الدرس العاشر:

 

الصفات الفعلية

 

تمهيـد

ذكرنا في الدرس السابق ان الصفات الفعلية عبارة عن المفاهيم التي تنتزع من مقارنة الذات الالهية بمخلوقاتها من خلال ملاحظة نسبةٍ واضافةٍ ورابطةٍ معينة بينهما امثال مفهوم ((الخالقية)) الذي ينتزع من ملاحظة ارتباط وجود المخلوقات بالله تعالى، وان الخالق والمخلوق يمثلان طرفي الاضافة واذا لم يلاحظ هذا الارتباط بينهما لم يمكن انتزاع هذا المفهوم.

وليس هناك حصر وتحديد للروابط والاضافات التي يمكن تصورها بين الله والخلق ولكن يمكن تقسيمها الي مجموعتين من زاويةٍ ما:

1)  المجموعة الاولى: ناتجة من ملاحظة الاضافات المباشرة بين الله والمخلوق كالايجاد والخلق والابداع وامثالها. مخطط 10- أ و10- ب.

2)  المجموعة الثانية: ناتجة من ملاحظة الاضافات (غير المباشرة) والتي تُتصوّر بعد تصوّر اضافات وروابط اخرى كالرزق، وذلك لانه في البداية لابد ان نتصور علاقة الموجود المرتزق بالشيء الذي يرتزق منه، وبعد ذلك نتصور توفير الله تعالى لذلك الشيء (رابطة ثانية)، لنتوصل من خلال ذلك الى مفهوم الرازق والرزّاق. مخطط 10- أ و10- ب.

 

 

 

 

بل يمكن احياناً ان نتصور اضافات وروابط متعددة بين المخلوفات نفسها، قبل ان تنتزع الصفة الفعلية لله تعالى وبعد ذلك نلاحظ ارتباطها بالله تعالى. مخطط 10- ج.

 

 

 

 او ان هناك اضافةً مترتبةً على عدة اضافات سابقة بين الله والخلق، امثال المغفرة حيث تترتب على الربوبية التشريعية الالهية وتعيين الله للاحكام التكليفية وعصيان العبد لها. مخطط 10- د.

 

 

 

ملاحظة:

1-  بعد ان علمنا الفرق الرئيس بين الصفات الذاتية والفعلية حيث قلنا ان في الصفات الذاتية تكون الذات الالهية المقدسة بذاتها مصداقاً لها اما الصفات الفعلية فتكون من خلال ملاحظة الاضافات والنسب بين الخالق والمخلوق ولكن يمكننا ان نلاحظ الصفات الفعلية (نكشفها او نتصورها) بلحاظ مبادئها التي تنشأ منها وفي هذه الحالة تؤول وتنتهي الى الصفات الذاتية كما في الخالق، لو فسرناه بالقادر على الخلق فيؤول الى صفة القدير، او صفة ((السميع)) و ((البصير)) لو فسرناهما بالعالم بالمسموعات والمبصرات فتؤول الى ((العليم)). مخطط 10- هـ.

 

 

2-  اننا حين نتصور الرابطة بين الله تعالى والموجودات المادية وعلى ضوءه تنتزع الصفة الفعلية المعينة لله تعالى، فان هذه الصفة سوف تتحدد ببعض القيود الزمانية والمكانية، بلحاظ تعلقها بالموجودات المادية التي تمثل احد طرفي الاضافة، وان كانت هذه الصفة بلحاظ تعلقها بالله تعالى الذي يمثل الطرف الاخر للاضافة منزهةًً عن هذه القيود والحدود. راجع مخطط 10- هـ. فان افاضة الرزق الى الشخص مثلاً، انما تتم في ظرف زماني ومكاني معينين، لكن هذه القيود والحدود في واقعها متعلقة بذلك الشخص المرتزق، لا بالرازق. والذات الالهية منزهة عن اية نسبة زمانية او مكانية. وهذه الملاحظة الدقيقة تعتبر المفتاح لمعالجة الكثير من الشبهات في موضوع معرفة الصفات والافعال الالهية، وادت الى الكثير من النزاعات بين العلماء والمفكرين. مخطط 10- و.

 

 

 

الخالقية:

بعد اثبات واجب الوجود، وانه العلة الاولى لوجود الموجودات الممكنة، وبملاحظة انها جميعاً محتاجة في وجودها الى الله؛ تنتزع من ذلك صفة الخالقية لواجب الوجود، والمخلوقية للممكنات. ومفهوم ((الخالق)) الذي يتوصل اليه من خلال هذه العلاقة الوجودية، مساوٍ للعلة الموجدة، وكل الموجودات الممكنة المحتاجة التي تمثل طرف الاضافة، متصفة بصفة المخلوقية.

ولكن احياناً يتصور للفظة ((الخلق)) معنى اكثر محدودية، حيث تعتبر الموجودات التي وجدت من مادة سابقة فحسب طرفاً للاضافة، وفي مقابل ذلك مفهوم ((الابداع)) حيث يستخدم في الموجودات التي لم تسبق بمادة سابقة (المجردات والمادة الاولى). وعلى هذا الاساس يقسم الايجاد الى قسمين الخلق والابداع. مخطط 10- ز.

 

 

اذن فعملية الخلق التي يقوم بها الله تعالى، لاتشابه تصرفات الانسان في الاشياء وصنعه للصناعات، حيث يحتاج في عمله هذا الى الحركة، والى استخدام اعضاء بدنه لتمثل حركته ((الفعل)) بينما تمثل الظاهرة التي تحصل منه ((نتيجة الفعل)) واما في خلق الله فلا يكون ((الخلق))  شيئاً، و ((المخلوقات)) شيئاً اخر، وذلك بالاضافة الى تنزه الله تعالى عن الحركة، وخصائص الموجودات الجسمانية، فانه لو كان لـ ((خلق)) الله مصداق عيني خارجي زائد على ذات المخلوق، لكان موجوداً ممكن الوجود، ومخلوقاً من مخلوقات الله بدوره، ليعود الحديث مرة اخرى حول خلقه نفسه ايضاً، وكما ذكرنا في تعريف الصفات الفعلية ان هذه الصفات مفاهيم منتزعة من الاضافات والنسب بين الله والخلق، وقوام الاضافة والنسبة بلحاظ العقل واعتباره.

 

ملاحظة:

تعتبر الخالقية من ضمن الصفات الناتجة من تصور الاضافات المباشرة بين الله والمخلوق (المجموعة الاولى)

 

الربوبية:

ومن الروابط التي تلاحظ بين الله والخلق؛ ان المخلوقات ليست في اصل وجودها محتاجة لله تعالى فحسب، بل ان كل شؤونها الوجودية مرتبطة بالله تعالى، وليست لها اية استقلالية، ويمكن له تعالى التصرف فيها بما شاء، وان يدبر امورها بما يريد بمعنى انها محتاجةً اليه حدوثاً وبقاءً.

وحين نلاحظ هذه الرابطة بصورة عامة، ننتزع منها مفهوم ((الربوبية)) الذي من لوازمه تدبير الامور، وله مصاديق عديدة، كالحافظ، والمحي والمميت والرازق والهادي الآمر والناهي وامثالها.

ويمكن تقسيم الامور المرتبطة بالربوبية الى مجموعتين: الربوبية التكوينية، التي تشمل تدبير الامور لكل الموجودات، وتوفير احتياجاتها، وبكلمة واحدة ((تدبير العالم)). والربوبية التشريعية، وهي مختصة بالموجودات التي تمتلك الشعور والاختيار، وتشمل عدة مسائل امثال بعث الانبياء، وارسال الكتب السماوية، وتعيين الوظائف والتكاليف، ووضع الاحكام والقوانين.

اذن الربوبية الالهية المطلقة تعني: ان المخلوقات في كل شؤونها الوجودية مرتبطة بالله تعالى، وان العلاقات والروابط بينها تنتهي بالتالي الى ارتباطها بالخالق، وهو تعالى الذي يدبر ويدير بعض المخلوقات بواسطة بعض المخلوقات الاخرى، وهو الذي يفيض الرزق من خلال مصادر الرزق التي يوفرها، وهو الذي يهدي الموجودات التي تملك الشعور من طريق الوسائل الداخلية (كالعقل وسائر القوى الادراكية) والوسائل الخارجية (كالانبياء والكتب السماوية) وهو الذي يضع للمكلفين الاحكام والقوانين، ويضع الوظائف والتكاليف.

والربوبية كالخالقية مفهوم اضافي مع الفرق بانه تلاحظ في مجالاتها المختلفة الاضافات الخاصة بين المخلوقات نفسها (ضمن المجموعة الثانية النوع الثاني).

ولو تأملنا بدقة في مفهوم الخالقية والربوبية، وكونهما من الصفات الاضافية، سيتضح لنا ان هناك تلازماً بين هاتين الصفتين، ويستحيل ان يكون رب الكون غير الخالق، بل ان الخالق لكل المخلوقات والذي خلق الخصائص المعينة، والعلاقات فيما بينها، هو الذي يحافظ عليها ويدبرها، وفي الواقع ان مفهوم الربوبية والتدبير منتزع من كيفية خلق المخلوقات وارتباطها.

 

الالوهية:

هناك بحوث لدى العلماء حول مفهوم ((الاله)) و ((الالوهية)) ذكرت في كتب التفسير، والمعنى الذي نرجحه لهذا المفهوم هو: ان ((الاله)) بمعنى ((المعبود)) او ((الذي يستحق العبادة والطاعة))  مثل لفظ ((الكتاب))  فهو بمعنى المكتوب اي الذي يصلح للكتابة.

وعلى ضوء ذلك، فان الالوهية صفة اذا اردنا انتزاعها فلا بد ان نتصور اضافة عبادة العباد وطاعتهم (ضمن المجموعة الثانية النوع الثالث)، فان الضالين وان اتخذوا آلهة باطلة لهم، ولكن الذي يستحق العبادة والطاعة هو الخالق والرب فحسب وهذه هي الدرجة المطلوبة من الايمان لكل انسان مؤمن بالله، اي بالاضافة الى ايمانه بان الله واجب الوجود، وانه الخالق والمدبر، ومن يخضع العالم لارادته، يلزم عليه ايضاً ان يؤمن بانه الذي يستحق العبادة دون غيره. ومن هنا اخذ هذا المفهوم في شعار الاسلام (لا اله الا الله).

 

والحمد لله رب العالمين

 

الدرس السابق ... قائمة الدروس ... الدرس التالي