الدرس الرابع عشر:
العوامل الفكرية
شبهات وحلول
1-
الايمان بموجود غير محسوس:
من
الشبهات البسيطة التي تثار حول الايمان بالله:
كيف
يمكن الايمان بموجود لا يقبل الادراك الحسي حيث لايمكن ادراكه بواسطة الحواس؟
الجواب:
هذه
الشبهة ممكن:
أ)
تخطر
في اذهان السذج والبسطاء ذهنياً: بصورة الاستبعاد او الاستغراب لوجود هذا الموجود
الذي لاتدركه الحواس
ب) ان
يقول بها بعض العلماء الذين اعتمدوا في اساس تفكيرهم على ((اصالة الحس)) حيث انكروا الموجود
غير المحسوس، او انهم على الاقل ذهبوا الى عدم قبولهم المعرفة اليقينية الجازمة
ان كل
حاسة من حواسنا تدرك نوعاً من الظواهر المادية، الملائمة بطبيعتها لتلك الحاسة،
وفي ظل شروط معينة. فلا نتوقع للعين ان تدرك الاصوات او للاذن ان تدرك الالوان لذا
يلزم علينا ان نفهم ان حواسنا غير قادرة على ادراك الموجودات كلها وذلك:
اولاً: ان هناك بعض الموجودات المادية غير قابلة
للادراك الحسي مثل الاشعة فوق البنفسجية او تحت الحمراء، والامواج المغناطيسية
الكهربائية، وغيرها.
ثانياً: انا ندرك الكثير من الحقائق من غير طريق الحواس
الظاهرية، ونؤمن بها ايماناً جازماً، مع انها غير قابلة للادراك الحسي مثلاً
الشعور بحالة الخوف والحب فينا، ونعتقد بها اعتقاداً يقينياً مع انها من الحالات
النفسية، غير قابلة للادراك الحسي، بل ان الادراك نفسه امر غير مادي وغير محسوس.
اذن فعدم ادراك شيء ليس
دليلاً على عدم وجوده (انعدام الوجدان لا يعني انعدام الوجود)، بل لا ينبغي ان
يكون سبباً في الاستبعاد والاستغراب ايضاً (راجع المقدمة العاشرة في باب
المقدمات).
مخطط
14- أ.
2-
نظرية الخوف والجهل والظلم في
الايمان بالله:
اثيرت
هذه الشبهة من بعض علماء الاجتهاد: ان الايمان بالله انما ولد نتيجة الخوف من
بعض الاخطار والمخاوف الناشئة من الزلازل والصواعق نتيجة جهلهم باسبابها وعللها
لذلك ابتدعوا لانفسهم الهاً وديناً وفرضوا ان الله وارادته من وراء تلك الظواهرفبعبدوه
وتضرعوا اليه ليدفع عنهم شرورها لتسكين انفسهم وتهدئتها ومتى ما تعرف البشر على
الاسباب الطبيعية لهذه الحوادث، واساليب مواجهتها اكثر، ازداد الايمان بالله ضعفاً.
ويطرح الماركسيون هذا الرأي بكل صخب وتهريج ويصفونه انه من معطيات ((علم الاجتماع)) ثم يتخذونه اداةً
لاصطياد الاغبياء والمخدوعين.
كما
ذهب جماعةٌ اخرون الى ان: الظالمين ابتدعوا الدين ليبرروا دوام ظلمهم وحاكميتهم
على الناس، فاوحوا اليهم انهم تربعوا على
سدة الحكم بقضاء من الله وقدره.
الجواب:
من
السهولة جداً الصاق التهم بالغير وتقريعهم من اجل تحقيق اهداف كان مخططاً لها من
قبل، ولكن التحقق والاستدلال على فكرةٍ ما واعتمادها على اساس قوي ومتين شيء اخر.
فان واقع الحياة الاسلامية فكراً ومدرسةً واتباعاً تتعارض وبشكلٍ صارخ مع ما تقدم
من تهم رخيصة اعتاد اعداء الدين توجيهها اليه والى اتباعه وهذا يمثل الجواب العام
في الرد على نظرية الخوف والجهل والظلم (راجع المقدمة الرابعة عشر في باب
المقدمات).
اما
الرد التفصيلي لهذه الشبهة (او الشبهات) نقول:
اولاً: ان اساس هذه الشبهة فرضية طرحها بعض علماء الاجتماع، دون ان يكون هناك
دليل علمي يدعم صحتها.
ثانياً: هناك الكثير من العلماء في عصرنا الحديث تعرفوا على الاسباب وراء هذه
الحوادث والظواهر ولكنهم مؤمنون بوجود الله الحكيم ايماناً جازماً يقينياً 1.
اذن فالايمان بالله لم ينشأ من الخوف والجهل والظلم.
ثالثاً: اذا كان الخوف من بعض
الحوادث، او الجهل بالاسباب الطبيعية لبعض الظواهر، امناً في التوجه والتطلع لله،
فلا يعني هذا ان الله وليد خوف الانسان وجهله. كما هو الملاحظ في الكثير من
الدوافع النفسية امثال حب اللذة او الظهور، وغيرهما، حيث كانت البواعث وراء الكثير
من الجهود والبحوث العلمية والفنية والفلسفية، دون ان تمس اعتبارها بسوء
رابعاً: اذا كان هناك افراد
يؤمنون بان الله تعالى هو السبب في حدوث الظواهر المجهولة العلة، ويضعف ايمانهم
هذا باكتشاف الاسباب الطبيعية، فلابد ان نعتبر ذلك دليلاً على ضعف فهمهم وايمانهم
لا ان نعده دليلاً على عدم اعتبار الايمان بالله. وذلك لان علية وسببية الله تعالى
للظواهر الكونية ليست من طبيعة العلل الطبيعية وفي مستواها وعرضها، بل ان عليته
شاملة وفي طول تأثير جميع العلل المادية وغير المادية. ومعرفة العلل والاسباب الطبيعية،
او عدم معرفتها لا اثر لها ابداً في اثباته او نفيه.
خامساً: اما قصة الدين مع
الظالمين فهي غنية عن التعريف، والتاريخ من بعد القران شاهد على ما نقول وقدم
المسلمون من اجله انهاراً من الدماء واذا ما تقاعس الناس في فترة عن اداء
مسؤولياتهم ولم يعترضوا على الطاغوت اما لقصورهم او لتقصيرهم ذلك امرٌ اخر.
اذن لا
دور للخوف والجهل والظلم في الايمان بالله ولكن يمكن ان يكون له نصيب من الواقع في
بعض المجتمعات البدائية والمتخلفة، وهو اجنبي عن الطابع العام لمجتمعنا الاسلامي.
مخطط 14- أ.

3-
من خلق الله؟
الجواب:
(راجع المقدمة الحادية عشر في باب المقدمات). مخطط 14- أ.
4-
هل ان قانون العلية قانون كلي وعام؟
وهناك
شبهة اخرى اثارها بعض العلماء الغرب، وهي ان قانون العلية لو كان مبدءاً شاملاً
لشمل الله تعالى، فلا بد ان نفترض لله علة ايضاً، مع ان المفروض ان الله هو العلة
الاولى ولا علة له. اذن فالايمان باله لا علة له، نقض وهدم لقانون العلية،
ودليل على عدم شموليته. واذا انكرنا شموليته فلا يمكن التمسك بهذا القانون لاثبات
واجب الوجود، وذلك لانه من الممكن لاحد ان يقول بان المادة الاصلية او الطاقة وجدت
بذاتها، وبدون علة، ونشأت من تغيراتها وتبدلاتها سائر الظواهر والاشياء.
الجواب:
هذه
الشبهة – وكما اشرنا اليه في الدرس السابق – انما وجدت نتيجة تفسير خاطىءٍ لمبدأ
العلية، فانهم اعتقدوا بان مدلوله ان كل شيء محتاج للعلة. مع ان التعبير الصحيح ان
نقول: ((كل ممكن الوجود هو
مفتقر محتاج للعلة، او كل موجود مرتبط هو مفتقر محتاج للعلة)) وهذا المبدأ شامل
وضروري لا يقبـل الاستثناء.
اما
افتراض ان المادة او الطاقة وجدت بدون علة، وان تغيراتها كانت السبب في وجود سائر
الظواهر والكائنات في الكون، فيعترض عليه باعتراضات عديدة (راجع المقدمة
الثانية عشر والخامسة عشر والسادسة عشر). مخطط 14- أ.
5-
معطيات العلوم التجريبية:
من
الشبهات في هذا المجال: ان الايمان بوجود الخالق للكون والانسان، لا يتلاءم مع
بعض منجزات العلوم الحديثة ومعطياتها، فمثلاً، أُثبت في علم الكيمياء بقاء كمية
المادة والطاقة وثباتها دائماً، ومن هنا فلا يمكن لأي حادث ان يوجد من العدم، ولا
يمكن لأي موجود ان يعرض له العدم بالمرة، مع ان المؤمنين بالله يؤمنون بان الله قد
اوجد مخلوقاته من العدم.
وكذلك
ثبت في علم الاحياء ان الكائنات الحية نشأت من موجودات غير حية، وتطورت بالتدريج،
الى ان كان الانسان، نتيجةً لهذا الارتقاء والتطور، مع ان المؤمنين بالله يعتقدون
بان الله خلق كل موجود بصورة مستقلة.
الجواب:
اولاً: ان مبدأ بقاء
المادة او الطاقة مبدأ علمي تجريبي، انما يعتمد عليه في الظواهر الخاضعة للتجربة،
ولا يمكن ان يعالج قضية فلسفية لنبحث من خلاله؛ هل ان المادة او الطاقة ازلية
وابدية ام لا؟
ثانياً: ان بقاء كمية
المادة والطاقة وثباتها، لا يعني عدم الاحتياج للخالق، بل كلما طال عمر الكون،
احتاج اكثر لخالق، وذلك لان الملاك والسبب في احتياج المعلول للعلة هو الامكان
والفقر الذاتي للمعلول لا الحدوث والتحديد الزماني.
وبعبارة
اخرى: ان المادة والطاقة تمثلان العلة المادية للكون، لا العلة الفاعلية له، وهما
بنفسهما محتاجان للعلة الفاعلية ايضاً.
ثالثاً: ان بقاء كمية
المادة والطاقة وثباتها، لا يستلزم ان ننفي ظهور الظواهر الجديدة، او زيادتها
ونقيصتها، فهناك ظواهر اخرى امثال الروح والحياة والشعور والارادة وغيرها، ليست من
قبيل المادة والطاقة، لتكون زيادتها او نقصانها، منافيةً لمبدأ بقاء المادة
والطاقة.
رابعاً: ان فرضية التطور،
بالاضافة لعدم اكتسابها الاعتبار والقيمة العلمية الكافية وقد رفضها الكثير من العلماء
الكبار، فانها لا تعارض الايمان بالله، واكثر ما تفرضه هذه الفرضية هو اثبات نوع
من العلية الاعدادية للكائنات الحية، ولا تنفي علاقتها بخالق الوجود. والشاهد على
ذلك ان الكثير من انصار هذه الفرضية مؤمنون باله خالق للكون والانسان
1 امثال اينشتاين، وكرس موريسن، الكسيس كارل، وغيرهم من العلماء الكبار الذين كتبوا المقالات والمؤلفات على وجود الله، وقد جمع بعضها ((الله يتجلى في عصر العلم)).
والحمد لله رب العالمين
الدرس السابق ... قائمة الدروس ... الدرس التالي