نور من نهج البلاغة 47
عن امير المؤمنين ع قال في ذم
التعصب:
الْحَمْدُ لله الَّذِي لَبِسَ الْعِزَّ وَالْكِبْرِيَاءَ، وَاخْتَارَهُمَا
لنَفْسِهِ دُونَ خَلْقِهِ، وَجَعَلَهُمَا حِمىً وَحَرَماً عَلَى غَيْرِهِ،
وَاصْطَفَاهُمَا لِجَلاَلِهِ (والمراد بالحمى هو ما يمنع الاخرين من
الوصول له او التصرف فيه، بمعنى، ان الله اختار العز والكبرياء لنفسه فقط فهو
الذي لا يحتاج الى احد، وكل احد محتاج اليه، وهو العزيز الذي يدوم عزه وكل ما
سواه ذليل بالحاجة والنقص والموت)،
وَجَعَلَ
اللَّعْنَةَ عَلَى مَنْ نَازَعَهُ فِيهِمَا مِنْ عِبَادِهِ (فقد لعن
الله الطواغيت والفراعنة والمتجبرين في كتابه فيما مضى من الزمان ومن سار
بسيرتهم في الزمن الحاضر)،
ثُمَّ
اخْتَبَرَ بِذلِكَ مَلاَئِكَتَهُ الْمُقَرَّبِينَ، لِيمِيزَ المُتَوَاضِعيِنَ
مِنْهُمْ مِنَ الْمُسْتَكْبِرِينَ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَهُوَ الْعَالِمُ
بِمُضْمَرَاتِ القُلُوبِ، وَمَحْجُوبَاتِ الْغُيُوبِ: (إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً
مِنْ طِين * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ
سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ
إِبْلِيسَ)
اعْتَرَضَتْهُ الْحَمِيَّةُ، فَافْتَخَرَ عَلَى آدَمَ بَخَلْقِهِ، وَتَعَصَّبَ
عَلَيْهِ لأصله، فَعَدُوُّ اللهِ إِمَامُ الْمُتَعَصِّبِينَ، وَسَلَفُ
الْمُسْتَكْبِرِينَ، الَّذِي وَضَعَ أَسَاسَ الْعَصَبِيَّةِ،
(والمراد بها مختلف انواع العصبية من التعصب للعنصر او الجنس او النوع او غير
ذلك من انواع التعصب للانا والذات)،
وَنازَعَ
اللهَ رِدَاءَ الْجَبْرِيَّةِ، وَادَّرَعَ لِبَاسَ التَّعَزُّزِ،
(اي لبس لباس العزة والاستكبار) وَخَلَعَ قِنَاعَ
التَّذَلُّلِ.
أَلاَ
تَرَوْنَ كَيْفَ صَغَّرَهُ اللهُ بِتَكَبُّرِهِ (اي صغر الله منزلته
ومكانته العليا التي كان فيها من العابدين الى اعتباره من العاصين)،
وَوَضَعَهُ بِتَرَفُّعِهِ، (اي حط من قَدره ومكانته فأخرجه من مكانه
مع الملائكة)
فَجَعَلَهُ فِي الدُّنْيَا مَدْحُوراً، وَأَعَدَّ لَهُ فِي الاْخِرَةِ
سَعِيراً، وَلَوْ أَرَادَ اللهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ مِنْ نُور
يَخْطَفُ الاْبْصَارَ ضِيَاؤُهُ، وَيَبْهَرُ الْعُقُولَ رُوَاؤُهُ
(اي حُسنُ منظره وجماله)،
وَطِيب
يَأْخُذُ الاْنْفَاسَ عَرْفُهُ (اي رائحته)،
لَفَعَلَ، وَلَوْ فَعَلَ لَظَلَّتْ لَهُ الاْعْنَاقُ خَاضِعَةً، وَلَخَفَّتِ
الْبَلْوَى فِيهِ عَلَى المَلائِكَةِ، وَلكِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يَبْتَلِي
خَلْقَهُ بِبَعْضِ مَا يَجْهَلُونَ أَصْلَهُ، تَمْيِيزاً بِالاخْتِبَارِ
لَهُمْ، وَنَفْياً لِلاْسْتِكَبَارِ عَنْهُمْ، وَإِبْعَاداً لِلْخُيَلاَءِ
مِنْهُم.
فَاعْتَبِروا بِمَا كَانَ مِنْ فِعْلِ اللهِ بِإِبْلِيسَ، إِذْ أَحْبَطَ
عَمَلَهُ الطَّوِيلَ، وَجَهْدَهُ الْجَهِيدَ، وَكَانَ قَدْ عَبَدَ اللهَ
سِتَّةَ آلاَفِ سَنَة، لاَ يُدْرَى أمِنْ سِنِي الدُّنْيَا أَمْ مِنْ سِنِي
الاْخِرَةِ، عَنْ كِبْرِ سَاعَة وَاحِدَة!!
فَمَنْ
بَعْدَ إِبْلِيسَ يَسْلَمُ عَلَى اللهِ بِمِثْلِ مَعْصِيَتِهِ؟ كَلاَّ، مَا
كَانَ اللهُ سُبْحَانَهُ لِيُدْخِلَ الْجَنَّةَ بَشَراً بِأَمْر أَخْرَجَ بِهِ
مِنْهَا مَلَكاً، إِنَّ حُكْمَهُ فِي
أَهْلِ السَّماءِ وأَهْلِ الاْرْضِ لَوَاحِدٌ، وَمَا بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ
أَحَد مِنْ خَلْقِهِ هَوَادَةٌ (اي لين ورخصة)
فِي إِبَاحَةِ حِمىً حَرَّمَهُ عَلَى الْعَالَمينَ.
التالي