المسالك الاخلاقية

 

هناك ثلاث مسالك اخلاقية لتحسين الاخلاق لدى الفرد وتثبيتها وهي كالاتي:

1-    المسلك الاول (تهذيب النفس بالغايات الصالحة الدنيوية – مسلكه مبني على العقائد العامة الاجتماعية في الحسن والقبح / دعوته الى الحق الاجتماعي) : وملخص هذا المسلك ان إصلاح النفس وملاكاتها في جانبي العلم و العمل وما يتضمنها من اكتساب الاخلاق الفاضلة وازالة الاخلاق الرذيلة لا يتم الا عن طريق تكرارالاعمال الصالحة المناسبة ومزاولتها والمداومة عليها والغرض منها ان تثبت النفس في تلك الموارد وبالتكرار والانتقاش في النفس انتقاش متعذر الزوال ومتعسر ، وان الاساس في هذا المسلك هو الاراء المحمودة عند الناس مثال ذلك ان يقال ان العفة وقناعة الانسان بما عنده والكف عما عند الناس توجب العزة والعظمة في اعين الناس والجاه عند العامة وبها يثبت العكس بالنسبة للشره فانه يوجب الخصاصة والفقر والطمع يوجب ذلة النفس المنيعة والعلم يوجب اقبال العامة والعزة والوجاهة والانس عند الخاصة وهو (اي العلم) بصر يتقي به الانسان كل مكروه ويدرك كل محبوب وان الجهل عمى وان العلم يحفظك وانت تحفظ المال والشجاعة ثبات يمنع النفس عن التلون و الحمد من الناس ، هذا المسلك هو المسلك الذي رتب عليه علم الاخلاق و الماثور من بحث الاقدمين من يونان و غيرهم ولم يستعمله القران الكريم اذ انه (اي هذا المسلك) ملاكه الناس  واستحسانه هو ذوقهم والاذواق تختلف من شخص الى آخر ومن مكان الى آخر ومن وقت لاخر.

2-    المسلك الثاني (تهذيب النفس بالغايات الصالحة الاخروية – مسلكه مبني على العقائد العامة الدينية في التكاليف العبودية ومجازاتها/ دعوته الى الحق الواقعي و الكمال الحقيقي الذي فيه سعادة الانسان في حياته الاخرة) : وهو مسلك الانبياء (سلام الله عليهم) وهذا المسلك هو عكس المسلك السابق من حيث ورود ذكره في القران الكريم فقد وردت الكثير من الايات القرانية الشريفة بخصوص ذلك سنذكره في حينها ، وملخصه في المثال الاتي: ذكر الله تعالى في كتابه الكريم عن البلاء الذي يصيب الانسان وماهية ذلك البلاء وماذا يفعل الانسان حيال ذلك البلاء؟ الاية الكريمة تقول :(ما اصاب من مصيبة في الارض ولا في انفسكم الا في كتاب من قبل ان نبرأها ان ذلك على الله يسير ) الحديد- 22.    دعت الاية الكريمة الى ترك الاسى و الفرح بان الذي يصيب الانسان ما كان ليخطئكم وما اصابكم الا لاستناده الى الحوادث و الى قضاء وقدر مقدر ، فالفرح و الاسى لاتمثل الا حالة من اللغو وهو ما لاينبغي صدوره من مؤمن يؤمن بالله الذي بيده ازمة الامور .

    ويتشابه هذا المسلك مع المسلك السابق في ان القسمين كلاهما يساهمان في اصلاح الاخلاق فالسابق بغايات دنيوية و هذا بغايات اخروية شريفة و هي كمالات حقيقية غير ظنية يتسبب فيه الى اصلاح الاخلاق بالمباديء السابقة الحقيقية من القدر و القضاء و التخلق بأخلاق الله وتذكر بأسماء الله الحسنى و صفاته العليا ، وزينب (عليها السلام) هي من اوضح الامثلة على ذلك حيث وقفت على جثة اخيها الشهيد الامام ابي عبد الله الحسين (عليه السلام) وقالت : (الهي ان كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى ) فذلك هو التجسيد الحقيقي للتخلق الحسن باخلاق الله عز وجل وهو ما سار عليه جدها الرسول الاعظم وابوها المرتضى و امها الزهراء واخوها الحسن والحسين (عليهم السلام).

وها هنا اشكال مفاده : انه اذا قلنا ان التسبب بمثل القضاء و القدر يوجب بطلان احكام هذه النشأة الاختيارية وفي ذلك بطلان الاخلاق الفاضلة واختلال نظام النشأة الطبيعية ، فلو قلنا ان اصلاح النفس لصفة من الصفات و هي مكتوبة في اللوح المحفوظ بصفة ما فهل يجوز ان نقعد عن طلب الرزق في تقوية هذه الصفة الحميدة او التخلص من صفة ما ذميمة ؟

الجواب : ان الافعال الانسانية من اجزاء علل الحوادث ومن المعلوم ان المعاليل والمسببات يتوقف وجودها على وجود اسبابها واجزاء الاسباب الخاصة بها فمن غير الجائز ان يبطل الانسان حكم الاختيار الذي عليه مدار حيويته الدنيوية واليه يتسبب سعادته وشقائه وهو احد أجزاء علل الحوادث التي تلحق وجوده من افعاله او الاحوال و الملكات الحاصلة من افعاله ، غير لايجوز له اخراج ارادته و اختياره من زمرة العلل وابطال حكمه في التأثير ، كذلك لايجوز له ان يحكم بكون اختياره سببا وحيدا وعلة تامة اليه تستند الحوادث من غير ان يشاركه شيء اخر من اجزاء العالم والعلل الموجودة فيه التي في رأسها الارادة الالهية فانه يتفرع عليه كثير من الصفات المذمومة كالعجب والكبر والبخل والفرح والاسى والغم ونحو ذلك ، ففوق الاختيار آلاف العلل و العلل و التي تحدد اختياره وتعاضده فالاختيار بالنسبة للانسان لايكون بالاختيار ، فالقران الكريم يستند الى القضاء المحتوم و الكتاب المحفوظ في اصلاح بعض الاخلاق دون بعض فما كان من الافعال والاحوال والملكات يوجب استنادها الى القضاء و القدر ابطال حكم الاختيار فان القران لايستند اليه بل يدفعه كل الدفع كقوله تعالى حينما يسلط الضوء على افعال المشركين فيجيبوا بانه فعلوا ذلك لأنهم وجدوا اباءهم يفعلون نفس الفعل ، وما كان منها يوجب سلب استنادها الى  القضاء اثبات استقلال اختيار الانسان في التأثير وكونه سبب غير محتاج الى تأئير فهو سبب تام مستغن عن غيره فانه يثبت استناده الى القضاء ويهدي الانسان الى مستقيم الصرط الذي لايخطيء بسالكه حتى تنتفي عنه رذائل الصفات التي تتبعه كإسناد الحوادث الى القضاء كي لايفرح الانسان بما وجد جهلا ولايحزن بما فقده جهلا

3-    المسلك الثالث (تهذيب النفس عن طريق الايات القرانية الكريمة – مسلكه مبني على التوحيد الخالص الكامل الذي يختص به الاسلام / دعوته الى الحق هو الله و يبني تربيته على ان الله سبحانه واحد لاشريك له وينتج العبودية المحضة) : هذا المسلك مخصوص بالقران الكريم ولا يوجد شيء مما نقل الينا من الكتب االسماوية وتعاليم الانبياء الماضين (سلام الله عليهم) ولا في المعارف المأثورة من الحكماء الالهيين وهو تربية الانسان وصفا وعلما باستعمال علوم ومعارف لايبقى معها موضوع الرذائل وبعبارة اخرى الاوصاف الرذيلة بالرفع لابالدفع فهو (اي هذا المطلب) اما عزة في المطلوب يطمع فيها او قوة يخاف منها و يحذر عنها والتحقق بهذا العلم الحق لايبقي موضوعا لرياء ولا سمعة ولاخوف من غير الله ولا رجاء لغيره ولاركون لغيره فهاتان القضيتان اصبحتا من القضايا المعلومة لدى الانسان وتحليان نفسه بحلية ما يقابلها من الصفات الكريمة الالهية من التقوى بالله والتعزز بالله وغيرهما من مناعة وكبرياء واستغناء و هيبة الهية ربانية .

   ان الملك الالهي واحدة من الحقائق القرآنية التي اكدت عليها الايات الشريفة فالله تعالى له ما في السماوات وما في الارض وحقيقة هذا الملك كما هو ظاهر لاتبقي لشيء من الموجودات استقلالا دونه واستغناءا عنه بوجه من الوجوه فلا شيء الا وهو سبحانه المالك لذاته و لكل ما لذاته .

فلو طبق الانسان ذلك المفهوم الحقيقي فلا يبقى شيء يحزن لاجله ولا يخضع لشيء او يخاف او يرجو شيئا ما ولا يتوكل على احد سواه سبحانه وتعالى ولا يفوض امره الا اليه تبارك وتعالى ، فان هذا المسلك القراني الكريم من نتائجه ان يشتمل على معارف الهية خاصة ذات نتائج خاصة حقيقة لا تشابه تربيتها نوع التربية التي يقصدها حكيم اخلاقي في فنه ولا نوع التربية التي سنها الانبياء في شرائعهم (وهذا المسلك يختلف كذلك عن المسلكين الاول و الثاني بحسب النتائج فان بناءه على الحب العبودي وايثار جانب الرب على جانب العبد ، ومن المعلوم ان الحب والوله والتيم ربما يدل الانسان المحب على امور لايستصوبها العقل الاجتماعي الذي هو ملاك الاخلاق الاجتماعية فللعقل احكام وللحب احكام خاصة بهما).

   وهذا يناسب ماقيل في معنى الصلاة : انها الانعطاف والميل، فالصلاة من الله سبحانه انعطاف الى العبد بالرحمة ومن الملائكة انعطاف الى الانسان بالتوسط في ايصال الرحمة ، ومن المؤمنين رجوع ودعاء بالعبودية وهذا لاينافي كون الصلاة بنفسها رحمة ومن مصاديقها ، فان الرحمة في القران على ما يعطيه التدبر في مواردها في العطية المطلقة الالهية ، والموهبة العامة الربانية ، كما قال تعالى : (ورحمتي وسعت كل شيء ) الاعراف-156 ، وقال تعالى (وربك الغني ذو الرحمة ان يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما انشأكم من ذرية قوم

آخرين ) الانعام-133 ، فالاذهاب لغناه والاستخلاف والانشاء لرحمته ، وهما جميعا يستندان الى رحمته كما يستندان الى غناه فكل خلق وامر رحمة ، كما ان كل خلق وامرعطية تحتاج الى غنى ، قال تعالى: (وما كان عطاء ربك محظورا)الاسراء-20 ، وان عطيته الصلاة فهي ايضا من الرحمة . غير انها رحمة خاصة ، من هنا يمكن ان يوجه جمع الصلاة وافراد الرحمة في الاية .

   قوله تعالى : وأولئك هم المهتدون كأنه بمنزلة النتيجة لقوله : اولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ، ولذلك جدد اهتداءهم جملة ثانية مفصولة عن الاولى ، ولم يقل: صلوات من ربهم ورحمة وهداية ، ولم يقل : واولئك هم المهتدون بل ذكر قبولهم للهداية بالتعبير بلفظ الاهتداء الذي هو فرع مترتب على الهداية ، فقد تبين ان الرحمة هدايتهم اليه تعالى ، والصلوات كالمقدمات لهذه الهداية واهتدائهم نتيجة هذه الهداية ، فكل من الصلوة والرحمة والاهتداء غير الآخر وان كان الجميع رحمة بنظر اخر.  فمثل هؤلاء المؤمنين في ما يخبره الله من كرامته عليهم مثل صديقك تلقاه وهو يريد دارك ، ويسئل عنها يريد النزول بك فتلقاه بالبشر و الكرامة ، فتورده مستقيم الطريق وانت معه تسيره ، ولا تدعه يضل في مسيره حتى تورده نزله من دارك وتعاهده في الطريق بمأكله ومشربه ، وركوبه وسيره ، وحفظه من كل مكروه يصيبه فجميع هذه الامور اكرام واحد لانك انما تريد اكرامه ، وكل تعاهد تعاهد واكرام خاص والهداية غير الاكرام ، وغير التعاهد ، وهو مع ذلك اكرام فكل منها تعاهد وكل منها هداية وكل منها اكرام خاص ، والجميع اكرام ، فالاكرام الواحد العام بمنزلة الرحمة والتعاهدات في كل حين بمنزلة الصلوات ، والنزول في الدار بمنزلة الاهتداء .

    والاتيان بالجملة الاسمية في قوله : واولئك هم المهتدون ، والابتداء باسم الاشارة الدال على البعيد ، وضمير الفصل ثانيا وتعريف الخبر بلام الموصول في قوله : المهتدون كل ذلك لتعظيم امرهم وتفخيمه – والله اعلم -.      

        

هذا الموضوع مرسل الينا من احد الاخوة المؤمنين ، نسل الله عز وجل ان يمن عليه بالصحة و الموفقية

 

والحمد لله رب العالمين

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com