الدرس الثالث عشر:
تثبيت اسس الرؤية
الكونية الالهية
تمهيـد
اشرنا في الدرس الاول انه يمكن تقسيم الرؤية الكونية
بصورة عامة الى قسمين:
-
الرؤية الكونية
الالهية
-
الرؤية الكونية
المادية
واهم قضية تختلف حولها هاتان الرؤيتان هي قضية وجود اله
عالم قادر، حيث تصر الرؤية الكونية الالهية عليها كاصل اساسي، بينما تنكرها الرؤية
الكونية المادية (راجع مخطط 1- أ و 1- ب).
وفي الدروس السابقة اثبتنا وجود الله وتعرضنا لاهم
الصفات الالهية السلبية والثبوتية، والذاتية والفعلية.
ولأجل تثبيت الايمان بهذا الاصل وتعميقه (وبحسب القسمة
العقلية) نتعرض بإيجاز لنقد الرؤية الكونية المادية (من خلال دراسة عوامل الانحراف
والبحث الاجمالي في اصول الرؤية الكونية المادية وتقويمها مروراً باستعراض مذاهب
الرؤية المادية من خلال عرض ونقد المادية الميكانيكية والديالكتيكية) ليتضح من
خلال ذلك بطلان مرتكزات الرؤية المادية وخواؤها بالاضافة الى تثبيت اسس
الرؤية الكونية الالهية مخطط 13- أ.
ولأجل الوصول الى الهدف نتناول عوامل الانحراف عن الرؤية
الالهية والاتجاه الى الالحاد
عوامل الانحراف
نظرة تاريخية:
وجدت المادية والالحاد منذ القدم في تاريخ البشرية وبالرغم
من وجود الايمان بالله دائماً بين الشعوب، كما تدل عليه شواهد التاريخ وعلم الاثار
ولكن بدأ انتشار اللادينية منذ القرن الثامن عشر الميلادي في اوربا ثم امتدت
موجتها الى سائر بقاع الارض تدريجياً.
وهذه الموجة الالحادية وان بدأت كرد فعل تجاه جهاز
الكنيسة والمسيحية، ولكن رياحها عصفت بسائر الاديان والمذاهب وامتدت الى سائر
الشعوب متزامناً مع تصدير الصناعة والفن والتكنولوجيا، وشاعت هذه الموجة في القرن
الاخير مع انتشار المبادئ الاجتماعية الاقتصادية الماركسية لتشكل اكبر عقبة واخطر
داء يواجه الانسانية، وتقسم العوامل التي ادت الى ظهور هذه الظاهرة المنحرفة
واتساعها الى ثلاث مجموعات من العوامل:
أ-
العوامل النفسية:
وهي دوافع يمكن ان تدفع الفرد
الى اللادينية والالحاد، وان لم يشعر الفرد نفسه بتأثيراتها، واهمها:
-
الرغبة في الراحة
والارتخاء
-
الرغبة في الكسل
-
الرغبة والميل الى
العبث
-
الرغبة في التحلل
وعدم الشعور بالمسؤولية
فان الجهد الذي يلزم على
الانسان بذله في سبيل البحث والتنقيب، وخاصةً في المجالات التي لا تتوفر على اللذة
المادية المحسوسة (من ضمنها موضوع كتابنا وبحثنا)، يمنع الافراد الكسولين
والعابثين والغير الطموحين من البحث والتحقيق.
كذلك الرغبة والتحرر
المنحرف الحيواني، والعبث وعدم الالتزام بالمسؤولية والضوابط تصد امثال هؤلاء عن
الاتجاه والميل للرؤية الكونية الالهية، لان تقبل النظرة الالهية والايمان بالخالق
الحكيم، يعتبر منطلقاً لمجموعة من المعتقدات الاخرى تفرض على الانسان الالتزام ببعض
الضوابط والتمكن لرغباته والشعور بالمسؤولية مما لا يتلائم مع الرغبة بالتحلل ومن
هنا تكون هذه الرغبة الحيوانية (وان كانت بصورة لاشعورية) سبباً في ضمور
الجذر والاساس لهذه المسؤوليات والضوابط، وانكار وجود الله تعالى.
وهناك عوامل نفسية اخرى
لها دورها في الاتجاه نحو الالحاد واللادينية تظهر من خلال سائر العوامل.
ب- العوامل الاجتماعية:
اي الظروف والاوضاع
الاجتماعية السيئة التي تظهر في بعض المجتمعات والشعوب، حيث يكون لمن بايديهم زمام
الشؤون الدينية دور في حدوثها او اتساعها بحيث تضيع الرؤية الصائبة على الكثير من
قاصري النظر وضعاف التفكير فلا يمكنهم البحث بعمق عن العوامل الحقيقية التي ادت
الى هذه الحوادث والظروف السيئة مما يحدو بهم وخصوصاً حين يرون دور المتدينين في
وقوعها بلصق هذه الاوضاع بالدين ويتوهمون بان المعتقدات الدينية هي السبب ويؤدي
ذلك الى نفورهم من الدين ومن الامثلة البارزة الظروف الاجتماعية السيئة التي
عاشتها اوربا في عصر النهضة.
ومن الضروري لكل القائمين
على الشؤون الدينية التنبه الى تأثير هذه العوامل وخطورتها وليعلموا بان اخطاءهم
ربما تؤدي الى ضلال المجتمع وتعاسته.
ت- العوامل الفكرية:
اي الاوهام والشبهات
التي:
-
تخطر في ذهن
الانسان
-
او يتلقاها من
الاخرين
لكنه لايمكنه مواجهتها
لضعف وقصور في قدرته على التفكير والاستدلال، وبذلك يخضع لتأثير تلك الشبهات
قليلاً او كثيراً، او على الاقل تكون السبب في حصول حالة الاضطراب والتردد في ذهنه
لتمنع من حصول الاطمئنان واليقين له.
ويمكن تقسيم هذه العوامل
الفكرية الى اقسام ثانوية:
-
الشبهات المعتمدة
على الميل الى الامور الحسية
-
الشبهات الناشئة
من المعتقدات الخرافية
-
الشبهات الناشئة
من التفسيرات الخاطئة والاستدلالات الضعيفة
-
الشبهات المتعلقة
بالحوادث والكوارث المؤلمة (حيث يعتقد بانها مخالفة للحكمة والعدل الالهيين)
-
الشبهات التي تنشأ
من الفرضيات العلمية (حيث يفهم بعض الافراد منها معارضتها للمعتقدات الدينية)
-
الشبهات المتعلقة
ببعض الاحكام والتعاليم الدينية (وخاصة المسائل القانونية والحقوقية والسياسية)
-
الوسواس الفكري
وهذه الحالة من العوامل
الفكرية المهمة جداً ويمكن ملاحظتها عند وجود اكثر من عامل من العوامل السابقة
التي جرى تناولها حيث تساهم جميعاً في تكوين حالة التردد والشك او الجحود والالحاد
فيلاحظ احياناً بان المتاعب النفسية المختلفة ربما تكون عاملاً في الاعداد لظهور الشبهات
والاوهام وبذلك يصاب الفرد بمرض نفسي (الوسواس الفكري) ونتيجةً لذلك تعرض لهذا
المريض حالة الشك، فلا يقتنع باي دليلٍ او برهان، كما هو الملاحظ في المصاب
بالوسواس في العمل حيث لايمكنه ان يثق بصحة اي عمل يمارسه، فتراه يغمس يده في
الماء عشرات المرات بدون ان يحصل له الاطمئنان بطهارة يده مع ان يده ربما طهرت
بالمرة الاولى!
مواجهة عوامل الانحراف
بعد التأمل في عوامل الانحراف (حيث وجدناها مختلفة
ومتنوعة)، فان مواجهة كل عامل تفرض اتخاذ طريقة معينة خاصة به فمثلاً:
-
العـوامـل النفـسـيـة
و الاخـلاقـيـة = معـالجتهـا بالتـربيـة
الصحيحـة والتـنبيـه الـى الآثـار
السيئة له (كمـا درسنـا
في الدرسين الثاني والثالث) حيث بحثنـا فـي ضـرورة البحث عن الدين والآثار السيئة
لللامبالاة وعدم الاهتمام به.
-
الآثار السيئة
للعوامل الاجتماعية = يلـزم بالاضـافـة الـى العمـل عـلى منـع حـدوث مثــل
هـذه الظروف والعوامل ان
نوضح الفرق الكبير بين بطلان الدين نفسه، وبين عدم استقامة المتدينين وسوء مواقفهم
وتصرفاتهم. ومما يجدر الاشارة اليه ان التنبيه الى تأثير العوامل النفسية
والاجتماعية ينتج منه على الاقل عدم خضوع الشخص لا شعورياً لمثل هذه العوامل.
-
العــوامـل الفـكـريــة
الـمـختـلـفــة = لـزوم اتـخـاذ اسـالـيب سـلـيمـة، ومـواقـف صـائبــة
مـن مضاعفات وآثار
العوامل الفكرية، كالتمييز بين المعتقدات الخرافية والمعتقدات الصحيحة او اجتناب
استخدام الاستدلالات الضعيفة والغير المنطقية في اثبات المعتقدات الدينية وكذلك
يجب ان نوضح لهم هذه الحقيقة وهي ان ضعف الدليل لا يدل على عدم صواب المدعي.
ومن الواضح ان البحث في عوامل الانحراف كلها وذكر الطرق والاساليب الملائمة لمواجة كل واحد منها لا يناسب هذه الدراسة لذلك سنكتفي بذكر بعض العوامل الفكرية للالحاد وجواب بعض الشبهات المتعلقة بها في الدرس الرابع عشر.
والحمد لله رب العالمين
الدرس السابق ... قائمة الدروس ... الدرس التالي