الدرس الحادي عشر:

 

سائر الصفات الفعلية

((1))

الإرادة الإلهية:

تمهيـد

من المواضيع المثيرة في علم الكلام موضوع الإرادة الإلهية، حيث طُرحتْ على بساط البحث من جوانب عديدة، ونشبت حولها نزاعات وخلافات كثيرة، أمثال:

هل إن الإرادة من الصفات الذاتية أم من الصفات الفعلية؟

وهل إن الإرادة قديمة أم حادثة؟

وهل هي واحدة أم متعددة؟

لذلك نوضح في البداية مفهوم الإرادة، وبعد ذلك نتعرض لدراسة موجزة حول الإرادة الإلهية.

 

حقيقة الإرادة:

الإرادة كيفية نفسانية وجدانية، كسائر الوجدانيات مثل اللذة والألم، وقد وقع الخلاف في استعمالاتها العرفية وبيان حقيقتها، فذهب العلماء في ذلك مذاهب شتى:

أ‌)       الإرادة هي اعتقاد النفع:

فالإرادة على هذا القول ليست شيئاً سوى العلم بالمنفعة الموجودة في الفعل المراد. كما إن الكراهة هي نفس العلم بالمفسدة والمضرة الموجودة فيه

ولكنه تعريف ناقص، ويدلنا على ذلك إنا قد نعلم بالمنفعة الموجودة في فعلٍ ما، ومع ذلك لا نريده لغايةٍ ما، والعكس صحيح.

ب‌)  الإرادة هي الشوق النفساني الحاصل بعد اعتقاد النفع:

وهذا التفسير ناقص أيضا، فان الإرادة أمر أخر وراء الشوق النفساني.

ألا ترى إن الإنسان المتقي قد يعلم بالنفع الموجود في فعلٍ ما، ثم يشتاق إلى فعله، ومع ذلك لا يريده، لأنه حرام

ت‌)  الإرادة هي العزم والتصميم الجازم على الفعل:

وهذا اقرب المعاني في تفسير الإرادة، وذلك لان الفاعل يمر بحالات متعددة قبل أن يقدم على أي فعل وتكون إرادته للفعل أخرها، بمعنى عزمه القاطع وإجماع رأيه على إيجاده. ولتوضيح ذلك نقول إن الفاعل: يفكر ابتداءً بالفعل، ويتصور منافعه ومضاره، فربما يقع في حيرة وتردد إذا تنافست المرغبات والدوافع الذاتية والموانع الخارجية. ولكن قد تَرْجُحُ لديه كفة منافعه فيحصل في نفسه شوق أولي للقائه. ثم قد يتعاظم هذا الشوق ويتأكد، فإذا تم ذلك، يصمم ويعزم على الفعل، وعندها يقال انه أراد إيقاع ذلك الفعل، فيوقعه.

ث‌)  المحبة:

هذا المعنى واسع جداً من حيث مجالاته، إذ يشمل محبة الأشياء الخارجية، وأفعال الشخص نفسه، وأفعال الآخرين، خلافاً للمعنى في الفقرة (ت) فانه يستعمل في خصوص أفعال الشخص نفسه.

مخطط 11- أ.

 

 

حقيقة الإرادة الإلهية:

لإثبات حقيقة الإرادة الإلهية يجب اتباع نفس الاسلوب الممكن اتباعه في مورد التعرف العام على صفات الله تعالى، فمن وجود الحياة في مخلوقاته بامكاننا الحكم بانه حي، قيوم (راجع اثبات الصفات الذاتية في الدرس التاسع صفحة 3) (راجع ايضاً مخطط 9- ج) ولكن ليس بوسع احد تفسير ارادة الله بالصورة التي تتم فيها ارادة الانسان، لانها (اي ارادة الانسان) متوقفة على مقدمتين:

أ‌)       تشخيص المصالح والمفاسد للشيء الذي يراد ايجاده

ب‌)  الاقدام بشوق ورغبة لتحقيقه

وكلاهما غير متصورين في حقه تعالى، لاستلزامهما النقص على الله وهو المنزه عن كل عيب ونقص. ولكن يمكن ان يتصور مفهوماً عاماً بتجريده عن النقائص، بحيث يقبل الصدق والاطلاق على الله تعالى فظهر في هذا المجال مسلكان مشهوران، احدهما يقول انها من صفات الذات والثاني يقول هي من صفات الفعل واليك بيانهما:

أ‌)       في بيان ان الإرادة من صفات الذات:

1-    ارادته سبحانه، هي علمه بالنظام الاصلح:

ان شأن الارادة في المريد هو تخصيص فعله نحو دون اخر، فيريده بالنحو الاول دون الاخر. ونحن نرى ان الله سبحانه اوجد العالم في وقت معين دونما قبله وما بعده، مع تساوي الاوقات بالنسبة الى الفاعل والقابل ... وأوجده على شكل دون شكل، مع تنوع الاشكال الممكنة للاجسام. وهكذا جميع الحوادث التي تطرأ في الكون. فاختصاص وجودها بوقتها وشكلها وسائر خصوصياتها، بما هي عليه يفتقر الى مخصص، لاستحالة التخصيص من غير مخصص. وذلك المخصص، ليس هو القدرة، (لان شأن القدرة هو الايجاد وحسب، من دون تخصيص بوقت او وصف، فان جميع الاشياء متساوية بالنسبة الى قدرته).

وليس هو العلم المطلق بالاشياء، (لافتقاده صلاحية التخصيص ايضاً كما هو سائر الصفات الذاتية).

فلم يبقى الا ان يكون المخصص هو علم خاص، وهو علمه باشتمال الفعل على المصلحة، لان نتيجة هذا العلم هو تخصيص الفاعل قدرته باحد الطرفين او الاطراف المحتملة ومن ثم ذهب الى ان ارادته علمه بالنظام الاصلح الاتم.

ويلاحظ عليه: إنا ذكرنا فيما تقدم ان العلم شيء والارادة شيء، فهما حقيقتان مختلفتان فتكونان في الذات الالهية واقعيتين مختلفتين ايضاً. فتفسير الارادة بالعلم (مطلقاً كان ام خاصاً) وارجاعها اليه هو في الحقيقة انكارنا للارادة الالهية.

2-    ارادته سبحانه، هي حب الكمال:

ان الإرادة بمعنى المحبة (راجع نقطة (ث) اعلاه) وان كانت في الانسان من قبيل الاعراض والكيفيات النفسانية، ولكن يمكن ان يتصور لها مفهوماً عاماً بتجريده عن النقائص، بحيث يقبل الصدق والاطلاق على الله تعالى، كما يقوم العقل بمهمة التجريد هذا في اثبات صفة العلم، ومن هنا يمكن ان يعد ((الحب)) الذي يطلق على محبة الله لذاته، ايضاً من الصفات الذاتية، بما ان ذاته تمثل الكمال اللا متناهي فيصبح المراد من الارادة الالهية حب الكمال الذي يتعلق اولاً بالكمال الالهي اللامتناهي، ويتعلق في مراتب لاحقة بكمالات سائر الموجودات من حيث هي اثار لكماله امكن لنا ان نعدها من الصفات الذاتية وتكون صفة قديمة واحدة وعين الذات الالهية المقدسة

 

 

 

ب‌)  في بيان ان الارادة من الصفات الفعلية:

ارادته سبحانه هي التصميم على القيام بعمل:

اي ارادته بتعبير اخر: اعمال سلطنته وقدرته عز وجل. فالارادة اذن صفة من صفات فعله تعالى وهي ارادة الله الفعل، لا غير ذلك، يقول له كن فيكون، بلا لفظ، ولا نُطْقٍ بلسان، ولا هِمَّةٍ ولا تفكر، ولا كيفٌ لذلك، كما انه سبحانه لا كيف له. اذن في حال كون الارادة الالهية صفة فعلية تتحدد وتتقيد بقيود وتحديدات زمانية بلحاظ تعلقها بالامور الحادثة (راجع مخطط 10- هـ) (راجع ملاحظة 2 في الدرس العاشر صفحة 6)، حيث تلاحظ هذه الرابطة، وهي انه كل مخلوق انما خلق من جهة توفره على الكمال والخير والمصلحة، فيكون وجوده في زمانٍ ومكانٍ معينين وبكيفيةٍ خاصة متعلقاً بالعلم والمحبة الالهية وقد خلقه الله تعالى باختياره دون ان يقهره احد على هذا الخلق، وبملاحظة هذه العلاقة، ينتزع مفهوم اضافي يسمى بـ ((الارادة)) وهي تتحدد بحدود وقيود بملاحظة تعلقها بشيء محدود ومقيد، ويتصف هذا المفهوم الاضافي بالحدوث، والكثرة، وذلك لان الاضافة تابعة للطرفين والحدوث والكثرة في احد الطرفين يكفي في سراية هذه الاوصاف للاضافة نفسها (من جهة المخلوقات فحسب).

فظهر اذن ان الارادة صفة من صفات فعله تعالى، بمعنى الفعل والايجاد والاحداث. مخطط 11- ب.\

 

 

الحكمة :

للحكمة في اللغة معنيان:

1)    الاتقان في الفعل، والحكيم هو المتقن فعله

2)    التنزه عن فعل ما لاينبغي فعله في العقل وعند العقلاء 1

والمعنيان كلاهما ثابتان لله تعالى، بيان ذلك:

 

الاتقان في الفعل

ان الله متقنٌ في فعله فيوصف بان الله حكيم ويكفينا لاثبات هذه الصفة لله تعالى ان نجول بابصارنا في هذا الكون الفسيح (الطريق السهل)، سمائه وارضه، وما فيهما من موجودات وكائنات وفي نفس الانسان وفي كل عضو وجزء منه، اذ تتجلى لنا في جميع ذلك كل مظاهر الاتقان والابداع والانتظام، وقد كشفت العلوم الحديثة عن الكثير من مظاهر الاتقان في الكون.

 

التنزه عن ما لا ينبغي فعله

اثبات صفة الحكمة لله تعالى بهذا المعنى بنحو الجزم، من اهم المسائل الكلامية والعقائدية، لما يترتب على انكارها او الاجمال في ثبوتها له تعالى، من النتائج الخطيرة، فاثبات الحكمة بهذا المعنى لله تعالى، يثبت تنزهه عن كل قبيح وبالتالي يثبت عدله سبحانه في التكوين والتشريع والجزاء وبها يتنزه فعله تعالى عن العبث، فيكون للخلق غاية، فيثبت لزوم التكليف وارسال الانبياء وبها تنحل مسألة الشرور والكوارث في الكون ومسألة الهداية والضلالة. وبها يثبت كون الانسان مختاراً في افعال نفسه غير مجبور فيها، وبها نثق بوعده تعالى ووعيده اللذين وردا في كتابه الحكيم ...الخ

يدلنا على ذلك حكم عقل كل انسان بان عدم اتصاف خالق الكون بها، يستلزم توالي فاسدة كالظلم والعبث والكذب وغيرها من القبائح التي لاتليق بانسان عاقل فكيف بشأنه تعالى.

نحن عند التأمل فيما ذكرناه حول الارادة الالهية يتضح لنا ان الارادة لا تتعلق بايجاد الشيء عبثاً وجزافاً وبدون حكمة. بل ما تتعلق به الارادة الالهية اصالةً هو جهة الكمال والخير في الاشياء، وبما ان تزاحم الماديات 2 فيما بينها، يؤدي عروض النقص والضرر على بعضها بفعل البعض الاخر منها، ولذلك فان المحبة الالهية للكمال تقتضي ان يوجد المجموع بشكل يترتب عليه الخير والكمال الاكثر والاغلب، ومن ملاحظة هذه العلاقات والروابط يُتوصل الى مفهوم ((المصلحة)). والا فان المصلحة ليس لها وجودٌ مستقل عن وجود المخلوقات، وليس للمصلحة تأثيرٌ في وجود المخلوقات، حتى يكون لها تأثيرٌ في الارادة الالهية، اي ليس هناك وجود خارجي مستقل يسمى بالمصلحة يؤثر في وجود المخلوقات فضلاً عن القول بتأثيره في الارادة الالهية.

والحاصل: بما ان الافعال الالهية انما تنشأ من صفاته الذاتية كالعلم والقدرة وحبه للكمال والخير، لذلك فان هذه الافعال لا يمكن ان تكون فاقدة للمصلحة بل انما تتحقق دائماً متوفرةً على المصلحة، اي يترتب عليها الخير والكمال الغالب، ويعبر عن مثل هذه الارادة بالارادة الحكيمة ومن هنا تنتزع صفة اخرى لله تعالى من الصفات الفعلية تسمى بصفة الحكيم وهي كسائر الصفات الفعلية تؤول وتنتهي الى الصفات الذاتية. مخطط 11- ج.

 


ويجب علينا ان نؤكد بان القيام بفعل لاجل المصلحة، لا يعني ان المصلحة هي العلة الغائية لله تعالى، بل ان المصلحة تعتبر هدفاً ثانوياً وتبعياً، واما الغاية الاصلية لافعاله تعالى فهي حبه للكمال اللا متناهي الذاتي، الذي يتعلق بالتبع بآثاره (اي بكمال الموجودات)، ومن هنا قالوا بان العلة الغائية للافعال الالهية هي العلة الفاعلية نفسها، وليس لله غاية مستقلة وزائدة على ذاته، ولكن هذه الفكرة لاتتنافى واعتبار الكمال والخير والمصلحة في الموجودات غـايةً فرعيةً وتبعيةً، ولذلك عللت الافعال الالهية في القران الكريم ببعض الامور والغايات التي تنتهي الى كمال المخلوقات وخيرها وتعود فائدتها للمخلوق نفسه. فقد ذكرت الايات القرانية ان الامتحان والابتلاء واختيار افضل الاعمال وعبادة الله والوصول الى الرحمة الخاصة الابدية الالهية، هي الاهداف والغايات لخلق الانسان. وكل واحدة من هذه الغايات ممهدة للغاية الاخرى وعلى الترتيب المذكور. وهذا منطق العقلاء، والمذهب الذي عليه الامامية والمعتزلة. ولكن الاشاعرة لم يرتضوا ذلك، وانكروا ان تكون للعقل صلاحية اصدار هكذا احكام من دون الرجوع الى الشرع المقدس، قائلين باننا لايمكننا ان نجزم بان الافعال – بما هي هي – حسنة وقبيحة الا اذا بين لنا الشارع حسنها او قبحها وقد عرفت هذه المسألة بمسألة الحسن والقبح العقليين وزيادةً في البيان والتوضيح نقول:

لدى كل انسان، احكام مسلَّمة لايرتاب فيها ابداً ولا يشك. وهذه الاحكام تسمى بالبديهيات والضروريات، وهي على قسمين:

أ‌)       احكام العقل النظري:

هذا القسم متعلق بافكار الانسان واراءه العلمية، مثل الحكم بان الثلاثة اكثر من الاثنين، وان الظرف اكبر من المظروف، وان النقيضين لايجتمعان ولا يرتفعان ...الخ، ولا ارتباط لها بشيء من افعاله وبما يجب عليه ان يعمله او لا يعمله.

ب‌)  احكام العقل العملي:

وهذا القسم يتعلق بافعال الانسان وتصرفاته التي يقوم بها في سلوكه الاخلاقي وحياته العائلية، والاجتماعية. مثل الحكم بان على الاب ان يطعم اولاده اذا جاعوا، ويداويهم اذا مرضوا، وان على الابناء ان يقابلوا اباءهم بالاحترام والطاعة. ومثل الحكم بان على الحاكم ان يحفظ النظام في البلد الذي يحكمه، ولايجوز له ان يظلم احداً من الناس بل يجب عليه ان يحكم بين الرعية بالعدل والانصاف ...الخ.

وهذه الاحكام – كما عرفت – تُسلّمها جميع العقول ولايناقش فيها انسان عاقل ابداً.

والعقل اذ يقول: يجب على الحاكم ان يكون عادلاً، فلانه يقيس واقعية الفعل – بما هو هو – الى الفطرة الانسانية العليا الثابتة في اعماق كل انسان، فيراه ملائماً لها، فيحكم بحسنه في ذاته، ولزوم اتصاف العاقل بها كائناً من كان.

ويلاحظ الظلم كذلك فيحكم بقبحه في ذاته، ولزوم تنزه العاقل عنه كائناً من كان.

ومن هنا، يحكم العقل الانساني الفطري [يكشف بملاحظة الواقع الذي هو فعل الهي وبالقياس الى الفطرة الانسانية العليا الثابتة في اعماق كل انسان وهي ايضاً فعل الهي] باستحالة ان يكون الله تعالى ظالماً او عابثاً او كاذباً لانها امورٌ قبيحة بالذات، واذا ثبت تنزهه تعالى عن هذه القبائح، ثبت كونه حكيماً، بالمعنى الذي نبحثه. ويؤكد المقالة القائلة باستقلال العقل في ادراكه لحسن الافعال وقبحها. مخطط 11- د.

 

 

 

1 الظاهر رجوع المعنى الثاني الى الاول، لان فعل الافعال المختلة الفاقدة للاتقان والنظم يعد نوعاً من العبث القبيح، خاصةً مع قدرة الفاعل على اتيان الافعال المتقنة المنضبطة. وعلى هذا الاساس يمكننا ان نستدل بالنظام الكوني الشاهد على حكمة صانعه تبارك وتعالى

2 القضاء الإلهي بوجود تزاحم في الماديات إنما غرضه ربط الأشياء بعضها ببعض في عالم المادة، وكلا القضاءان (تزاحم الماديات + إيجاد الأشياء مجليةً لحبه للكمال) يعملان في مستوى واحد، فالأول يؤدي إلى عروض النقص والضرر على بعضها بفعل البغض الأخر، والثاني يؤدي لدفع الأشياء لأن تكون متوفرة على أقصى الكمال بحسب استعدادها، وبالجمع بين القضائين تكون النتيجة أن يوجد المجموع بشكل يترتب عليه الكمال والخير الأكثر الأغلب.

 

 

والحمد لله رب العالمين

 

الدرس السابق ... قائمة الدروس ... الدرس التالي