نور من نهج البلاغة   101
 

الزهد في الدنيا

عن امير المؤمنين ع في تنبيه الناس الى حقيقة الدنيا قال:

💠(انْظُرُوا إِلى الدُّنْيَا نَظَرَ الزَّاهِدِينَ فِيهَا الصَّادِفِينَ عَنْهَا).

فمن لم يكن زاهدا في الدنيا صادفا عنها اي معرضا عن زينتها ولهوها فانه ينخدع ببريقها وفتنتها ويضيع في سرابها الكاذب الذي قال الله عنه:[وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ، يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً، حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا، وَوَجَدَ اللهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ، وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ].

💠(فَإِنَّهَا وَاللهِ عَمَّا قَلِيل تُزِيلُ الثَّاوِيَ السَّاكِنَ).

والثاوي هو المقيم في المكان والمراد به دار الدنيا، والساكن اي المستقر في حاله من الاعمال والمشاغل، فمن طبيعة الدنيا انها تلهي الانسان في مشاغلها ومتطلباتها العاجلة عن العمل الاخرة.

💠(وَتَفْجَعُ الْمُتْرَفَ الاْمِنَ).

فمن طبيعة الدنيا التي تسير بأمر الله وسننه انها لا تدوم على حال فهي تفجع وتؤلم من يحسب نفسه امنا من مصائب الدنيا ومشاكلها فمن يكون مترفا او في سعة من المال غالبا ما يكون غافلا عن اقدار الله وسننه في الحياة فلا ينتبه الا عند وقوع المصائب والكوارث كما في قوله تعالى:[قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ، قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ]، فاستقرار الحال في الدنيا هو من المحال اذ هي دار للابتلاء والامتحان وليست دارا للجزاء.

💠(لاَ يَرْجِعُ مَا تَوَلَّى مَنْهَا فَأَدْبَرَ، وَلاَ يُدْرَى مَا هُوَ آت مِنْهَا فَيُنْتَظَرَ).

فقد شاء الله جل جلاله ان يكون كل شيء في الدنيا في حركة وانتقال سواء في هذه الارض ومن عليها او في السماوات العلى فما يمضي من الدنيا لا يعود الى ما كان عليه فلا يرجع الاموات للحياة ولا يرجع العمر للخلف لمن قطع منه شوطا في الكبر لا من حيث تغيرات الجسم ولا من حيث القدرة والحال، فالزمان والمكان في تبدل وما يرافقها من تغيرات اجتماعية وسياسية وبيئية وما خلق الله في هذا الكون الشامل الذي يسر بإرادة الله وامره.

💠(سُرُورُهَا مَشُوبٌ {اي مخلوط } بِالْحُزْنِ، وَجَلَدُ الرِّجَالِ {اي صلابتهم وقوتهم} فَيهَا إِلَى الضَّعْفِ وَالْوَهْنِ).

فطبيعة الحياة الدنيا تجمع بين الاضداد المتخالفة كالسرور والحزن، والعافية والمرض، والضعف والقوة، والغنى والفقر، وهو ما بينه الله سبحانه في كتابه بقوله [اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ، كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ، ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا، ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا، وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ، وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ] .

💠(فَلا يَغُرَّنَّكُمْ كَثْرَةُ مَا يُعْجِبُكُمْ فِيهَا لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكُمْ مِنْهَا).

فحين يترك الإنسان الدنيا ويرحل الى عالم البرزخ او بداية عالم الاخرة فان كل ما اكتسبه في الدنيا فانه سيتركه على ترابها الا ما كان للأخرة وهو العمل الصالح والذي قد اوضحه الله للناس جميعا بقوله:[ وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ]

💠(رَحِمَ اللهُ امْرَأً تَفَكَّرَ فَاعْتَبَرَ، واعْتَبَرَ فَأَبْصَرَ).

اي ان المطلوب من الانسان ان يفكر ويعتبر في كل ما حوله من احداث الدنيا ليقوده هذا التفكير الى البصيرة فيما فيه النجاة في الدارين.

💠(فَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الدٌّنْيَا عَنْ قَلِيل لَمْ يَكُنْ، وَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الاْخِرَةِ عَمَّا قَلَيل لَمْ يَزَلْ).

فبين غمضة عين وانتباهها او دون ذلك من الزمان عند حلول الاجل يغادر الانسان الدنيا الى عالم الاخرة وكانه لم يكن في الدنيا ولم يحمل همومها والأمها وامالها، وكأن الاخرة التي انتقل اليها باقية خالدة.

💠(وَكُلُّ مَعْدُود مُنْقَض، وَكُلُّ مُتَوَقَّع آت، وَكُلُّ آت قَرِيبٌ دَان).


نهج البلاغة خطبة رقم ١٠٢

الموضوع التالي

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com