.

وربما كان المقصود من كلام الامام (عليه السلام) بان البيضة يمكن استيعابها للعالم اما بجعل حجم العالم بسعة حجم البيضة او بتوسعة حجم البيضة بحيث يكون حجمها بسعة حجم العالم وحينها يمكن جمع العالم في بيضة دجاجة ولا شك في ذلك.

ونؤكد مرة اخرى على ان قدرة الله انما تتحقق في مورد المحال العادي، لانه تعالى قادر على تهيئة الظروف الممكنة واللازم توفرها لايجاد ذلك المحال العادي مهما بلغت، وليس الحال عينه في مورد المحال العقلي لانه في حد ذاته غير قابل للتحقق والوجود فلا تتعلق قدرة الله به

(2) ان القدرة على كل عمل لا توجب ولا تفرض على مثل هذا القادر ان يحقق كل الاعمال التي يقدر عليها، بل انما يحقق تلك الاعمال التي يريد تحقيقها، والله الحكيم لا يريد الا الافعال الصالحة والحكيمة، ولا يحقق الا مثل هذه الاعمال، وان كان قادراً على الاعمال القبيحة والمنكرة ايضاً. وسنتحدث في البحوث القادمة حول الحكمة الالهية.

(3) ان القدرة بالمعنى الذي ذكرناه، متضمنة للاختيار ايضاً، فكما ان الله تعالى يملك اكمل مراتب القدرة وارقاها، كذلك يملك اكمل مراتب الاختيار، ولا يمكن لاي عامل ان يقهره ويجبره على القيام بعمل، او ان يسلب منه الاختيار، وذلك لان وجود كل موجود وقدرته منه تعالى، ولا يمكن ان يكون مقهوراً للقوى والقدرات التي افاضتها ذاته للاخرين.

(4)   الاجوبة على اسئلة:

أ‌-       السؤال الاول: هل الله تعالى قادر على ان يجعل العالم في بيضة مع بقاء كل منهما على حجمه؟

الجواب: سبق ان وضحنا فيما يتعلق بالاجابة عن هذا السؤال فيما بيناه اعلاه ونجمله بقولنا ان البيضة (بحجمها) لا تتحمل وضع العالم (بحجمه) فيها، اذ يستحيل بالذات ان يكون الظرف اصغر من المظروف، حتى يسأل هل الله قادر على ذلك او لا؟ فالقصور ليس في قدرة الله بل في المورد حيث انه ممتنع التحقق بالذات.

ب‌-  السؤال الثاني: هل الله تعالى قادر على تعذيب المؤمن بالنار؟

الجواب: مما تقدم من الادلة يُعلَم ان الله تعالى قادر على كل شيء ممكن بالذات. وعلى ذلك فالله تعالى مع قدرته على تعذيب المؤمن، لا يفعله لانه مخالف لحكمته.

ت‌-  السؤال الثالث: ما هي سعة قدرته تعالى؟

الجواب: نقول ان المانع – المتصور– من تعلق قدرته تعالى على شيء من الاشياء، لا يتجاوز منشؤه واحداً من الامور التالية:

1)  ان لا يكون هذا الشيء ممكناً بالذات، بل يكون ممتنعاً بالذات، مثل اجتماع النقيضين، وكون الظرف اصغر من المظروف.

2)    ان تكون هناك قوة مضاهية، مانعة من نفوذ قدرته.

3)  ان تكون ذاته غير متساوية بالنسبة الى الاشياء، وذلك بان تكون بالنسبة الى بعضها اقوى واعلم مما هي بالنسبة الى الاخرى.

والاول صحيح، ولكنه لا يرجع الى قصور في قدرة الفاعل بل الى قصور في المتعلق (القابل)، تماماً كما اذا قلنا ان الخياط الماهر لا يمكنه رغم مهارته وتفوقه في صنعته، ان يخيط من الحجارة قميصاً. ولكن هذا لا يعد قصوراً في قدرة الخياط بل هو بعد تام فيها، لان النقص والقصور انما جاء من قبل المتعلق، فان ذات الحجارة غير قابلة لتعلق عملية الخياطة بها.

والثاني منتفٍ، لما يأتي في ادلة وحدانية الخالق من عدم وجود قوة مضاهية له تمنع من نفوذ قدرته وتعلقها بالاشياء، بل كل ما في الوجود مخلوق له.

والثالث ممنوع، لانه تعالى واجب الوجود، فكل شيء فيه ذاتي له:

ذاته وجميع صفاته وافعاله، فاذا كان كذلك، لا يكون مفتقراً او محتاجاً الى شيء ويكون منزهاً عن كل حد يحد من قدرته، وكل قيد يقيد فعله، وحينئذٍ لا يتصور ان يكون لشيء من الاشياء تأثير على ذاته ليكون اضعف عليه من غيره.

 

 

والحمد لله رب العالمين

 

الدرس السابق ... قائمة الدروس ... الدرس التالي