و
يسأل سائل لماذا احتلت ذكرى الحسين(ع)
اهمية خاصة عند الشيعة فاقت ذكريات الأئمة الاخرين مع ان عليا(ع)
هو ابو الحسين وقد قتل غيلة ، والحسن(ع)
هو اخو الحسين وقد قال النبي فيهما : إبناي هذان امامان قاما او
قعدا ، وقال الحسن و الحسين سيدا شباب اهل الجنة ؟
الجواب : مع التنبيه الى
حقيقة ان الشيعة في احيائهم لظلامة الحسين واهتمامهم بها هذا الاهتمام
المتميز انما هم يتبعون سيرة الائمة و ليس رأيا ابتكروه فيما بينهم
نقول :
ان الشخصية المركزية في حركة الائمة الاثني عشر بعد النبي (ص)
هو علي(ع) ، وهي من اوضح الواضحات لمن قرأ سيرة الائمة الاحد عشر بعد
علي بإنعام نظر و تدبر و يمكن توضيح القضية باختصار كما يلي :
1-الدين
عبارة عن القران وسنة النبي (ص) ، والهداية التي يدعوا اليها الدين
هدايتان هداية عامة تتمثل باعلان الشهادتين و يصبح قائلهما مسلما له ما
للمسلمين من عصمة دمه و غيرها من الحقوق المدنية الدنيوية وهذه الهداية
العامة يحققها القران بالنظرة البادهة دون الحاجة الى تعميق نظر و بحث
، وهداية تفصيلية تتمثل
بالايمان بولاية الائمة الاثني عشر اولهم علي ثم الحسن و الحسين
والتسعة من ذرية الحسين وبالسنن التي جاء بها النبي (ص) او امر بها
وهذه الهداية هي التي يترتب عليها دخول الجنة ، وليس من شك ان هذه
الهداية التفصيلية يتوقف تحصيلها على التعمق بالقران مضافا الى معرفة
سنة النبي (ص) (فأذا قرأناه فاتبع قرانه (18) ثم ان علينا بيانه (19))
(القيامة/18-19) (وأنزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل اليهم)
(النحل/44) ، ويتضح من ذلك ان السنة النبوية اذا حرفت في قليل او كثير
تعطلت الهداية التفصيلية ومن ثم يتعطل ترتيب الاثر عليها ، شأنها شأن
وصفة الطبيب حين تغير مقاديرها من دون اذنه .
2-
بين
النبي (ص) لأمته إمامة اهل بيته الاثني عشر بقوله (اني تارك فيكم
الثقلين كتاب الله وعترتي اهل بيتي ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي
ابدا وقد اخبرني اللطيف الخبيرانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض)وسمى
اولهم وثانيهم وثالثهم وخامسهم الباقر وثاني عشرهم (من كنت مولاه فهذا
علي مولاه اللهم وال من والاه وعادي من عاداه وانصر من نصره واخذل من
خذله) (الحسن والحسين سبطان من الاسباط) (المهدي مني من فاطمة يملأ
الارض عدلا كما ملئت ظلما وجورا) كما بين لهم سنته في جهاد المشركين و
جهاد الظالمين و في العبادات وغيرها وحثهم على كتابته فكتب منهم من كان
يرغب في ذلك واعرض من كان لايرغب في ذلك .
3-
اختص
النبي (ص) عليا (ع) بلقائين يوميا احدهما بعد صلاة الصبح و ثانيهما بعد
المغرب و العشاء يملي عليه كل السنن و تفسير القران وكتبها علي في كتب
احدها اسمه (الجامعة) وهو خاص في الفقه لتكون هذه الكتب ميراثا الهيا
له ولولده الأئمة من بعده لينهضوا بواجبهم حين تحرف وتغيراحكام الدين
في المجتمع (ثم اورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا) (فاطر/ 32 ) ،
(فأن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين(89) اولئك
الذين هدى الله فبهداهم اقتده) (الانعام/ 89-90) ، (يايها الرسول بلغ
ما انزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته) (المائدة/67) ، (وما
محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل افأن مات او قتل انقلبتم على
اعقابكم ومن ينقلب على عقبه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين)
(آل عمران/144) ، (وقال النبي (ص) : يرد علي يوم القيامة رهط من اصحابي
فيحلئون (يمنعونه ويطردون) عن الحوض ، فأقول يارب اصحابي فيقول انك
لاعلم لك بما احدثوا بعدك ، انهم ارتدوا على ادبارهم القهقرى فأقول
سحقا سحقا لمن غير بعدي فلا اراه يخلص منهم الا مثل همل النعم).
4-توفي
النبي (ص) وانقلبت قريش المسلمة على الأمامة الدينية الالهية للنبي
ولاهل بيته وبوأت لنفسها فضلا عن الأمامة السياسية امامة دينية في قبال
امامة النبي تحل من سنته ما شاءت وتحرم منها ما شاءت ، كما حرمت سنة
النبي في حج التمتع وسنته في الوضوء وفي صلاة التراويح وغيرها وصارت
تعرف هذه التغيرات بسنة الشيخين وقام حكم عثمان على الالتزام بها كدين
في المجتمع يحاسب من يخالفها . روى مسلم ج2/ ص896-895 عن ابي موسى انه
كان يفتي بالمتعة فقال له رجل رويدك ببعض فتياك فانك لاتدري ما احدث
امير المؤمنين في النسك فقال
ابو موسى : ايها الناس من كنا افتيناه بشيء فليتئد فهذااميراالمؤمنين
قادم عليكم فبه أئتموا . فلما قدم قلت ما هذا الذي احدثت يا
اميرالمؤمنين ؟ قال قد علمت ان النبي صلى الله عليه وسلم قد فعله
واصحابه ولكن كرهت ان يظلوا معرسين بهن الاراك ثم يروحون في الحج تقطر
رؤسهم .
5-نهض
علي(ع) في وجه قريش المسلمة لتصحيح الوضع وارجاع الامر الى نصابه وقد
نجح في العراق وما تبعه من الاقطار الشرقية للبلاد الاسلامية ، وتخندقت
قريش المسلمة حول معاوية في الشام بعد فشلها في الجمل واستطاع ان يشق
عصا الامة ويستقل بالنصف الغربي من البلاد الاسلامية لابقائها على تولي
قريش المسلمة في دينها مع تربية على البراءة من علي (ع) واختلاق اكاذيب
تدعوا الى قتاله و قتله .
6-
سلم
الحسن(ع) بعد ان بايعه اهل العراق والبلدان الشرقية الامر لمعاوية
بشروط ليقضي على انشقاقه ويعيد للامة وحدتها
ويصونها من خطر تعدد القبلة المحتمل وينشر سنتة واحاديثه في ولاية علي
في الشام ، وقد التزم معاوية بالشروط مدة عشر سنوات في حياة الحسن ثم
نقضهاودس السم للحسن ولاحق العراقيين اصحاب علي قتلا وتشريدا وسجنا
واعلن عن منهجه في احياء الامامة الدينية للخليفة التي سنتها قريش
المسلمة وقرن ذلك بلعن علي في كل الامة المسلمة.
7-
نهض
الحسين (ع) باهل العراق المظلومين في وجه ضلالة معاوية بعد موته
واستشهد مظلوما هو واصحابه واهل بيته ، وكانت شهادته وظلامته فتحا قي
الامة لتؤسس لها البراءة من بني امية ومن الامامة الدينية القرشية التي
مهدت لهم وتفتح الطريق لولاية علي (ع) من جديد عبر احاديث النبي (ص) .
(يا ابا عبد الله لقد عظمت الرزية وجلت المصيبة بك علينا وعلى جميع اهل
الاسلام وجلت وعظمت مصيبتك في السماوات على جميع اهل السماوات ،....يا
ابا عبدالله اني اتقرب الى الله والى رسوله والى امير المؤمنين والى
فاطمة والى الحسن واليك بموالاتك وبالبراءة ممن اسس اساس الظلم والجور
عليكم اهل البيت وبنى عليه بنيانه وجرى في ظلمه وجوره عليكم وعلى
اشياعكم برئت الى الله واليكم منهم) .
8-
احدثت
نهضة الحسين وشهادته وظلامته وعيا في الامة فانقسمت الى قسمين الاول
يتبرأ من بني امية ويوالي اهل البيت كطريق
بينه وبين النبي لمعرفة دينه. ونهض الائمة التسعة من ذرية الحسين
لتلبية حاجة هذا القسم الى معرفة سنة النبي التي كتبها على يده .
ولتربيتهم على حمل ظلامة الحسين غضة طرية من خلال الايام العشرة بالحزن
واختصاص عاشورائها بتكريسه للحزن وتعطيل كل الاعمال فيه ليكون اللافتة
العريضة لتاسيس البراءة من بني امية وممن مهد لهم بالاطروحة والتمكين .
9-
ان
شهادة الحسين وظلامته ومن ثم احياء ظلامته سنويا هي اللافتة المركزية
والباب الوحيد لهداية الامة الى دين محمد (ص) الذي كتب علي (ع) تفاصيله
واحياء احكامه بعده ، بل هي اللافتة المركزية والباب الوحيد لهداية
البشرية على الاطلاق.
10-
ولن
تكون الشعائر الحسينية شعائر هادية الى دين محمد بنقائه وصفائه الا اذا
حافظ الشيعة على احيائها بطريقة مؤسسيها الائمة التسعة من ذرية الحسين
لابد من تحري منهجهم والاقتداء بهم .