نور من نهج البلاغة    93 

الاستفادة من فرصة العمر

 

عن امير المؤمنين ع في تنبيه الناس الى دقة حساب الله في يوم القيامة والاستفادة من الحياة قبل الممات قال:

💠(فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُ مِنْكُمْ فِي أَيَّامِ مَهَلِهِ، قَبْلَ إِرْهَاقِ أَجَلِهِ).

فأجل الانسان او عند حلول وقت موته يكون فيها من الارهاق والعناء له ما لا يتصوره، وقد تقدم الحديث فيما مضى عن حالات نزع الروح من البدن وانها اشد من نزع جميع الاعصاب دفعة واحدة او سلخ الانسان عن بدنه لينتقل بعدها الى عالم البرزخ او مرحلة الحساب الاولي وما فيها من شدائد وكربات، ولذا ينبه الحديث الى العمل للأخرة ما دامت الفرصة في الحياة موجودة.

💠(وَفِي فَرَاغِهِ قَبْلَ أَوَانِ شُغُلِهِ).

فحياة الانسان لا تستقر على حال اذ من طبيعة الدنيا ان تتقلب وتتبدل من حال لأخر، فالبلاء جزء من الدنيا في حالاتها السلبية او الايجابية، وذلك لتتضح اعمال الانسان ومواقفه التي يجزى بموجبها في الاخرة كما في قوله تعالى:[أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ]، ولذا ينبغي الاستفادة من وقت الفراغ والقدرة على العبادة قبل زوال الفرصة وحلول الغصة.

💠(وَفِي مُتَنَفَّسِهِ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ بِكَظَمِهِ).

فما دام الانسان في الحياة فانه يمكنه ان يتدارك ما فاته من الفرص لإعمار اخرته، أما اذا حلّت ساعة الموت واخذ بكظمه وهو مخرج النّفس من الفم، فانه سوف يتحسّر على النفس الواحد، فما العمر الا انفاس معدودة فاذا جاء الاجل انقطعت الانفاس وقبضت الروح كما في قوله تعالى:[وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ], ولذا ورد في ادعية المعصومين التحذير من الغفلة عن طاعة الله بالقول :(اللهم اجعل خير اعمالي خواتيمها وخير ايامي يوم القاك).

💠(وَلْـيُمَهِّدْ لِنَفْسِهِ وَقَدَمِهِ، وَلْيَتَزَوَّدْ مِنْ دَارِ ظَعنِهِ لِدَارِ إِقَامَتِهِ).

فالعاقل الذي يعلم ان مكانه في الدنيا مؤقت ولابد له من الظعن او الارتحال الى دار الاقامة الدائمة، والتي اخبر الله العباد عنها في كتابه بقوله:[كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ]، ينبغي عليه له ان يتزود من الدنيا قبل الرحيل للأخرة.

💠(فَاللهَ اللهَ أَيُّهَا النَّاسُ، فِيَما اسْتَحْفَظَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، وَاسْتَوْدَعَكُمْ مِنْ حُقُوقِهِ، فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً{والعبث هو الشيء الذي لا فائدة منه ولا معنى له}، وَلَمْ يَتْرُكْكُمْ سُدىً{اي مهملين من دون تكليف وجزاء}، وَلَمْ يَدَعْكُمْ فِي جَهَالَة وَلاَ عَمىً{ولذا ارسل رسله وكتبه للعباد}، قَدْ سَمَّى آثَارَكُمْ{اي كتب اثار اعمالكم وافعالكم في الدنيا }، وَعَلِمَ أعْمَالَكُمْ{اي علم خواتم اعمالكم}، وَكَتَبَ آجَالَكُمْ، وَأَنْزَلَ عَلَيْكُمُ الْكِتَابَ تِبْيَاناً، وَعَمَّرَ فِيكُمْ نَبِيَّهُ أَزْمَاناً، حَتَّى أَكْمَلَ لَهُ وَلَكُمْ ـ فِيَما أنْزَلَ مِنْ كِتَابِهِ ـ {دِينَهُ} الَّذِي رَضِيَ لِنفْسِهِ، وَأَنْهَى إِلَيْكُمْ ـ عَلَى لِسَانِهِ{اي لسان كتابه} ـ مَحَابَّهُ مِنَ الاْعْمَالِ وَمَكَارِهَهُ، وَنَوَاهِيَهُ وَأَوَامِرَهُ، فأَلقَى إِلَيْكُمُ الْمِعْذِرَةَ، وَاتَّخَذَ عَلَيْكُمُ الْحُجَّةَ، وَقَدَّمَ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ، وَأَنْذَرَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَاب شَديد).

فالله سبحانه قد اقام الحجة البالغة على العباد عبر رسله وكتبه بكل ما ينجيهم في القيامة ببيان فروضه ونواهيه لئلا يقول احد يوم القيامة:[لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ].

💠(فَاسْتَدْرِكُوا بَقِيَّةَ أَيَّامِكُمْ، وَاصبِرُوا لَهَا أَنْفُسَكُمْ، فَإِنَّهَا قَلِيلٌ فِي كَثِيرِ الاْيَّامِ الَّتِى تَكُونُ مِنْكُم فِيهَا الْغَفْلَةُ وَالتَّشَاغُلُ عَنِ الْمَوْعِظَةِ)،

فالمؤمن المتقي هو الذي يستغل الفرصة التي بيده لاستصلاح بقية العمر بالصبر على الطاعات والصبر عن المعاصي او الامتناع عنها فأوقات الصحوة قليلة في قبال ايام الغفلة والصدود عن الطاعة.

💠(وَلاَ تُرَخِّصُوا لاِنْفُسِكُمْ{اي تعطون الرخصة لأنفسكم في فعل المعاصي بالعناوين الثانوية}، فَتَذْهَبَ بِكُمُ الرُّخَصُ مَذَاهِبَ الْظَّلَمَةِ،{اي تجعلكم من اهل الانحراف والبعد عن دين الله كما يفعل الظلمة}، وَلاَ تُدَاهِنُوا{اي تلينوا وتصانعوا في دين الله} فَيَهْجُمَ بِكُمُ الاْدْهَانُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ).

اي لا ينبغي للمؤمن ان يتسامح مع نفسه في فعل المعاصي ولا يتعامل مع الناس بالليونة في المواقف الدينية فان ذلك يقود الانسان الى فعل المعاصي في نتيجة الامر.

💠(عِبَادَ اللهِ، إِنَّ أَنْصَحَ النَّاسِ لِنَفْسِهِ أَطْوَعُهُمْ لِرَبِّهِ، وَإِنَّ أَغَشَّهُمْ لِنَفْسِهِ أَعصَاهُمْ لِرَبِّهِ، وَالْمَغْبُونُ {اي المخدوع} من غبن نَفْسَهُ، وَالْمَغْبُوطُ{وهو الذي تتطلّع النفوس إليه، وترغب في نيل مثل نعمته}، مَنْ سَلِمِ لَهُ دِينُهُ، وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ، وَالشَّقِيُّ مَنِ انْخَدَعَ لِهَوَاهُ وَغُرُورِهِ).


نهج البلاغة خطبة رقم ٨٥

الموضوع التالي

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com