غزوة ذات السلاسل

      من اسباب نزول سورة العاديات هي مناسبتها مع غزوة ذات السلاسل حيث تميزت هذه الغزوة بتدبير بارع من رسول الله محمد (صلى الله عليه واله وسلم) وبسالة رائعة من امير المؤمنين علي ابن ابي طالب (عليه السلام).  

     إنّ الاطّلاع المبكر على أسرار العدو العسكرية، ومعرفة حجم طاقاته ومبلغ استعداداته واكتشاف خططه، يعد من العوامل الجوهرية الموَثرة في الانتصار عليه والنبي محمد صلى الله عليه واله وسلم هو أوّل من ابتكر في تاريخ الاِسلام جهازاً خاصاً بهذا العمل في صورة منظمة، وتبعه المسلمون من بعده، حين استعانوا بعناصر استطلاع وعيون للعمل في المجالات العسكرية والاِدارية، وفي غزوة ذات السلاسل استطاع الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يطفىَ نار فتنة باستخدام معلومات دقيقة علمها عن العدو، قبل أن يخسر الكثير بغير ذلك. فقد علم من عناصر المخابرات الخاصة به (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ أعداداً كبيرة متحالفة تجمعوا في منطقة وادي اليابس هدفوا إلى التوجّه نحو المدينة للقضاء على قوّة الاِسلام والمسلمين، وقتل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والاِمام علي(عليه السلام) خاصة. فأمر الرسول بنداء دعوة الناس إلى الاجتماع به  في الصلاة فقال(صلى الله عليه وآله  وسلم) :(يا أيّها الناس، إنّ هذا هو عدو اللّه وعدوكم قد عمل على أن يبيِّتكم فمن لهم ؟ )

     فخرجت جماعة بقيادة أبي بكر ساروا مسافة حتى واجهوا قبيلة بني سليم الذين قاوموا القوّة الاِسلامية، فقرر أبو بكر الانسحاب والرجوع من حيث أتى.

    إلاّ أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يقبل بهذا الوضع، فتألم لعودة الجيش بهذه الصورة المهينة، فأمر عمر بن الخطاب بتولّي القيادة ، ولكنّه لم يحارب أيضاً لقوة العدو فانسحب أيضاً إلى المدينة.

    وطلب عمرو بن العاص من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبعثه إلى هوَلاء الاَعداء على أساس أنّه من دهاة العرب، إلاّ أنّ بني سليم قاتلوه فهزموه وقتلوا عدداً من جماعته، فلم ييأس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ونظم جماعة جديدة واختار الاِمام عليا ً(عليه السلام) قائدها.

    وكان المشركون قد أقاموا رقباء على جبالهم ينظرون إلى كل عسكر يخرج إليهم من المدينة على الجادة فيأخذون حذرهم و استعدادهم ، فكان الاِمام (عليه السلام) قد استعد وتعصب بعصابة كان يشدها على جبينه في اللحظات الصعبة، ولبس بردين يمانيين، وحمل رمحاً هندياً، ثمّ توجه نحو الهدف ترك الجادة وأخذ بالسرية في الاودية بين الجبال فلما رأى عمرو بن العاص وقد فعل علي ذلك علم أنه سيظفر بهم ، فحسده فقال لابي بكر وعمر ووجوه السرية : إن عليا رجل غر لا خبرة له بهذه المسالك ، و نحن أعرف بها منه ، وهذا الطريق الذي توجه فيه كثير السباع ، وسيلقى الناس من معرتها أشد ما يحاذرونه من العدو ، فإسألوه أن يرجع عنه إلى الجادة ، فعرفوا أميرالمؤمنين (عليه السلام) ذلك ، قال : من كان طائعا لله ولرسوله منكم فليتبعني ، ومن أراد الخلاف على الله ورسوله فلينصرف عني ، فسكتوا وساروا معه فكان يسيربهم بين الجبال في الليل ويكمن في الاودية بالنهار ، وصارت السباع التي فيها كالسنانير إلى أن كبس المشركين وهم قارون آمنون وقت الصبح ، فظفر بالرجال والذراري والاموال ، فحاز ذلك كله ، وشد الرجال في الحبال كالسلاسل ، فلذلك سميت   ذات السلاسل ، في الصبيحة التي أغار فيها أمير المؤمنين (عليه السلام) على العدو , كان  النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد خرج فصلى بالناس الفجر ، وقرأ : " والعاديات " في الركعة الاولى ، وقال : " هذه سورة أنزلها الله علي في هذاالوقت يخبرني فيها با غارة علي (عليه السلام) على العدو .

ومن اسباب انتصار علي (عليه السلام) :

  .1 لم يشعر العدو بتحركاته، وذلك لتغييره مسيره، واستخدامه أُسلوب الكتمان في ذلك ، إذ سار ليلاً وكمن نهاراً واستراح خلاله.

  .2 فاجأ الإمام علي(عليه السلام) العدو صباحا حين صعد بجنوده إلى قمة الجبال ثمّ انحدر بهم بسرعة فائقة إلى الوادي مركز إقامة بني سليم، فأحاطوا بهم وهم نيام، وحاصروهم وأسروا منهم، وفرّ آخرون.

  .3 أنّ شجاعة الاِمام علي(عليه السلام) وبسالته النادرة أرعبت العدو، وأفقدته القدرة على المواجهة والمقاومة، حيث فرّوا من أمامه تاركين الغنائم وراءهم.

وبذا فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) استقبله بحفاوة وقال له عندما نزل من فرسه: (إركب فإنّ اللّه ورسوله راضيان عنك).

وكانت تضحية الاِمام(عليه السلام) وشجاعته من الاَهمية بحيث نزلت فيها سورة العاديات كاملة :    وَالعادِياتِ ضَبْحاً    فَالمُورياتِ قَدحاً     فَالمُغِيراتِ صُبْحاً       فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً      فَوسَطْنَ بهِ جَمْعا ً   ... 

 المصادر

موقع الموسوعة اهل البيت الاسلامية

تفسير البيان للطبرسي

والحمد لله رب العالمين

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com