نور من نهج البلاغة   94


التحذير من الذنوب

عن امير المؤمنين ع في توحيد الله والتحذير من الذنوب قال:

💠(لاَ يَشْغَلُهُ شَأْنٌ).

اي ان الله سبحانه لا يشغله شأن عن شأن فجميع الامور تجري بتدبيره ولا يخفى عليه شيء منها، فهو ليس كالمخلوق اذا اشتغل بشيء غفل او نسي الامور الاخرى.

(وَلاَ يُغَيِّرُهُ زَمَانٌ).

.فالليل والنهار ومرور الايام وتعاقبها لا تؤثر في قدرته وعلمه فهو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم، وهو على ما هو عليه من القدرة والعلم وصفات الربوبية قبل الخلق وبعده.

(وَلاَ يَحْوِيهِ مَكَانٌ).

فالله جلّ جلاله موجود في كل مكان، في السماء والارض وما بينهما، اذ لو كان له مكان محدد لكان مخلوقا محدودا بقيود الزمان والمكان ولم يكن خالقا ازليا تعود اليه الامور جميعا[هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ].

(وَلاَ يَصِفُهُ لِسَانٌ).

فصفات الذات الالهية يعجز عن معرفتها الانسان الا بما عرفه الله لعباده في كتابه الكريم كما في قوله تعالى[هُوَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ، هُوَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ، هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ]

(وَلاَ يَعْزُبُ عَنْهُ{اي لا يخفى عليه} عَدَدُ قَطْرِ الْمَاءِ، وَلاَ نُجُومِ السَّماءِ، وَلاَسَوَافِي الرِّيحِ فِي الْهَوَاءِ{جمع سافية اي ما تحمله الريح من التراب والاوراق وغير ذلك، فالله سبحانه لا يخفى عليه شيء في السماوات والارض} ، وَلاَ دَبِيبُ الـنَّمْلِ عَلَى الصَّفَا{الدبيب حركة النمل التي لا يسمع لها حس على الصفاة وهي الحجر الاملس الضخم}، وَلاَ مَقِيلُ الذَّرِّ{اي محل استراحة ومبيت صغار النمل} فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ. يَعْلَمُ مَسَاقِطَ الاْوْرَاقِ{اي محل سقوطها وما في ذلك من نفع لمخلوقاته}، وَخَفِيَّ طَرْفِ الاْحْدَاقِ{والمراد بالأحداق هي العيون وطرف الاحداق اي حركة الجفنين المحيطين بالعين، والمقصود من العبارة هو ان الله لا يخفى عليه شيء في الوجود كله بكل ما فيه من خلقه ومما هو موجود في ضمائرهم وانفسهم واعمالهم.

وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إلهِ إِلاَّ اللهُ غَيْرَ مَعْدُول بِهِ، وَلاَ مَشْكُوك فِيهِ، وَلاَ مَكْفُور دِينُهُ، وَلاَ مَجْحُود تَكْوِينُهُ{اي انكار خلقه ومقاديره}، شَهَادَةَ مَنْ صَدَقَتْ نِيَّتُهُ، وَصَفَتْ دِخْلَتُهُ{اي باطنه}، وَخَلَصَ يَقِينُهُ، وَثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ.

وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الْـمُجْتَبَى مِنْ خَلاَئِقِهِ، وَالْمُعْتَامُ لِشَرْحِ حَقَائِقِهِ،{اي المختار لبيان حقائق توحيده وتنزيهه}وَالْـمُخْتَصُّ بِعَقَائِلِ كَرَامَاتِهِ{اي ما أكرم الله به نبيه من معجزات ومنازل رفيعة في الدارين}، وَالْمُصْطَفَى لِكَرَائِمِ رِسَالاَتِهِ، وَالْمُوَضَّحَةُ بِهِ أَشْرَاطُ الْهُدَى{علامات الهدى ودلالاته المنجية في الدنيا والاخرة}، وَالْـمَجْلُوُّ بِهِ غِرْبِيبُ الْعَمَى{والمراد به اشد ظلمات الضلال}.

أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ الدُّنْيَا تَغُرُّ الْمُؤَمِّلَ لَهَا وَالْـمُخلِدَ إِلَيْهَا{اي الراكن والمائل اليها}، وَلاَ تَنْفَسُ بِمَنْ نَافَسَ فِيهَا،{أي لا تضن الدنيا بمن يباري غيره في اقتنائها وعدّها من نفائسه، ولا تحرص عليه بل تهلكه}، وَتَغْلِبُ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهَا.

وَايْمُ اللهِ، مَا كَانَ قَوْمٌ قَطُّ فِي غَضِّ نِعمَة{اي في نعمة نظرة} مِنْ عَيْش فَزَالَ عَنْهُمْ، إِلاَّ بِذُنُوب اجْتَرَحُوهَا، لاِنَّ (اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّم لِلْعَبِيدِ)، وَلَوْ أَنَّ النَّاسَ حِينَ تَنْزِلُ بِهِمُ النِّقَمُ، وَتَزُولُ عَنْهُمُ النِّعَمُ، فَزِعُوا إِلَى رَبِّهِمْ بِصِدْق مِنْ نِيَّاتِهمْ، وَوَلَه مِنْ قُلُوبِهمْ، لَرَدَّ عَلَيْهِمْ كُلَّ شَارِد، وَأَصْلَحَ لَهُمْ كُلَّ فَاسِد، وَإنِّي لاَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تَكُونُوا فِي فَتْرَة{وهي حالة الفتور بعد النشاط}، وَقَدْ كَانَتْ أُمُورٌ مَضَتْ، مِلْتمْ فِيهَا مَيْلَةً ، كُنْتُمْ فِيهَا عِندِي غَيْرَ مَحْمُودِينَ، وَلَئِنْ رُدَّ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُمْ إنَّكُمْ لَسُعَدَاءُ، وَمَا عَلَيَّ إلاَّ الْجُهْدُ،

(نهج البلاغة خطبة ١٧٨)

الموضوع التالي

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com