الدرس السابع:
الطريق المتوسط
لمعرفة الله
(إثبات واجب الوجود)
تمهيـد
اشرنا في الدروس
السابقة الى ان الفلاسفة الالهيين وعلماء الكلام (المتكلمين) اقاموا ادلة وبراهين
عديدة على اثبات الله تعالى، ذكرت في الكتب الفلسفية والكلامية الموسعة، ونختار
هنا من بينها برهاناً واحداً، يعتمد على مقدمات اقل، ولكنه متقن ومحكم، واقرب الى
الفهم، وسنحاول توضيحه، ولكن يلزم التأكيد على ان هذا البرهان يثبت الله بعنوان
انه (واجب الوجود) اي انه موجود
ووجوده ضروري لا يحتاج الى موجد.
واما اثبات صفاته الثبوتية والسلبية امثال العلم والقدرة، وعدم الجسمية،
وعدم كونه في مكان او زمان، فلا يتكفله هذا البرهان، ولابد من اثباتها ببراهين
اخرى.
كلنا يعرف ان كل قضية، مهما كانت بسيطة لابد وان تتألف من مفهومين رئيسيين
على الاقل، هم الموضوع والمحمول. مخطط 7- أ.
وكذلك علمنا ان ثبوت المحمول للموضوع لايخرج عن حالات ثلاث:
1) اما
ان ثبوت المحمول للموضوع محال ويسمى الامتناع
2) او ان
ثبوت المحمول للموضوع ضروري ويسمى الوجوب
3) او ان
ثبوت المحمول للموضوع ليس محالاً ولاضرورياً ويسمى الامكان
(راجع المقدمة السادسة في باب
المقدمات)
البرهان
نبتدىء البرهان بتبيان اربع مقدمات:
المقدمة الاولى: ان كل معقول ومتصورفي الذهن (موضوع)، اذا نسبنا اليه
الوجود الخارجي (محمول) فاما ان يصح اتصافه به، او لا:
أ) فان
لم يصح اتصافه به لذاته (اي لعدم قبول حقيقته للوجود الخارجي) فهو ممتنع
الوجود لذاته مثل اجتماع النقيضين وارتفاعهما، وكذلك وجود المعلول بلا علة
ودخول الكبير في الصغير.
ب) ان صح
اتصافه به فاما ان يكون:
1- لاقتضاء
ذاته لهذا الاتصاف ويسمى واجب الوجود لذاته
2- او لا
ويسمى ممكن الوجود
فيتحصل من ذلك ان المتحقق في الخارج اما ام يكون واجب الوجود او ممكن الوجود. مخطط 7- ب.
المقدمة الثانية: علمنا ان واجب الوجود هوما كان وجوده نابعاً من صميم
ذاته، فلا تنفك ذاته عن الوجود، بخلاف ممكن الوجود، فان وجوده ليس من اقتضاء ذاته،
بل مفاض عليه، فان اعطيه وجد، والا بقي عدماً.
فالاحتياج والافتقار الى العلة سمة الامكان، والغنى عن العلة سمة الوجوب.
المقدمة الثالثة: الممكن كما هو محتاج الى العلة في بداية وجوده، محتاج
اليها في استمرارية وجوده، لان العلة لو ارتفعت وانقطعت عنه بعد ان اوجدته، فاما
ان يكون وجوده في الانات اللاحقة نابعاً من ذاته، فيلزم انقلاب الممكن واجباً وهو
محال. او لا، فيحتاج العلة المبقية.
ومثل الوجود في الممكن، مثل النور في المصباح في توقفه ابتداءً وبقاءً على
جريان الكهرباء فيه باستمرار، فان الوجود في الممكن متوقف ابتداءً وبقاءً على
افاضة الوجود عليه من علته باستمرار.
المقدمة الرابعة: ان كل متغير ومتبدل، ممكن، لان التغير عبارة عن طروء
حالة وجودية لم تكن من قبل، وكان هذا المتغير يفتقدها فافيضت عليه واعطيت له وهذه
سمة الامكان، اذ الواجب وجوده من ذاته ولايفاض عليه. (راجع المقدمة السادسة ايضاً
في باب المقدمات)
اذن الموجود اما ان يكون واجب الوجود بذاته او ممكن الوجود ... معادلة رقم
(1)
ولا شك ان في العالم الخارجي المحيط بنا موجودات كثيرة ... معادلة رقم (2)
اذن بحسب القسمة العقلية وبجمع المعادلتين فان:
هذه الموجودات الكثيرة (الموضوع) وباضافة الوجود اليها (المحمول)
لا تكون الا بثلاثة احتمالات:
أ)
كلها
واجبة الوجود
ب) كلها
ممكنة الوجود
ج) قسم
منها واجب الوجود والقسم الاخر ممكن الوجود
فيمكننا ان نثبت وجود واجب الوجود اذا ابطلنا الاحتمال (ب)
اذا تنقلنا بابصارنا وعقولنا في الموجودات المحيطة بنا في العالم الخارجي
(المحسوس) لتيقنا وبدون اي شك انها تتصف كلها بالامكان، لوقوعها في دائرة الحدوث
والفناء والتغير والتبدل فنسأل عمن احدثها واخرجها من العدم والبسها لباس الوجود؟
عندئذٍ يسرع الجواب الى اذهاننا وهو انها لايمكن ان تكون قد اوجدت نفسها لانتفاء
الاحتمالات العقلية الثلاث التي لا رابع لها وهي:
1) ان
يكون كل ممكن اوجد نفسه بنفسه
2) او كل
ممكن اوجده ممكن اخر، وهذا الاخر اوجده الاول
3) او كل
ممكن اوجده ممكن اخر، والممكن الاخر اوجده ممكن ثالث، وهكذا ... من دون الانتهاء
الى نقطة.
على الاول والثاني يلزم الدور وعلى الثالث يلزم التسلسل، والدور والتسلسل
باطلان، اذن لايمكن اعتبار كل الموجودات ممكنة وانها اوجدت نفسها بنفسها.
اذن واجب الوجود موجود على صحة الاحتمال (أ) و(ج).
على الافتراض (أ) (كلها واجبة الوجود) يكذبها الواقع المشهود من كون
الموجودات متغيرة متبدلة مرتبطة بعضها ببعض مفتاقة بعضها لبعض في كل شؤونها ومن بينها
وجودها (سمة الامكان) (راجع المقدمات الاربعة اعلاه).
اذن نستنتج ان الموجودات في الخارج قسم منها واجب الوجود والاخر ممكن
الوجود.
وبالرجوع الى دليل توحيده تعالى في الدرس السادس عشر (والذي سنبينه لاحقاً)
نستنتج ان الموجودات الممكنة الكثيرة المحيطة بنا هي على الهيئة التالية:
ان كل ممكن اوجده ممكن اخر، والممكن الاخر اوجده ممكن ثالث وهكذا مع
الانتهاء الى موجد واحد واجب الوجود بذاته (راجع المقدمة الثامنة والتاسعة
والعاشرة والحادية عشرة في باب المقدمات). مخطط 7- جـ.

والحمد لله رب العالمين
الدرس السابق ... قائمة الدروس ... الدرس التالي