الدرس السادس عشر:
معاني ومراتب
التوحيد
(1)
تمهيـد
ان
لفظة التوحيد التي تعني لغوياً ((عد الشيء وجعله واحداً)) قد استعملت في مصطلح اهل
الفلسفة والكلام والاخلاق والعرفان، في معانٍ عديدة مختلفة.
-
الاصطلاح الاول.
-
الاصطلاح الثاني.
مخطط 16- أ.
أ-
الاصطلاح
الاول: اما على اساس ما اصطلحه الفلاسفة والمتكلمون، فهم يقسمون التوحيد الى
الانواع التالية:
1)
نفي التركيب (احد).
2)
نفي التعدد.
3)
نفي الصفات الزائدة على الذات.
4)
التوحيد الافعالي.
5)
التأثير الاستقلالي.
1) نفي
التركيب (احد)
وهو
الايمان بالاحدية والبساطة الداخلية الذاتية، وعدم تركيب الذات الالهية من اجزاء
بالفعل او بالقوة.
ويذكر
غالباً هذا المعنى بصورة صفة سلبية (نفي التركيب) دون وصفه بالبساطة لان
اذهاننا اكثر الفةً وانساً لمفهوم التركيب وما يقابله وهو نفي التركيب، من مفهوم
البساطة. راجع الدرس الثامن – الصفات السلبية – البساطة.
وهو
يعني ان الله احدٌ بسيطٌ غير مركب. والمركب هو ما له جزء، ويقابله البسيط وهو ما
لا جزء له.
ويدل
على انه تعالى بسيط، انه تعالى – بحسب ما انتهت القسمة العقلية – واجب الوجود، فلو
كان مركباً من اجزاء، لكان مفتقراً الى اجزاءه، والمفتقر ممكن.
بيان
ذلك:
ان التركيب اما تركيب ذهني، تتركب الماهيات من
الاجناس والفصول، او تركيب خارجي كتركب الاجسام من الاعضاء والاجهزة المختلفة،
وتركب المواد من الجزيئات، والجزيئات من الذرات.
والمركب،
بكلا المعنيين محتاجٌ الى اجزائه، اما احتياج وجود، كاحتياج الماء الى
عُنْصُرية: الاوكسجين والهيدروجين، وبدون احدهما ينعدم ويفنى، وكماهية الانسان،
تحتاج الى كلا جزءيها العقليين: الحيوان والناطق، لتتحصل في الذهن.
او احتياج
تكامل، كاحتياج البدن الى اليد، وبدونها يكون البدن ناقصاً في فاعليته.
فلو
كان الباري جلت عظمته مركباً، لكان مفتقراً الى اجزائه، اما في تحقق وجوده وبقائه،
او في كماله وتماميته في فاعليته. والافتقار مساوٍ للامكان فيلزم كونه ممكناً، مع
ان الخالق واجب الوجود.
وبامكانك
ان تقول: ان فرض كون الصانع واجب الوجود، بحسب ما انتهت اليه القسمة العقلية،
يستلزم كونه بسيطاً لا جزء له (قل هو الله احد).
2) نفي
التعدد
وهو
الاعتقاد بوحدانية الله ونفي التعدد والكثرة الخارجية الذاتية. وهذا المعنى يقابل
الشرك الصريح والاعتقاد بالهين او آلهة متعددة، بصورة يكون لكل واحد منها وجود
مستقل ومتميز عن الاخر.
فالله
تعالى واحد في ذاته لا ثاني له، ويدل على ذلك انه لو كان في الوجود واجبا وجود،
للزم امكانُهما، وهو خلاف الفرض.
بيان
ذلك:
ان
واجبي الوجود المفترضين، يشتركان في وجوب الوجود حسب الفرض. وبحكم كونهما اثنين،
لابد من مائز وراء هذا الامر المُشتَرك يُميِّزُهما عن بعضهما، وبدونه لا تتحقق
الإثْنَيْنيّة. فيلزم عندئذٍ تركب كل منهما من شيئين:
أ-
ما به
الاشتراك: وهو واجبية الوجود.
ب- ما به
الامتياز.
واذا
كان كلٌ منهما مركباً، لم يكن ايٌّ منهما واجب الوجود، لان المركب كما عرفت محتاج
الى اجزائه، والاحتياج صفة الامكان، فان واجب الوجود غنيٌّ غنىً محضاً عن كل شيء.
فاذن يلزم من فرض واجبي وجود، إمكانُهما، وهو خلاف الفرض (ولم يكن له كفواً
احد). مخطط 16- ب.

3) نفي
الصفات الزائدة عن الذات
ويعني
الايمان باتحاد الصفات الذاتية مع عين الذات الالهية، ونفي الصفات الزائدة عن
الذات ويعبر عنه ((التوحيد الصفاتي)).
والدليل
على التوحيد الصفاتي: هو انه لو كان لكل واحدة من الصفات الالهية مصداق مستقل فلا
يخرج عن عدة حالات:
أ-
اما
ان نفترض مصاديقها في داخل الذات الالهية، ويلزم من هذا الافتراض، ان يكون
الذات الالهية مركبة من اجزاء، وقد اثبتنا سابقاً استحالة التركيب.
ب- واما
ان نفترض ان مصاديقها في خارج الذات الالهية، وفي هذه الحالة اما ان
نتصورها:
1.
واجبة الوجود غير محتاجة الى خالق.
2.
ممكنة الوجود ومخلوقة لله.
اما
افتراض انها واجبة الوجود، فهذا يعني تعدد الذات وهو الشرك الصريح، ولا اظن ان
هناك مسلم يلتزم به. واما افتراض ان هذه الصفات ممكنة الوجود فيلزم من ذلك؛ القول
بان الذات الالهية مع افتراض فقدانها لهذه الصفات، هي التي تخلق هذه الصفات
وتوجدها، ثم بعد ذلك تتصف بها، فمثلاً، مع ان الذات فاقدة للحياة ذاتاً، فانها
تخلق موجوداً يسمى ((الحياة)) وبعد ذلك تتصف بصفة الحياة، وكذلك الحال في العلم والقدرة وغيرها، مع انه
من المحال ان تكون العلة الموجدة فاقدة ذاتاً لكمال مخلوقاتها، وابشع من ذلك ان
نعتقد بان الخالق يكتسب في ظل مخلوقاته الحياة والعلم والقدرة، ويتصف بفضلها بسائر
الصفات الكمالية!
وببطلان
هذه الفروض والاحتمالات يتضح لنا ان الصفات الالهية ليست لها مصاديق مستقلة كل
واحدة عن الاخرى وعن الذات الالهية، بل ان هذه الصفات كلها مفاهيم ينتزعها العقل
من مصداق واحد بسيط هو الذات الالهية المقدسة.
4) التوحيد
الافعالي
ويعني
ان الله تعالى في افعاله غير محتاج لاي احد ولاي شيء (ليس بحاجة الى مساعد ومعين)،
ولا يمكن لاي موجود ان يعينه وان يقدم له المساعدة في فعله.
ويمكن
ان نثبت هذه الحقيقة على ضوء الخاصة التي تتميز بها العلة الموجدة وهي القيومية
بنسبة لكل معلولاتها (راجع الدرس الثامن ومخطط 8- ب)، وذلك لان معلول هذه
العلة، قائمٌ بكل وجوده بالعلة وليست له اي استقلالية في نفسه.
وبعبارة
اخرى: انّ ما يملكه ويتمتع به اي موجود، انما حصل له من تلك العلة الموجدة وهو
خاضع لقدرة الله وسلطانه وملكيته الحقيقية والتكوينية، واما ملكية الاخرين وقدرتهم
فهي مستمدة منها ومن متفرعاتها، وفي طول القدرة الالهية، لا انها تزاحمها،
كما هو الحال في الملكية الاعتبارية للعبد المملوك على الاموال التي يكتسبها،
فانها في طول الملكية الاعتبارية للمولى، ((العبد وما في يده لمولاه)) اذن فكيف يكون الله
محتاجاً لمعرفة اشياء تكون بكل وجودها وشؤون وجودها مستمدة منه، وقائمة به؟
5) التأثير
الاستقلالي
ويعني
الاستقلال في التأثير، اي ان المخلوقات لايمكنها الاستغناء في افعالها عن الله،
وانما يتم تأثير كل مخلوق من المخلوقات في الاخر بأذن الله، وفي ظل القدرة
التي يمنحها الله تعالى له. وفي الواقع ان الموجود الوحيد الذي يفيض تأثيره في كل
مكان وفي كل شيء بصورة مستقلة وبدون احتياجه لغيره، هوالذات الالهية المقدسة، اما
فاعلية الاخرين وتأثيرهم فهي في طول فاعليته وتأثيره، وفي ظله ومدده
ومستمدة ومكتسبة منه تعالى. وعلى هذه الاساس نرى القرآن الكريم ينسب آثار الفواعل
والاسباب والعلل الطبيعية وغير الطبيعية ((امثال المَلك والجن والانسان)) الى الله تعالى
فمثلاً يُسند الى الله تعالى هطول المطر، وخروج النبات، واثمار الاشجار، ويتم
التأكيد كثيراً في ضوء المعارف الالهية، على ان يدرك الانسان ويتأمل في هذا
الاسناد والنسبة الى الله تعالى. الذي هو في طول الاسناد للفواعل والاسباب
والعوامل القريبة، وان يؤمن به، ويتوجه اليه دائماً فهو علة العلل واليه تنتهي
العلل والاسباب.
ولتقريب
الفكرة الى الذهن، نضرب مثالاً من الامور الاعتبارية: فاذا امر الرئيس موظفاً
للقيام بعملٍ ما، فان هذا العمل وان صدر من الموظف نفسه، ولكنه في نفس الوقت مستند
ومنسوب الى الرئيس والآمر في مرتبة اعلى، بل ان العقلاء يعتبرون استناد العمل
للآمر اكثر تقبلاً واقوى استناداً.
والفاعلية
التكوينية لها سلسلة من المراتب ايضاً، وبما ان وجود كل فاعلٍ قائم بالارادة
الالهية (ويمكن ان يشبه هذا القيام من زاويةٍ ما، بقيام الصور الذهنية بالشخص الذي
يتصورها ((ولله المثل الاعلى))) ولذلك كانت الآثار
الوجودية التي تصدر من كل فاعل ومؤثر منوطة ومتعلقة في مرتبتها العليا بالاذن
والارادة التكوينية الالهية، ومستندة الى الله تعالى (ولا حول ولا قوة الا
بالله العلي العظيم). مخطط 16- ج.

ب- الاصطلاح
الثاني: وهو على اساس اصطلاح العرفاء؛ فانهم يبدأون في عدهم لانواع التوحيد على
عكس التسلسل الذي بدء به الفلاسفة والمتكلمون فيعدون – طبقاً لسيرهم المعنوي
ومحاولتهم لمعرفة الله القلبية – التوحيد الافعالي اول مرحلة من سير العارف ثم
ينتقل بعد الرقي والسير والسلوك الى توحيده تعالى في صفاته واخر مرحلة يصل اليها
العارف في سيره العرفاني توحيد الله في ذاته.
فالتوحيد الافعالي عندهم هو رجوع افعال الموجودات
والكائنات كلها الى الله فكل الاسباب والعلل والحركات والافعال الناتجة عنها مآلها
الى الله كالقلم بيد الكاتب؛ فان الذي من وراء حركة القلم حقيقةً هو الكاتب لا
القلم وهذه المعرفة في رأيهم لم يدركها العقل من خلال تأملاته وانما ادركتها
النفوس من خلال صفائها الذي تجلى بالنور الذي قذفه الله في القلب.
واما توحيد الله الصفاتي فهو عندهم يعني ان صفات الكمال
مآلها الى الله وما عند الغير تجلي من تجلياته.
واما التوحيد الذاتي فيعني عندهم اخر مرحلة يمكن ان
يصلها العارف في سيره الى الله، فيرى ان الوجود الحقيقي منحصر في ذات الله الحقة
وكل ما دونه انعكاس وظلال لوجوده الاقدس.
فالوجود وان تكثر وتعدد الا انّه نظير التعدد في المرايا
في مقابل نور واحد اشرق عليها، فبدى النور متعدداً الا انه في واقع الحال نورٌ
واحدٌ لا غيره (الله نور السماوات والارض – النور 35).
وحينها تقبل من لدن العارف دعوى انه يرى وجود الله في كل شيء وقد ورد في بعض الروايات ان سلمان الفارسي بلغ درجةً عاليةً من القرب الى الله بحيث لم يبين ما يجول في نفسه وعالمه الخاص لاقرب الناس اليه، لعلمه بترتب اثر سيء عليه. [قال علي بن الحسين (عليه السلام): ((لو علم ابو ذر ما في قلب سلمان لقتله))]. مخطط 16- د.

والحمد لله رب العالمين
الدرس السابق ... قائمة الدروس ... الدرس التالي