تأملات في القضية الحسينية
10
(حسن الاختيار
للمجالس الحسينية)
من الامور المهمة التي لا يختلف
عليها اثنان ان مسألة التثقيف للناس في المجالس الحسينية ينبغي ان تكون لأحياء
النهضة الحسينية بروحها وجوهرها ومحتواها الذي قام لأجله الامام الحسين ع والذي
اكده الامام الصادق ع بقوله: [رحم الله من احيا
امرنا].
وهو ما يعني احياء القيم والمفاهيم
والمعاني التي استشهد من اجلها الامام الحسين اساسا، اضافة الى توضيح المعاناة
العظيمة التي تعرض لها هو وأهل بيته من الظلم والاذى والتحمل للعطش وجراحات
الحرب والالم في ذات الله.
ولذا يفترض في ثقافة المجالس
الحسينية ان تكون معتمدة على الروايات الصحيحة والفهم السليم لقيم الدين واصوله
لكي تكون خالية من الخرافات ومن الاحاديث المكذوبة على الائمة والتي من شانها
ان تدفع الناس في اتجاهات تسهم في طمس القضية الحسينية واطفاء وهج نورها
واهدافها السامية، وتحويلها من ثورة على الظلم والظالمين الى مجالس تقليدية او
فعاليات طقوسية تشتمل على لبس السواد واللطم والبكاء وضرب الرؤوس او الصدور
وتوزيع الطعام في نهاية المجلس ثم ينتهي كل شيء في نهاية العزاء.
كما يذهب البعض الى ما هو اسوء حيث
يقوم بضرب الراس بالقامات والظهور بالزناجيل المشفرة وادماء البدن او تعذيبه
بمختلف الوسائل والبدع الجديدة.
الا ان الاهم والاخطر من ممارسة
البدع هو نشر الروايات والمفاهيم المكذوبة على الامام الحسين على لسان الخطباء
والشعراء بقصد اثارة الناس وإبكاءهم ، حتى اصبحت هذه الروايات والمقولات
الهزيلة مادة يتوارثها الخطباء فيما بينهم رغم مخالفتها للمنطق والعقل اذ ان
هناك من يعيش على القضية الحسينية ويبني ثروته ومجده باسمهم وبالحديث عنهم.
ان الذي يميز دين الاسلام عن غيره
من الاديان المحرّفة عن اصولها الصحيحة هو ان ديننا لا يشتمل على ما يخالف
العقل في اصوله ومفاهيمه اذ ان الدين هو من خالق الانسان وواهب العقل له وحاشى
لله جلّ وعز ان يقول شيئا خلاف العقل وهو الخلاق العظيم كما اوضح ذلك في كتابه
الكريم بقوله: افلا تعقلون.. لعلكم تعقلون..
[كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ]،
وكذلك فيما بيّنه انبيائه ورسله في احاديثهم عن العقل ودوره في سلامة الاعمال.
ولكي يحيط الناس علما بالمصدر الذي
يرجع اليه الخطباء التقليديون في احاديثهم عن واقعة مقتل الامام الحسين وصحبه،
فان احاديثهم غالبا ما تكون مستمدّة من كتب المقاتل علما بان هذه الكتب هي
مؤلفة من اشخاص ليسوا بمعصومين، وانهم جمعوها من بعد انتهاء الواقعة بزمن، وهو
ما يبدوا من الاختلافات بين كتاب واخر، وليس لها قيمة علمية لفقدانها السند،
فلا يمكن التعويل عليها او على روايات المعصومين المذكورة فيها، علاوة على ان
الكثير من الشعر الذي يستشهد به الخطيب بعنوان لسان الحال عن الحسين واهل بيته
فيقول فيه ما يشاء من الشعر الشعبي او الفصيح اثارة للعواطف والمشاعر هو كلام
لا يمكن نسبته حقيقة للحسين واهل بيته، بل وان بعض هذه القصائد لا تستحق الذكر
لأنها من شاعر فاسق مات على الخمر والزنا، اضافة الى اعتمادها على الاحلام التي
لا تشكل حجّة على الانسان ذاته او على غيره .
ان اشاعة المفاهيم الخاطئة وخاصة
بنقلها عبر الانترنيت الى الاخرين وما فيها من موضوعات تفرّغ المفاهيم والقضايا
الدينية والحسينية من محتواها الاصيل الى محتوى جانبي هزيل لا يتناسب مع عظمة
القضية والتضحيات التي بذلت من اجلها سابقا ولاحقا، انما هو يفسد اكثر مما يصلح
ويكون سببا في انتشار الجهل والخرافة في عقول البسطاء والسذج، ولذا كان التحذير
الالهي بترك الاحاديث التي يحاسب عليه الانسان يوم القيامة كما في قوله تعالى:
[وَلَا تَقْفُ
مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ
أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ].
[إِذْ
تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم
بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللهِ عَظِيمٌ].
وهو ما يستوجب حسن اختيار المجالس
لتكون مدارس في التربية والارشاد وترك المجالس التي تكون باعثا للتخدير
والتزوير
وللبحث تتمة