الدرس الخامس عشر:

 

توحيد الله

 

تمهيـد

التوحيد من اهم الصفات التي يتصف بها البارىء تعالى، وهو يعني تنزهه سبحانه عن الشريك ويدل على اهمية هذه الصفة، ان انقسام البشر الى الاديان العديدة ناشئ في الاغلب من الاختلاف فيها.

وقد اثبتنا في الدروس السابقة ضرورة وجود اله خالق للكون، اله عالم وقدير هو الموجد والخالق، وهو الحافظ والمدبر للكون. وفي الدروس السابقة تعرضنا ايضاً بايجاز لتثبيت اسس الرؤية الكونية الالهية من خلال دراسة عوامل الانحراف (راجع الدرس الثالث عشر) والبحث الاجمالي في اصول الرؤية الكونية المادية وتقويمها مروراً باستعراض مذاهب الرؤية المادية من خلال عرض ونقد النظرية المادية الميكانيكية والديالكتيكية (راجع المقدمة الخامسة عشر و المقدمة السادسة عشر في باب المقدمات) ليتبين من خلال ذلك بنحو الجزم بطلان مرتكزات الرؤية المادية وخواؤها وصولاً الى تثبيت اسس الرؤية الكونية الالهية لنخرج بنتيجة واضحة وقطعية هي ان افتراض وجود كون بدون اله افتراض لا يمكن تعقله وهذا يقودنا الى المرحلة التالية والسؤال التالي الذي يطرح نفسه على تفكيرنا (بحسب القسمة العقلية) هل هو الهٌ واحد ام اكثر وصيغة هذه الاكثرية (اي نتناول موضوع توحيده تعالى) (راجع مخطط 13- أ).

وفي هذا الدرس علينا ان نبحث في موضوع التوحيد، وتفنيد معتقدات المشركين واراءهم. وهناك اراء مختلفة لعلماء الاجتماع حول نشأة المعتقدات المشركة في البشرية، وما طرأ عليها من تبدل وتغير، ولكن ليس هناك دليل صالح للاعتماد على كل تلك الاراء والتفسيرات.

وربما يمكن لنا القول بان العوامل في الاتجاه للشرك وتعدد الالهة هي:

أ‌-       مشاهدة تنوع الظواهر السماوية والارضية.

ب‌-  رغبة البشر في معبود محسوس وملموس.

ت‌-  دور الجبابرة والطواغيت اللاهثون وراء السلطة.

 

فمن مشاهدة تنوع الظواهر السماوية والارضية اعتقد البشر ان كل نوع منها خاضع لتدبير اله معين وذهب بعضهم الى ان الخيرات مستندة لاله الخير والشرور مستندة لاله الشر وقالوا بوجود مبدأين وخالقين للعالم والامر يجري كذلك بملاحظة مدى تأثير نور الشمس والقمر والكواكب في الظواهر الارضية لذلك يخطر في الاذهان بان لها نوع من الربوبية للموجودات الارضية فاذا اضفنا اليها من جهة اخرى رغبة البشر بمعبود محسوس وملموس دفعهم ذلك ان يصنعوا لتلك الالهة المتوهمة تماثيل وتواتم (علامات ورسوم رمزية) انهمكوا في عبادتها، وبالتدريج اكتسبت هذه الاوثان طابع الاصالة عند قاصري الذهن والبدائيين وصار لكل امة بل لكل قبيلة طقوسها وتقاليدها لما تمليه عليها اوهامها تعبد بها اوثانها، ليشبعوا بهذه الممارسات والطقوس البديلة ذلك الدافع الفطري الكامن في اعماقهم لعبادة الله (راجع الملاحظة المذكورة في الدرس الثاني الصفحة الخامسة) وليضفوا على نزواتهم الحيوانية واهوائهم العابثة لون القداسة الدينية بالاضافة الى ذلك كله، استغل الجبابرة الطواغيت هذه المعتقدات والافكار الساذجة لعامة الناس واستثمروها من اجل ان يحكموا قبضتهم حول رقاب الشعوب وشرعوا في بذر المعتقدات المشركة ونشرها واضفوا على انفسهم لون من الربوبية واعتبروا عبادة الطواغيت من جملة الطقوس الدينية كما حدث في ملوك وسلاطين الصين والهند وايران ومصر ...الخ.

اذن فالمعتقدات والمبادئ المشركة وجدت بين الناس نتيجةً لعوامل مختلفة، وانتشرت لتكون عقبة كأداء في مسيرة التكامل الحقيقي للبشرية ومن هنا خص الانبياء الجانب الاكبر من جهودهم ونشاطاتهم لمحاربة الشرك والمشركين وهناك اشارات كثيرة لهذا الصراع في القران الكريم.

اذن فان اساس المعتقدات المشركة تعتمد على الايمان بربوبية موجود اخر غير الله من الموجودات الكونية وفي الواقع انهم امنوا بالتوحيد في الخالقية ولكنهم قالوا بوجود الهة بمستوى ادنى واعتقدوا بان هذه الالهة تقوم بمهمة تدبير الكون والتصرف فيه بصورة مستقلة واطلقوا على الاله الخالق ((رب الارباب)) واعتقد البعض بان هذه الالهة هي:

1)    ملائكة كما اعتقدها العرب بانها بنات الله.

2)    توهم البعض الاخر بانها من الجن.

3)    اعتقد اخرون بانها ارواح الكواكب.

4)    ارواح بعض البشرالسابقين.

5)    انها نوع معين من الموجودات الغير مرئية.

ويكفي في تفنيد معتقداتهم تبيان وجود التناقض الذي اشرنا اليه في الدروس السابقة وهو التلازم الوثيق بين الخالقية (على الاطلاق) والربوبية الحقيقية فلا ينفصل الايمان باحداهما عن الاخرى ابداً وان ايمان بتوحده في الخالقية (كما قاله معظم المشركون) لا يتلائم والايمان بربوبية غيره وهذا هو الطريق السهل لتوحيده تعالى وقد اقيمت ادلة وبراهين عديدة على توحيد الله تعالى في الكتب الكلامية والفلسفية المختلفة (الطريق المتوسط) نذكر هنا دليلاً واحداً يدل بالمباشرة على التوحيد بالربوبية وتفنيد معتقدات المشركين. مخطط 15- أ.

 

 

الدليل على توحيد الله:

ان افتراض وجود الهين واجبي الوجود، او آلهة متعددة للكون (واجبة الوجود)، لا يخرج عن الاحتمالات التالية (بلحاظ وجود ظواهر وكائنات متعددة):

1)    فاما ان نفترض ان كل واحدة من هذه الظواهر والكائنات الكونية، مخلوقة ومعلولة لجميع هذه الآلهة الواجبة الوجود.

2)    واما ان كل مجموعة منها معلولة لواحد من الآلهة المفترضة الواجبة الوجود.

3)    ان نعتبرها جميعاً مخلوقة لإله واحد واجب الوجود بينما نفترض سائر الآلهة الاخرى الواجبة الوجد ايضاً مدبرة للكون.

 

اما الافتراض الاول فهو افتراضٌ محال ذلك لان القول بان هناك اثنين او اكثر من الآلهة الخالقة (بمعنى العلة الموجدة) تخلق الموجود، يعني ان كل واحدٍ منهما يفيض وجوداً. ونتيجةً لذلك ان توجد عدة وجودات بعدد الآلهة المفترضة، مع ان كل موجود ليس له الا وجود واحد بحسب الفرض والا لم يكن موجوداً واحداً.

واما الافتراض الثاني فيلزم منه ان يكون كل مخلوق او كل مجموعة قائماً بخالقه (العلة الموجدة) ولا يحتاج الى موجود اخر، الا الاحتياج الذي يؤول وينتهي بالتالي الى خالقه (العلة الموجدة) (وهو احتياج الى خصوص مخلوقات خالقه) وبعبارة اخرى انه يلزم من هذا الافتراض وجود انظمة متعددة في الكون، وكل واحد منها مستقل ومنفصل عن الاخر، مع ان للكون نظاماً واحداً، وكما يوجد ارتباط وتفاعل بين الظواهر الموجودة في زمان واحد، وتحتاج كلٌ منها الى الاخرى فان هناك ارتباطاً وعلاقةً بين الظواهر السابقة مع الظواهر الراهنة، وكذلك بين الظواهر الراهنة والظواهر المستقبلية واللاحقة، وكل ظاهرة سابقة ممهدة للاحقة، اذن فهذا الكون الذي يتألف من اجزاء مترابطة متلاحمة ويحكمه نظامٌ واحد، لا يمكن ان يكون معلولاً لعدة علل موجدة.

اما الافتراض الثالث فهو غير صحيح ايضاً وذلك لان كل معلول قائمٌ بكل شؤون وجوده بعلته الموجدة له وليس لاي موجود مستقل سبيل للتصرف فيه الا ان يكون من قبيل التفاعلات الحاصلة بين معلولات العلة انفسها (راجع العلة الموجدة في الدرس الثامن)، ولكن كلها خاضعة للفاعل الموجد لها ولا تخرج عن حكومة قدرته وسلطانه، ولا يتم شيء الا بأذنه التكويني، وفي هذه الحالة لا تكون كل تلك الآلهة المفروضة ارباباً بحسب الافتراض الثالث – غير الاله الخالق الموجد – ((رباً)) بمعناه الحقيقي! اذ ان المعنى الحقيقي للرب، ان يقوم بالتصرف المستقل بالمربوب دون غيره، ولكن ما تم فرضه من هذه التصرفات والتفاعلات (بحسب الافتراض الثالث) هي ان لا تكون مستقلة، بل انها كلها لا تخرج عن حدود قدرة وسلطان العلة الموجدة (الإله الاول الذي هو خالق للكون)، وانما تمت هذه التصرفات والتفاعلات بالقوة التي زودها ذلك الخالق، ولولاه لما امكن ان توجد هذه التصرفات وهذا يبطل واجبية وجودها بالاضافة الى ابطال ربوبيتها بالمعنى الحقيقي، مخطط 15- ب. وذلك يمكن افتراض وجود مثل هذه الارباب المدبرة للكون بالاذن الالهي (ربوبية غير مستقلة) وهو لا ينافي التوحيد في الربوبية كما ان الخالقية التي تتم بالأذن الالهي لا تنافي التوحيد بالخالقية. وفي القران الكريم وفي الاحاديث الشريفة ما يدل على مثل هذا الخلق او التدبير التَبَعي وغير المستقل لبعض عباد الله، (اذ تخلق من الطين كهيئة الطير بأذني فتنفخ فيها فتكون طيراً بأذني) وقوله تعالى ايضاً: (فالمدبرات امرا).

والحاصل ان التوهم بامكان آلهة متعددة للكون، ناشئ من قياس الله على العلل المادية والمعدّة حيث يمكن القول بتعددها للمعلول الواحد، ولكن لايمكن ان نشبه العلة الموجدة بامثال هذه العلل، ولا يمكن ان نفترض لاي معلول، عدة علل موجدة او عدة ارباب مدبرة بالاستقلال.

اذن لاجل تثبيت دفع هذا التوهم بدقة (راجع العلة الموجدة في الدرس الثامن) وكذلك لابد من التأمل في ترابط الكون ليتضح لنا ان هذا النظام المترابط الذي يحكم الكون لا يمكن ان يكون مخلوقاً لآلهة متعددة، او خاضعة لتدبير ارباباً مستقلين؟! (راجع الطريق السهل لمعرفة الله في الدرس السادس)

واتضح من خلال ما ذكرناه ان القول بالولاية التكوينية (التدبير التكويني) لبعض عباد الله الصالحين، لاينافي الايمان بالتوحيد بشرط ان لا تفسر هذه الولاية بمعنى الخالقية او الربوبية المستقلة، كما ان القول بالولاية التشريعية (التدبير التشريعي) للنبي الاكرم (صلى الله عليه واله وسلم) والائمة الطاهرين (عليهم السلام) لاينافي الربوبية التشريعية الالهية لان هذه الولاية انما وجدت من الله تعالى وبالأذن الالهي.  مخطط 15- ب.

 

 

والحمد لله رب العالمين

 

الدرس السابق ... قائمة الدروس ... الدرس التالي