تأملات في القضية الحسينية   11
 

(التعقل وترك الغلو والمبالغة)
 

   ينزع البعض في القضايا الحسينية او المذهبية عموما الى اضفاء كثير من المبالغات عند الحديث عن المذهب او رجالاته وخصوصا ما حدث في كربلاء من وصف لعدد المقتولين على ايدي الشهداء من ال الحسين واصحابه، فالمعركة تمت في ساعات في اليوم العاشر وبظروفها المتوقعة من وجود قلة من المؤمنين في وسط كثرة من المنافقين وطلاب الدنيا.

ولم يكن فيها شيئا من المعاجز التي يخالف الله فيها سننه في الارض لأجل امتحان الانسان لتعين موقعه ودرجته في الاخرة، فهكذا كانت سننه من عدم خرق النواميس الكونية عند قتل انبيائه واوليائه من قبل قتل الحسين ع ومن بعده، فلو شاء الله لما قُتل ابيه امير المؤمنين وسيد الموحدين وهو افضل منه كما تنص الروايات، ولا قتل الائمة من ذريته من بعده، مع ان لكل منهم فضله ومنزلته ودوره العظيم كحجّة لله في الارض في اقامة دين الله حتى وصول الدنيا الى مسيرتها النهائية التي اخبر الله بها العباد في كتابه ومنها ظهور المهدي ع ليملأ الارض قسطا وعدلا شاملا في العالم ومزيحا للظلم والظالمين والجور والجائرين، وذلك ايضا يتم عبر سنن الله التي تحدث بها في كتابه الكريم.


ولذا فان كثيرا من مجريات الحرب في كربلاء والتي انتهت خلال ساعات قد حدثت ضمن سنن الله ونواميسه التي تحكم الارض، وما يروى من مبالغات واحاديث في كتب المقاتل لا صحة لها وانما هي اضافات من المؤلفين والخطباء المتحدثين عن كربلاء، فلم تخسف الارض في كربلاء ولم تحل بها الاعاصير المدمرة ولم يفيض ماء الفرات ويغرق الفاجرين ولم تمطر السماء دما ولم تعم سيوف القتلة المجرمين، ولم يحدث شيء خلاف السنن الالهية حتى عندما ضل فرس علي الاكبر لسقوط بعض دماء الشهيد على عيني الفرس فسار به خطئا الى معسكر الاعداء فاشبعوه طعنا بالسيوف والرماح .

ومما يذكر في ذلك ان المرحوم السيد الخوئي اعلى الله مقامه والذي كان يعتقد لمدة طويلة بصحة المصادر التي نقل عنها كتاب(كامل الزيارات) لكون المؤلف قد نقل في الكتاب انه قد اخذها من مصادر معتبرة وبطرق اصولية، رغم ما فيها من اخبار لا يقبلها العقل والدين، قد رفع يده عن صحة النقل بعد التحقيق المستفيض فيه وصرح في درسه ومجلسه بذلك.

ولذا قد ورد في كتاب الله عن ضرورة التعقل والتفكر في سنن الله في الحياة في آيات عدة منها قوله تعالى:

[ سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا ]،
[وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ].
[كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ]

كما ورد النهي عن الغلو في احاديث الائمة ع ونصحهم لاتباعهم وشيعتهم بالابتعاد عن ذلك.
فعن الامام الباقر ع قال: [يا معشر الشيعة - شيعة آل محمد - كونوا النمرقة الوسطى، يرجع إليكم الغالي، ويلحق بكم التالي، فقال له رجل من الأنصار ما الغالي ؟
قال : قوم يقولون فينا مالا نقوله في أنفسنا، فليس اولئك منا ولسنا منهم،
قال: فما التالي، قال: المرتاد يريد الخير، يبلغه الخير يؤجر عليه]

والنُمرَقة :هي الوسادة الوسطية التي يستند اليها الجالس حيث شبّه الامام الباقر آل البيت ع بها، للاستناد إليهم في أمور الدين كما يستند إلى الوسادة لراحة الظهر واطمئنان الاعضاء، ووصفها بالوسطى لاتصال سائر النمارق بها، فكأن الكل يعتمد عليها إما مباشرة أو بواسطة، فآل البيت ع هم الصـراط الوسط المستقيم الذي ينبغي ان يكون الدليل والميزان للعباد ليلحق بهم من قصّر، ويرجع إليهم من تجاوز حين يكون من المغالين في شأنهم.

وعن الامام الصادق ع قال:
[يا معشر الشيعة إنكم قد نُسِبتم إلينا، كونوا لنا زينا، ولا تكونوا علينا شينا].
اي لا تكونوا عيبا واساءة لنا بما تنشروه من كلام يعمم بين الناس ويقولون هذا قول الصادق وائمة اهل البيت ع وعن الامام الصادق ع في حديث اخر قال: [رحم الله عبدا حببنا إلى الناس، ولا يبغضنا إليهم، وأيم الله لو يرون محاسن كلامنا لكانوا أعز، وما استطاع أحد أن يتعلق عليهم بشيء]

اي لو علموا الاحاديث الصحيحة الخالية من الغلو لكانوا من المعتزين بها او اعز منكم في حملها ولما استطاع احد ان ينالهم بنقص او اساءة.

وعن الامام الصادق ع قال:
[رحم الله عبدا استجر مودة الناس إلى نفسه وإلينا، بأن يظهر لهم ما يعرفون ويكف عنهم ما ينكرون]
وختام الموضوع في ترك الغلو والمبالغة هو ما ورد عن الامام الهادي ع حيث قال: [اتقوا الله وكونوا زينا ولا تكونوا شينا، جروا إلينا كل مودة، وادفعوا عنا كل قبيح].


وللبحث تتمة.

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com