الدرس الثالث:

 

الشرط المقوم للحياة الانسانية

 

تمهيـد

اثبتنا في الدرس السابق ضرورة البحث عن الدين والسعي في معرفة الدين الحق باسلوب مبسط مستندين على الدوافع الفطرية الثلاث معتمدين في الاساس على الدافع الفطري للانسان لطلب المنفعة والامن من الضرر وهو دافع يدركه كل انسان في اعماقه وبتعبير اخر ان الانسان يعلم به علماً حضورياً لا يعرض له الخطأ والاشتباه.

وفي هذا الدرس نحاول اثبات ضرورة البحث عن الدين ولكن باسلوب اخر هو فرض ما يقابل النتيجة السابقة (ضرورة البحث عن الدين) اي فرض ان كل انسان لو لم يبحث عن الدين ولم يفكر به ولم يؤمن برؤية كونية وايديولوجية صحيحتين فانه لن يصل الى الكمال الانساني بل لا يمكن ان نعده انساناً حقيقياً فتصبح النتيجة النهائية ان الشرط المقوم للحياة الانسانية هو الالتزام برؤية كونية وايديولوجية صحيحتين (ضرورة البحث عن الدين الحق) فلو اعتمد في حياته عليهما فسوف يعيش في حياته انساناً. مخطط 3- أ.

 

 

 

 

النتيجة تعتمد على مقدمات اكثر دقة وهي مقدمات ثلاث:

المقدمة الاولى

البحث في ان: الانسان موجود باحث عن الكمال

المقدمة الثانية

 البحث في ان: الكمال الانساني انما يتحقق في ظل الافعال الاختيارية المنبثقة من حكم العقل

المقدمة الثالثة

البحث في ان: الاحكام العملية للعقل انما تتكون على ضوء مدركات نظرية معينة واهمها الاصول الثلاث الرئيسية

 

 

 

شرح المقدمة الاولى (الانسان باحث عن الكمال):

ان الرغبة في الكمال هي عامل فطري قوي كامن في عمق الروح الانسانية ولكن له على الغالب مظاهر شعورية تجلب اليها الانتباه ولو تأملنا فيها قليلاً لعرفنا ان الاساس والمصدر لكل هذه المظاهر الشعورية هو العامل الفطري الكامن (الرغبة في الكمال) وبتعبير اخر لو تأمل كل واحد منا في دوافعه الداخلية ومن ضمنها (دفع الضرر وجلب المنفعة) وميوله النفسية للاحظ ان الدافع الاساس للكثير منها هو الرغبة في الكمال، ولن تجد انساناً يرغب في النقص في وجوده لذلك نراه يسعى جاهداً وبكل وسعه لازالة كل النقائص والعيوب عن نفسه ليبلغ كماله المنشود وقبل ازالتها يحاول اخفاءها عن الاخرين واذا وقع هذا الدافع في مساره الفطري السليم فانه سيؤدي الى رقي الانسان وتكامله المادي والمعنوي اما لو وقع في مسار منحرف نتيجةً لبعض العوامل والظروف فانه سيؤدي الى الكثير من الصفات السيئة مثل: الاستعلاء، التكبر، الرياء، والتهالك على السمعة والظهور. مخطط 3- ب.

 

                                               

 

شرح المقدمة الثانية (كمال الانسان في اطاعة العقل) (الاختيار):

كلنا يعلم ان كمال الاشياء في افعالها، فان النبات لا يملك الشعور والارادة كما ان الكمالات المختصة انما تنشأ بواسطة القوة النباتية المعينة لذلك تتم عملية النمو والتكامل في النباتات بصورة حتمية، جبرية، خاضعة، لتوفر العوامل والظروف الخارجية فلا تنمو شجرة بارادتها وبهذا لايفرط النبات باي قابلية من قابلياته.

اما الحيوانات فيمكن ان يكون لها نصيب من الارادة والاختيار في تكاملها ولها ارادة منبثقة من الغرائز الحيوانية العمياء يتحدد عملها ونشاطها في حدود الحاجات الطبيعية وعلى ضوء شعور ضيق محدد بمقدار حواس الحيوان والحيوان ايضاً يعمل بكل قواه لا يفرط باي قوة او قابلية او استعداد.

اما الانسان فبالاضافة الى ما يملكه من الخصائص النباتية (المشابهه لافعال النبات كالنمو ...الخ) والحيوانية (مثل الغرائز ...الخ) فانه يختص بميزتين روحيتين:

1)    عدم تحدد رغباته الفطرية بحدود الحاجات الطبيعية

2)  امتلاكه لقوة العقل حيث يمكنه ان يوسع في معلوماته الى ما لا نهاية ومن اجل هاتين الميزتين فان ارادته بالطبع سوف تتجاوز الحدود الطبيعية  الضيقة وتتجه باتجاه اللانهاية اي انه يتوصل من خلال ارادته الشعورية وعلى ضوء توجيهات العقل وارشاداته الى تشخيص الكمالات المختصة به (كمالات انسانية) والتي تتمثل في الواقع بعنوان كمالاته الروحية وحينما تتصادم وتتزاحم هذه الكمالات فانه (العقل) يختار الافضل منها.

من هنا نعلم ان انسانية الفعل انما تتحقق بالارادة المنبثقة من الميول والرغبات التي يختص بها الانسان. مخطط 3- ج.

 

 

 

 

 

شرح المقدمة الثالثة (الاحكام العملية للعقل محتاجة الى الاسس النظرية):

سبق واشرنا ان الارادة الانسانية متعلقة بالفطرة والعقل الانسانيين كما تم توضيح حقيقة ان الفعل الاختياري هو الوسيلة الوحيدة التي يتواصل من خلالها النتيجة المطلوبة (كمال الانسان) واثبتنا كذلك ان العقل يمكنه الحكم على الافعال الاختيارية وتقويمها واختيار الافضل منها ولكن لا يتم ذلك للعقل الا اذا كان مطلعاً على كمالاته الموجودة بالفعل ومستوياتها بالاضافة كونه عالم بالامور التالية:

أ‌)       حقيقة الانسان كموجود

ب‌)  الابعاد التي تمتد اليها حياته

ج) المرحلة الكمالية التي يمكن للانسان بلوغها اي يلزم على العقل ان يعلم بابعاد وجود الانسان والهدف من خلقه (يعلم الاساس النظري الصحيح) (يعلم الرؤية الكونية الصحيحة)

 

ومن هنا فالتوصل الى الايديولوجية الصحيحة [اي النظام القيمي (الخلقي) + النظام العملي الحاكم على الافعال الاختيارية للانسان] لا يتم الا برؤية كونية صحيحة وعلاج مسائلها ومواضيعها واذا لم يعالج هذه المسائل فلا يمكنه الحكم اليقيني الجازم.

 

النتيجة:

في الانسان نزوع فطري الى كماله الانساني، ويستهدف من خلال ممارسته لبعض الافعال التوصل الى كماله الحقيقي، ومن اجل التعرف على الافعال والممارسات التي توصل الى هدفه المنشود لابد ان يعرف اولاً كماله النهائي، ومعرفته انما تتم فيما لو تعرف الى حقيقة وجوده (توحيد الخالق) وبدايته ومصيره (المعاد) ثم عليه ان يحدد العلاقة الايجابية او السلبية بين افعاله المختلفة وبين المراحل والمستويات المختلفة لكماله حتى يتمكن من الوصول الى المسار الصحيح المؤدي الى كماله الإنساني، وبدون هذه المدركات والمعارف النظرية (اصول الرؤية الكونية) فلا يمكنه ان يتقبل نظاماً عملياً صحيحاً (الأيديولوجية)، والأفعال التي لا تنبثق من مثل هذه القيم والمدركات الصحيحة لن تكون افعالاً انسانية فاولئك الذين لم يحاولوا البحث عن الدين الحق او اولئك الذين عرفوا ولكن كفروا به وانحرفوا عنه عناداً وخضوعاً لرغباتهم الحيوانية وملذاتهم المادية العابرة، هم حيوانات في واقعهم (... يتمتعون ويأكلون كما تأكل الانعام) وبسبب اضاعتهم للاستعدادات الانسانية سيكون جزائهم رهيباً وعسيراً، لما اضاعوه من طاقات ومواهب انسانية (ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الامل فسوف يعلمون).

 

والحمد لله رب العالمين

 

الدرس السابق ... قائمة الدروس ... الدرس التالي