الدرس الرابع:
طريق العلاج لمسائل
الرؤية الكونية الاساسية
تمهيـد
انتهينا في الدرس الماضي الى نتيجة مفادها ان الانسان له نزعة فطرية لتحصيل
كماله الانساني وهذا لا يكون الا من خلال افعاله الاختيارية وعرفنا ان الاختيار
يكون عن طريق العقل الذي لابد ان يعرف كماله النهائي وحقيقة وجوده وبدايته
ومصيره حتى يتمكن من اختيار المسار الصحيح اذن السؤال المطروح ما هي طرق المعرفة
المتاحة للانسان عندما يحاول الانسان البحث عن علاج للمسائل الاساسية للرؤية
الكونية، والتعرف على اصول الدين الحق؟
انواع المعرفة
يمكن تقسيم انواع المعرفة الانسانية الى اربعة اقسام وعلى ضوئها يمكن تقسيم
الرؤية الكونية ايضاً الى اربعة اقسام:
1- المعرفة
التجريبية والعلمية: ويتوصل اليها بالاستعانة بالحواس وان كان للعقل دوره في
تجريد المدركات الحسية وتعميمها. ويستفاد من المعرفة التجريبية في
العلوم التجريبية أمثال الفيزياء والكيمياء وعلم الاحياء. وعلى ضوءها يمكن ان يتوصل
الانسان الى رؤية كلية حول الوجود (الرؤية الكونية العلمية).
2- المعرفة
العقلية: وتتألف هذه من المفاهيم الانتزاعية (المعقولات الثانية) والعقل له
الدور الرئيس في التوصل اليها وان كان قد يستفاد من بعض المعطيات الحسية
والتجريبية كمنشأ لانتزاع المفاهيم أو لتشكل بعض مقدمات القياس. وميادين هذه
المعرفة هي المنطق والعلوم الفلسفية والرياضيات. وتحصل من خلال هذه الاستدلالات
والبحوث العقلية (الرؤية الكونية الفلسفية).
3- المعرفة
التعبدية: وهذه المعرفة لها دور ثانوي لأنها مستندة في تحققها الى
معرفة مسبقة عليها هي المعرفة بالمصدر المعتمد عليه وعن طريق خبر (المخبر
الصادق). وتعد منها: المعارف والمعلومات التي يتلقاها اتباع الاديان من احاديث
قادتهم وزعمائهم الدينيين وربما كان إيمانهم بها أشد رسوخاً من المعتقدات الناشئة
من الحس والتجربة. وتحصل منها (الرؤية الكونية الدينية).
4- المعرفة
الشهودية: وهذه المعرفة خلافاً للاقسام السابقة تتعلق بعين المعلوم
وذاته دون وساطة الصور والمفهوم الذهني للمعلوم كما هو الشأن في سائر انواع
المعرفة حيث يتوصل اليها الانسان من خلال الصور الذهنية. وهذه المعرفة الشهودية
مصونة من الخطأ والاشتباه. وتحصل من طريق الكشف والشهود والاشراق
(الرؤية الكونية العرفانية).
نقد وتقويم
1) بالنسبة
للمعرفة التجريبية العلمية:
أ- تتحدد
هذه المعرفة في نطاق الظواهر المادية والطبيعية ويمكن ان نسميها على ابعد الفروض
بمعرفة العالم المادي ولا تمتد يد التجربة الحسية الى ما وراء الطبيعة.
ب- ان
مسائل الرؤية الكونية المراد معرفتها خارجة عن ميدان العلوم التجريبية واختصاصها
فالرؤية الكونية العلمية ليست الا سراباً خادعاً.
2) بالنسبة
للمعرفة التعبدية:
دورها ثانوي متفرع عن الاثبات المسبق لاعتبار المصدر او
المصادر التي تصدر منها هذه المعرفة فيجب قبل ذلك اثبات وجود المرسل ونبوة النبي
وان القرآن الكريم على حق قبل الاخذ بالمعارف والمدركات عن طريق التعبد ويكون
فاعلاً في تقبل سائر المعتقدات الفرعية والتعاليم العملية اما المسائل الاساسية
فلابد من اثباتها مسبقاً من طريق اخر.
اذن فالطريق التعبدي ليس فاعلاً في علاج المسائل
الاساسية للرؤية الكونية.
3) بالنسبة
للمعرفة الشهودية:
أ- ان
الرؤية الكونية معرفة تتألف من مفاهيم ذهنية بينما في عالم الشهود (الطريق
العرفاني) ليس هناك اي مجال للمفاهيم الذهنية اذن فاسناد هذه المفاهيم الى الشهود
فيه نوع من المسامحة التي لوحظ فيها منشأ هذه المفاهيم.
ب- ان تفسير المشاهدات والمكاشفات وعرضها من خلال
الالفاظ والمفاهيم يحتاج الى قدرة ذهنية معينة لايمكن حصولها الا بخلفية طويلة من
الجهود العقلية والبحوث الفلسفية واولئك الذين لا يملكون هذه القدرة الذهنية
يستخدمون الفاظاً وتعابير ومفاهيم متشابَهَة (تحدث تشابه) تكاد تكون عاملاً خطيراً
في الانحراف والضياع والضلال.
ت- في
الكثير من الحالات ربما يشتبه الشهود الحقيقي بالتصورات الخيالية لها وتفسير ذهن الباحث
لهذا الشهود وربما يعرض هذا الخلط والاشتباه حتى على المشاهد نفسه.
ث- لايمكن
التوصل للحقائق عن طريق المعرفة الشهودية التي يعبر عن تفسيرها الذهني بـ (الرؤية
الكونية) الا بعد سنوات طويلة من السير والسلوك العرفاني ولكن ايمان الانسان
بطريقة السير والسلوك التي تعتبر من قبيل المعارف العملية يتوقف في تكونه على الاسس
النظرية والمسائل الاساسية للرؤية الكونية اذن فقبل البدء في ممارسة السير والسلوك
لابد من معالجة هذه المسائل (المسائل الاساسية للرؤية الكونية) مع ان المعرفة
الشهودية انما تحصل في نهايات هذا السير والسلوك وفي الواقع ان العرفان الحقيقي
انما يحصل للشخص الذي سعى جاهداً ومخلصاً في طريق عبودية الله تعالى ومثل هذا
السعي والسلوك متوقف على المعرفة المسبقة لله تعالى ولطريق عبوديته وطاعته.
النتيجة
والنتيجة التي نتوصل اليها بعد هذه الدراسة ان الطريق الوحيد لكل باحث عن
معالجة المسائل الاساسية للرؤية الكونية وحلها هو طريق العقل والمنهج العقلي ومن
هنا فالرؤية الكونية الواقعية هي الرؤية الكونية الفلسفية (راجع المقدمة
الخامسة في باب المقدمات).
ولكن يجدر بنا ان نعلم باننا حين حصرنا علاج المسائل المذكورة بطريق العقل
وحصرنا الرؤية الكونية بالرؤية الكونية الفلسفية فاننا:
1) لا نعني
بذلك ان التوصل الى هذه الرؤية متوقف على معالجة المسائل والمواضيع الفلسفية كلها
بل يكفي معالجة بعض المسائل الفلسفية المبسطة والقريبة من البداهة لنتوصل من
خلالها الى إثبات وجود الله تعالى وهو اهم مسائل الرؤية الكونية، اما الدراسة
الفلسفية الواسعة فنحتاجها في اكتساب القدرة على مواجهة كل الاعتراضات والشبهات
على المسائل الاساسية للرؤية الكونية وحلها.
2) ولا نهدف منه عدم محاولة الاستفادة ابداً من سائر المدركات والمعلومات الاخرى لمعالجة تلك المسائل بل انه يمكن الاستفادة في الكثير من الاستدلالات العقلية من مقدمات يتوصل اليها من طريق العلم الحضوري او من طريق الحس والتجربة كما انه يمكن الاستفادة من المعلومات التعبدية لعلاج المسائل الثانوية والمعتقدات الفرعية التي يستدل على اثباتها بالكتاب والسنة (مصادر الدين المعتبرة) واخيراً وبعد التوفر على الرؤية الكونية والايديولوجية الصحيحة يمكن التوصل الى المكاشفات والمشاهدات من خلال السعي والرقي في مراحل السير والسلوك ليتوصل – وبدون توسط المفاهيم الذهنية – الى الكثير من الحقائق التي اثبتتها الاستدلالات العقلية. مخطط رقم 4- أ.

والحمد لله رب العالمين
الدرس السابق ... قائمة الدروس ... الدرس التالي