نور من نهج البلاغة    48
 

عن امير المؤمنين ع قال:

 [مَنْ أَصْلَحَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ أَصْلَحَ اللهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، (اي من سعى الى رضا الله في اعماله واقواله حتى لو كان في ذلك سخط بعض الناس من فعله او قوله، فان الله سبحانه سيتولاه برحمته وسيزيل عنه دواعي الاذى من الاخرين)،

وَمَنْ أَصْلَحَ أَمْرَ آخِرَتِهِ أَصْلَحَ اللهُ لَهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ، (اي من جعل الاهتمام بأمور الاخرة اولا وقدمها على الامور الدنيوية فان الله بفضله سيصلح له امور الدنيا جميعا من تيسير الصعاب ودفع المشكلات وقضاء الحاجات وتدبير اموره بلطفه ورحمته)،

وَمَنْ كَانَ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَاعِظٌ (اي محاسب وناقد ومنبّه)

كَانَ عَلَيْهِ مِنَ اللهِ حَافِظٌ (اي تولاه الله بهداه وعنايته ولطفه وفضله)]

عن امير المؤمنين ع قال

اعْلَمُوا، عِبَادَ اللهِ، أَنَّ عَلَيْكُمْ رَصَداً مِنْ أَنْفُسِكُمْ (اي رقيبا من انفسكم والمراد به وازع الخير او واعظ السر وهو كما جاء في بعض الروايات المَلَك الذي يشد المؤمنين لفعل الخير كما في الحديث عن الامام الصادق ع بقوله:
«مَا مِنْ قَلبٍ إِلَّا وَلَهُ أُذُنَانِ: عَلَى إِحدَاهُما مَلَكٌ مُرشِدٌ، وَعَلَى الأُخرَى شَيطانٌ مُفَتِّنٌ، هَذَا يَأمُرُهُ وَهَذَا يَزجُرُهُ، الشَّيطانُ يَأمُرُهُ بِالمَعَاصِي، وَالمَلَكُ يَزجُرُهُ عَنهَا، وَهُوَ قَولُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿عَنِ اليَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾»

وَعُيُوناً مِنْ جَوَارِحِكُمْ (والمراد به شهادة الجوارح يوم القيامة كما في قوله تعالى: وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ

وَحُفَّاظَ صِدْق يَحْفَظُونَ أَعْمَالَكُمْ (وهم الملائكة الموكلين بكل انسان في تسجيل اعماله وتثبيتها للعرض في يوم القيامة كما في قوله تعالى: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ، كِرَامًا كَاتِبِينَ، يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ))،

وَعَدَدَ أَنْفَاسِكُمْ (وهو اشارة الى ان عمر الانسان في النهاية هو عبارة عن مجموعة من الانفاس المحددة وان هذه الانفاس هي في مورد الاحصاء الكامل من قبل الملائكة الشهود في القيامة كما في قوله تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ، وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ، لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ))،

لاَ تَسْتُرُكُمْ مِنْهُمْ ظُلْمَةُ لَيْل دَاج (اي الليل الشديد الظلمة فالملائكة الشهود يبصرون ويدونون اعمال الانسان)،

وَلاَ يُكِنُّكُمْ مِنْهُمْ بَابٌ ذُو رِتَاج (اي باب محكم الغلق فهم مع الانسان اينما سار وحلّ يصورون اعماله بلا تعب او عطل)،

وَإِنَّ غَداً مِنَ الْيَوْمِ قَرِيبٌ، (فسرعان ما تنتهي الدنيا وينكشف الغيب عند موت الانسان)،

يَذْهَبُ الْيَوْمُ بِمَا فِيهِ، وَيَجِيءُ الْغَدُ لاَ حِقاً بِهِ، فَكَأَنَّ كُلَّ امْرِىء مِنْكُمْ قَدْ بَلَغَ مِنَ الاْرْضِ مَنْزِلَ وَحْدَتِهِ (وهو القبر)، وَمَخَطَّ حُفْرَتِهِ، فَيَالَهُ مِنْ بَيْتِ وَحْدَة، وَمَنْزِلِ وَحْشَة، وَمُفْرَدِ غُرْبَة!

وَكَأَنَّ الصَّيْحَةَ قَدْ أَتَتْكُمْ (والمراد بها الصيحة الثانية للبعث والنشور)،

وَالسَّاعَةَ قَدْ غَشِيَتْكُمْ، وَبَرَزْتُمْ لَفَصْلِ الْقَضَاءِ، قَدْ زَاحَتْ عَنْكُمُ الاْبَاطِيلُ (اي بعدت وانكشفت كل التصورات والاوهام الكاذبة)،

وَاضْمَحَلَّتْ عَنْكُمُ الْعِلَلُ (اي زالت وتلاشت، عنكم كل الدواعي والمبررات للمعاصي والذنوب)،

وَاسْتَحَقَّتْ بِكُمُ الْحَقَائِقُ (اي انكشفت لكم حقائق الاعمال والجزاء عليها في الاخرة)،

وَصَدَرَتْ بِكُمُ الاْمُورُ مَصَادِرَهَا (اي مضت بكم الامور الى ما وعد الله به الناس في الاخرة)،

فَاتَّعِظُوا بِالْعِبَرِ، وَاعْتَبِرُوا بَالْغِيَرِ، وَانْتَفِعُوا بِالنُّذُرِ.

 

التالي

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com