الدرس الثاني عشر:

 

سائر الصفات الفعلية

((2))

الكلام:

يوصف الخالق تعالى بكونه متكلماً، بلا خلاف في ذلك بين اهل الملة، لوروده في الكتاب الحكيم في عدة ايات، منها قوله سبحانه: (وكلم الله موسى تكليما). وهنا نقول انه لا طريق لاثبات هذا الوصف لله تعالى الا عن طريق السمع او النقل لعدم اهتداء العقل الى اتصاف واجب الوجود بها لو لم يخبر هو نفسه عن اتصافه بها.

 

حقيقة الكلام:

الكلام هو مجموع الاصوات المُفْهِمَة لمعنى تام، وهو يتم عند الادميين من خلال الحنجرة واللسان بمدى وتردد يحدد المتكلم درجتيهما حين التكلم وحسب نوع الكلام، اي ان الكلام بتعبير اخر لا يتحقق الا مع وجود آلات وادوات حسية مادية وهذا هو الكلام الذي نعرفه.

 

حقيقة كلامه تعالى:

بحث منذ زمانٍ بعيد حول الكلام الالهي بين المتكلمين، بل قيل ان السبب في تسمية هذا العلم بـ ((علم الكلام)) هو خوض اصحاب هذا العلم في البحث حول الكلام الإلهي (راجع المقدمة الثالثة في باب المقدمات). حيث اعتبرته الاشاعرة من الصفات الذاتية، بينما اعتبرته المعتزلة من الصفات الفعلية وادى ذلك الى نزاعات شديدة وطرحت تساؤلات:

-         ما هي حقيقة الكلام الإلهي؟

-         هل ان الكلام صفة ذاتية ام صفة فعلية؟

-         هل ان القران وهو كلام الله مخلوق ام غير مخلوق؟

بل ادى هذا الموضوع الاخير الى ان يكفر بعضهم بعضاً، وهذا ما يدعونا الى البحث الدقيق والمعمق في حقيقة كلامه تعالى فنقول:

انه لا ينبغي ان يشك في عدم صحة اطلاق الكلام بالمعنى الذي تقدم، على الله تعالى، لانه واجب الوجود، منزه عن الادوات والآلات المادية، ولذلك لابد ان نتحرى عن معنى مناسبٍ لذاته المقدسة. ولا يخرج عن مجالات اطلاق ((الكلام)) واستعماله، ولو استعمالاً مجازياً، ومع ملاحظة التعريف الذي ذكرناه في الصفات الذاتية والصفات الفعلية يظهر لنا بوضوح: ان التكلم من صفات الفعل، حيث يتوقف انتزاعه على تصور مخاطب يتلقى مقصود المتكلم ومراده بوساطة سماع صوت، او رؤية كتابة، او خطور مفهوم بذهنه، او باية صورة وطريقة اخرى، وفي الواقع ان مفهوم المتكلم ينتزع (يكشف) من الرابطة بين الله تعالى الذي يريد يكشف عن حقيقة معينة لاخر، ومخاطب يدرك تلك الحقيقة ويتلقاها، الا ان يراد من التكلم معنى اخر، كالقدرة على التكلم او العلم بمضمون الكلام، وبهذا التفسير تؤول وتنتهي هذه الصفة الى الصفات الذاتية، كما ذكر نظيره لبعض الصفات الفعلية الاخرى، واما في الاجابة على التساؤل الثالث (هل ان القران مخلوق ام لا): فاذا كان القران الكريم بمعنى هذه الكلمات المكتوبة او الالفاظ او المفاهيم الموجودة في الاذهان او الحقيقة النورانية والمجردة فهو من المخلوقات. اما اذا قيل بان حقيقة القران هي العلم الالهي الذاتي ففي هذه الصورة تؤول هذه الصفة الى صفة العلم الذاتية [ولكن هذه التأويلات حول الكلام الالهي والقران الكريم بعيدة عن الفهم العرفي للمحاورات ويلزم تجنبها]. مخطط 12- أ.

 

 

 

اذن للتعرف على حقيقة كلامه تعالى يجب اتباع نفس الاسلوب الممكن في مورد التعرف العام على صفات الله تعالى (راجع مخطط 9- ج) فتفسير صفة المتكلم لله على غرار تكلم الادميين لا يخلو من اشكال كما هو واضح ولذلك لابد ان نتحرى عن معنى مناسب لذاته المقدسة نقول: ان المتتبع في كلام فصحاء العرب وبلغائهم، بل ايات الذكر الحكيم، يرى ان (الكلام) استعمل واريد منه معنى ((فعل الفاعل واثره)) لوجود مناسبة بين هذا المعنى والكلام المصطلح وهذه المناسبة هي الاتحاد في النتيجة، اذ كما ان الكلام يكشف عما في ضمير المتكلم من المعاني، وعما في ذاته من علم ومعرفة وخلق وغير ذلك، فكذلك الفعل، فانه كاشفٌ عما في الفاعل من الخصوصيات والطاقات كالعلم والقدرة والذوق والحكمة ...الخ والفرق بينهما هو ان دلالة الالفاظ على السرائر دلالة اعتبارية. في حين دلالة الافعال والاثار على خصويات الفاعل والمؤثر تكوينية، ومن نماذج هذا الاستعمال في القران وصفه تعالى عيسى عليه السلام بانه كلمة الله (انما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته القاها الى مريم وروح منه ...) فالمسيح كلمة الله، لانه فعل الله، كاشف عن قدرته سبحانه على خلق الانسان في رحم امه من دون اب .

ومن ذلك ايضاً وصفه سبحانه ما في الكون – الذي هو فعله تعالى الجامع لكل مظاهر الاتقان والعظمة – وصفه اياه بكلماته (قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا) فكلامه سبحانه [اذا قلنا ان الله متكلم] هو فعله وايجاده ومعناه انه موجد للاشياء الكاشفة عن قدرته وعلمه وحكمته تعالى.

اما اذا قلنا ان الله تعالى متكلم (اي يكلم انبياءه) فمعناه انه يوجد الكلام والاصوات المفهومة – بكيفية معينة – فيسمعها الانبياء ويدركونها وهذه الكيفية تكون بثلاثة انحاء:

1)    الوحي (الالقاء الخفي في نفوس الانبياء).

2)    من وراء حجاب (بان يوجد الكلام في الموجودات فيسمع الصوت ولايرى المتكلم كما حصل لموسى عليه السلام).

3)    ارسال ملك (وهو جبريل عليه السلام فيكلم النبي عن الله تعالى).

(وما كان لبشر ان يكلمه الله الا وحياً او من وراء حجاب او يرسل رسولاً فيوحي باذنه ما يشاء انه عليٌ قديرٌ) وهذا ما ترشدنا اليه ادلة العقل والنقل. مخطط 12- ب.

 

 

ملاحظات:

1)    في حدوث الكلام وقدمه:

ان القران كلام الله تعالى، وقد وقع النزاع في كونه حادثاً ومخلوقاً لله او قديماً.

قال الحنابلة والاشاعرة بانه قديم (راجع المقدمة الرابعة في باب المقدمات)، وكفّروا من قال بانه حادث مخلوق، ونقتطف من مقالاتهم قول ابي الحسن الاشعري: (ونقول ان القران كلام الله، غير مخلوق، وان من قال بخلق القران فهو كافر)

وقالت الامامية والمعتزلة بحدوثه (راجع المقدمة الرابعة في باب المقدمات)، وهو الحق لوجوده:

الوجه الاول: إنّا نسأل ما هو القديم، هل هو الفاظه او معانيه؟

لا ريب في بطلان الاول، لان الالفاظ مصطلحات موضوعة للمعاني، فهي اشياء وموجودات، فتكون مخلوقةً له سبحانه ولو في ظرف متناهٍ في القدم، واما الفاظه التي يتلفظ بها كل واحدٍ منا عند تلاوته للقران، فلا ريب في انها حادثة مخلوقة لنا، وان لم تكن هي بعينها القران الذي نزل، لكنها مثاله، ولا ينكر خلقها ذو عقل سليم.

واما الثاني، فالمعاني اما معانٍ ترجع الى الباري تعالى وصفاته، كعلمه وقدرته، فهي قديمة بلا ريب، لانها عين ذاته تعالى، ولا نزاع في ذلك.

واما راجعة الى الحوادث الكلية، كخلق السموات والارض، او الجزئية كالوقائع التي ينقلها القران الكريم في قصصه، والجميع حادث.

هذا، ولكن الظاهر من كلمات اصحاب القول بقدم القران، انهم يريدون قدم الالفاظ التي نزل بها جبرئيل (عليه السلام) على النبي الاكرم (صلى الله عليه واله وسلم)، فقد كان احمد بن حنبل يقول: (إنّ تلفظنا بالقران غير مخلوق، وان من قال بذلك كافر، لانه قد زعم ان جبرئيل تكلم بمخلوق، وجاء الى النبي بمخلوق) وقد عرفت بطلانه وسخافته.

الوجه الثاني: لو كان القران قديماً بمعنى كونه غير مسبوق بالعدم، للزم كونه واجب الوجود، وسنثبت في مباحث التوحيد استحالة وجود اكثر من واجب وجود واحد. والقول بتعدده، شرك، فيكون حال الاشاعرة والحنابلة حال النصارى في قولهم بقدم الاقانيم الثلاثة: الاب والابن وروح القدس.

الوجه الثالث: لو كان كلام الله تعالى قديماً، للزم الكذب عليه، لانه يكون على زعمهم قد اخبر بارسال نوح في الازل في قوله: (انا ارسلنا نوحاً الى قومه ...)، والحال انه لا زمن سابق على الازل حتى يكون قد ارسله فيه ومثل ذلك الكثير من الآيات المخبرة عن وقوع حوادث في ازمنة متقدمة بصيغة الماضي.

الوجه الرابع: انه يلزم منه العبث في قوله تعالى: (واقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) اذ لا مكلف في الازل، والعبث قبيح، فيمتنع عليه تعالى، كما سيأتي.

الوجه الخامس: ان الذكر الحكيم يصف نفسه بانه محدث في قوله: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم مُحْدَث الا استمعوه وهم يلعبون). "والذكر" هو القران الكريم، لقوله تعالى: (انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون) واحتمال كونه الرسول الكريم استناداً الى قوله تعالى: (... قد انزل الله اليكم ذكرا * رسولاً ...)، منتفٍ، لان الرسول يُسْتَمَع اليه، ولا يُسْتَمَع.

هذا، وقد خلفت مسألة قدم القران او حدوثه انعكاسات سلبية على المجتمع الاسلامي، نتيجة تعنت المتناظرين فيها وعدم تطلبهم للحقيقة، اضافة الى عوامل سياسية لبعض الفرقاء، فحدثت فتنة دامية عرفت بـ (محنة خلق القران) وقد تقدمت الاشارة اليها في المقدمة الرابعة في باب المقدمات فراجع.

 

2)    في صدق الكلام الالهي:

والكلام الالهي اذا تضمن الامر والنهي، فانه يحدد بذلك الوظائف العملية للعباد، ولا يمكن اتصافه بالصدق والكذب، ولكن لو تضمن الإخبار عن الحقائق الموجودة، او الاحداث الماضية والمستقبلية فيتصف بالصدق كما يقول القران الكريم (ومن اصدق من الله حديثاً).

وتمثل هذه الصفة الاساس لاعتبار نوع اخر من الاستدلال، هو ((الاستدلال النقلي والتعبدي)) لاثبات المسائل الفرعية للنظرة الكونية، واثبات الكثير من المسائل الايديولوجية.

ومن الادلة العقلية التي يمكن اقامتها لاثبات هذه الصفة: ان كلام الله انما هو من شؤون الربوبية الالهية وتدبير الكون والانسان، وعلى اساس من العلم والحكمة، ولتوجيه المخلوقات وهدايتها، وتوفير الوسيلة لنقل المعلومات والمعارف الصحيحة للمخاطبين، واذا امكن القول بمخالفته للواقع فسوف لا يمكن الوثوق بكل هذه المسائل والاعتماد عليها، بل يوجب نقض الغرض ويخالف الحكمة الالهية.

 

والحمد لله رب العالمين

 

الدرس السابق ... قائمة الدروس ... الدرس التالي