الدرس الثامن:
صفات واجب الوجود
تمهيـد
بعد ان اثبتنا وجود واجب الوجود بذاته صار من الواجب ان نتعرف من خلال
الادلة على صفاته المختصة به، التي تميزه عن باقي الموجودات، والا فان مجرد اثبات
انه واجب الوجود لا يكفي لمعرفته بصورته المتميزة وهذا من الممكن ان يدعو البعض
بان يعتقد بان المادة او الطاقة (مثلاً) يمكن ان تكون مصداقاً لواجب الوجود فاصبح
من الضروري ان نثبت الصفات السلبية له والتي من خلالها ننزه واجب الوجود عن الاتصاف بالصفات المختصة بباقي
الموجودات وبذلك يمكن ان نوضح بطلان فرضية ان المادة او الطاقة (لانها متصفة
بالصفات المختصة بباقي الموجودات) يمكن ان تكون مصداقاً لواجب الوجود هذا من جهة
ومن جهة اخرى لابد ان نثبت الصفات الثبوتية له لتتضح لنا صلاحيته للعبادة،
ولنمهد بذلك الارضية لاثبات بقية المعتقدات امثال النبوة والمعاد وما يتفرع عنهما.
لقد توصلنا في الدرس السابق الى ان واجب الوجود غير محتاج الى علة وانه هو
العلة لوجود الممكنات، اي اننا اثبتنا نتيجتين لواجب الوجود:
النتيجة الاولى: عدم احتياجه لاي موجود اخر (بكلمة اخرى غناه مطلقاً)،
لانه لو احتاج ادنى احتياج لاي موجود اخر، لكان ذلك الموجود الاخر علة له (راجع
المقدمة السابعة).
النتيجة الثانية: ان الموجودات الممكنة الوجود معلولة ومحتاجة اليه
(فقيرة مطلقاً)، وهو العلة الاولى لوجودها وحدوثها.
وعلى ضوء هاتين النتيجتين (الصفتين)، نحاول البحث في لوازم كل واحدة منها
واثبات الصفات السلبية والثبوتية لواجب الوجود.
الصفات السلبية (من لوازم النتيجة الاولى لواجب الوجود):
(1) ازلية واجب الوجود وابديته
من النتيجة الاولى علمنا ان واجب الوجود موجود بذاته وغير محتاج الى اي
موجود اخر لذلك فهو ابدي الوجود وكذلك اذا كان الموجود معلولاً ومحتاجاً الى موجود
اخر (وواجب الوجود ليس كذلك) فان وجوده تابع لوجود الموجود الاخر، واذا فقدت علته
فسوف لا يكون له وجود، اي اذا عدم الموجود في فترة زمنية فهذا دليل على فقره
واحتياجه وامكان وجوده فلا يمكن فرض بداية لواجب الوجود لان واجب الوجود موجود
بذاته ومن هنا اثبتنا لواجب الوجود بالاعتماد على النتيجة الاولى صفتان من صفاته
وهي:
أ)
اثبتنا
انه لم يسبق له العدم في الماضي (ازليته)
ب) اثبتنا
انه في المستقبل لن يكون معدوماً ابداً (ابديته)
واحياناً يعبر عن كلتا الصفتين بـ (السرمدي)
وعلى هذا فان المادة (من صفاتها انها كانت معدومة ويمكن زوالها) لا يمكن ان
تكون واجب الوجود وبذلك يتضح بطلان افتراض واجب الوجود لكل ظاهرة مادية.
(2) البساطة
وهي صفة اخرى من لوازم واجب الوجود (لوازم النتيجة الاولى)، وهي اثبات عدم
التركيب من اجزاء (البساطة)، ذلك لان كل مركب محتاج الى اجزاءه، وواجب
الوجود منزه عن كل احتياج (النتيجة الاولى) فلا يمكن افتراضه مركب من اجزاء.
اما لو افترض بان اجزاء واجب الوجود ليست موجودة بالفعل، بل ان
اجزاءه بالقوة كشقي الخط المفروضين للخط الواحد، فمثل هذا الافتراض باطل
ايضاً. وذلك لان الشيء الذي له اجزاء بالقوة، قابل للانقسام عقلاً حتى ولو لم
يتحقق الانقسام فعلاً في الخارج. ومعنى امكان الانقسام، امكان زوال الكل وانعدامه،
كما ان الخط الذي طوله متر واحد، لو قسمناه الى شقين، لا يبقى خط طوله متر واحد
(قد عرض له الزوال والفناء) وقد علمنا سابقاً ان واجب الوجود لا يمكن ان يعرض له
الزوال والفناء (راجع ازلية واجب الوجود وابديته)
(3) تجرد واجب الوجود عن المادة
بما ان التركيب من الاجزاء بالفعل او بالقوة، من خواص الاجسام وقد تبين
بطلانه في موضوع البساطة فيثبت من ذلك ان كل موجود جسماني لا يمكن ان يكون واجب
الوجود، اي يثبت بذلك تجرد واجب الوجود وعدم جسمانيته ولازم ذلك ان يصبح واجب
الوجود غير قابل للرؤية بالعين وغير قابل للادراك باي حاسة اخرى، وذلك لان
المحسوسية من خواص الاجسام والجسمانيات.
كذلك بنفي جسميته (اثبات تجرده) تسلب من واجب الوجود سائر خواص الاجسام،
امثال كونه في مكان او زمان. وذلك لان المكان انما يتصور للشيء الذي له حجم
وامتداد، وكذلك كل شيء زماني هو قابل للانقسام من حيث الامتداد والعمر الزماني،
ويعتبر هذا نوعاً من الامتداد والتركيب من الاجزاء بالقوة، وبذلك نثبت انه لايمكن
ان نتصور لواجب الوجود اي مكان او اي زمان، وايضاً ان كل موجود زماني او مكاني ليس
بواجب الوجود.
واخيراً وبسلب الزمان من واجب الوجود تسلب منه الحركة والتحول والتكامل،
وذلك لان اية حركة او تحول لايمكن ان تتم من غير زمان.
اذن فاولئك الذين اثبتوا لواجب الوجود (الله) مكاناً كالعرش، او نسبوا له
الحركة والهبوط من السماء او اعتقدوا انه قابل للرؤية بالعين او انه قابل للتحول
والتكامل، لم يعرفوا الله حق معرفته.
(راجع المقدمة العاشرة والحادية عشرفي باب المقدمات)
وبصورة عامة، فكل مفهوم يدل على نوع من النقص والتحديد والاحتياج،
منفي ومسلوب عن واجب الوجود وهذا معنى الصفات السلبية الالهية.
الصفات الثبوتية (من لوازم النتيجة الثانية لواجب الوجود):
وهي النتيجة التي توصلنا اليها من البرهان السابق:
ان واجب الوجود علة لوجود الممكنات، اي نحن نتعرض لمميزات العلة
الموجدة (راجع المقدمة الثانية عشر في باب المقدمات)
لا يمكن ان نجد لفاعلية الله نظير في سائر الفواعل. وذلك لان هذا الفاعل
وبدون اي احتياج يوجد ويخلق معلوله (النتيجة الاولى)، هذا المعلول الذي يرتبط بكل
وجوده به (النتيجة الثانية).
بملاحظة ما ذكرناه، يمكن لنا ان نذكر بعض المميزات الهامة التي تتميز بها
العلة الموجدة:
1- يلزم
ان تشمل العلة الموجدة على كمالات المعلولات جميعاً، وبصورة اتم واكمل، حتى يمكنها
افاضتها على كل موجود بمقدار قابليته واستعداده، خلافاً للعلل المعدة والمادية،
التي تقوم بمهمة الاعداد، وتوفير الارضية المناسبة لتحول المعلول وتغيره لا في اصل
وجوده بل في تغيره، فلا يلزم عليها ان تتوفر على كمالاتها، فمثلاً لا يلزم توفر
التراب على كمالات النباتات، ولا يلزم توفر الوالدين على كمالات ابنائهم. واما
الله الموجد فلابد ان يمتلك كل الكمالات الوجودية، مع بساطته وعدم قبوله للانقسام.
2- ان
العلة الموجدة، توجد معلولها من العدم، وبكلمة واحدة (تخلقها) ولكن بخلقها لا ينقص
من وجودها شيء، خلافاً للفاعل الطبيعي، الذي مهمته تغيير المعلول الموجود، مع بذل
القوة والطاقة في القيام بهذه المهمة ولو فرض انفصال شيء من ذات واجب الوجود،
لاستلزم قبول الذات الالهية الانقسام والتغير، وقد ثبت بطلان ذلك.
3- ان
العلة الموجدة علة حقيقية، ومن هنا كان وجودها ضرورياً لبقاء المعلول، خلافاً
للعلة المعدة (راجع المقدمة الثانية عشر)، التي لا يحتاج اليها بقاء
المعلول. وعلى ضوء ذلك فما حكي عن بعض المتكلمين من اهل السنة من ان العالم في
بقائه غير محتاج لله، وكذلك ما حكي عن بعض الفلاسفة الغربيين من ان عالم الطبيعة
كالساعة التي توقت، وبعد ذلك تواصل الساعة عملها لوحدها، فلا يحتاج العالم في عمله
الى الله بعد ذلك. مثل هذه الاراء بعيدة عن الحقيقة. بل ان عالم الوجود محتاج
ومفتقر دائماً وفي كل شؤونه وحالاته الى الله تعالى، واذا امتنع الخالق لحظةً عن
افاضة الوجود فلا يبقى شيء في الوجود. مخطط 8- أ و 8- ب.


والحمد لله رب العالمين
الدرس السابق ... قائمة الدروس ... الدرس التالي