الدرس التاسع عشر:
القضاء والقدر
تمهيـد
كانت
فكرة وعقيدة القضاء والقدر ولازالت مصب اهتمام الناس بشكل عام، واصحاب الفكر
والنظر بشكل خاص، لما تحتله من اهمية بالغة في حياتهم ومصيرهم.
ولم
تكن هذه المسألة بمعزل عن اهتمامات النبي الاكرم (صلى الله عليه واله وسلم) واهل
بيته الطاهرين بل تناولوها وسلطوا عليها الضوء وعلّموا اتباعهم وابناء مدرستهم الرمز
الكامن فيها.
ان
عقيدة القضاء والقدر كانت عند المشركين وقبل مجيء الاسلام تلبس ثوب الجبر وتصطبغ
بصبغة نفي الاختيار من فعل الانسان، وكانت الدوافع من وراءها دينية محضة (ليست
سياسية). الا انه وبعد مجيء الاسلام فسر البعض ومنهم الامويون عقيدة القضاء والقدر
بسلب الاختيار من الناس ولم تكن اهدافهم من وراء ذلك دينية بل كانت تكمن من وراءها
مخططاتهم السياسية الخبيثة.
وكما
قلنا فان من المؤسف حقاً ان نلاحظ من اعداء الدين وبعض المستشرقين الصاقهم تهماً
وافتراءات يُقرِّعون من خلالها المسلمين مستندين في ذلك الى عقيدة الجبر التي
تبناها من هو غريب عن الدين او ممن هو طفيلي عليه، ولا يمت اليه بصِلة.
الرد الصحيح على كل ذلك ومن خلال الفهم الصحيح لعقيدة القضاء والقدر لكن
المشكلة الحقيقية عند المسلمين هي اختلافهم في تفسيرها بعد اعترافهم باصل وجودها في الكتاب والسنة الشريفة. راجع التمهيد في
الدرس الثامن عشر.
مفهوم
القضاء والقدر
ان
لفظة ((القدر)) بمعنى المقدار، و((التقدير)) يعني قياس الشيء
وجعله على مقدار، وصنع كل شيء بحد معين وبكلمة اخرى التقدير هو وضع الحدود قبل
ارادة ايجادها، اما القضاء فله في اللغة معانٍ شتى (كالخلق، والامر، والاعلام،
والفصل بالحكم، والفراغ من الامر والشيء) لكن المقصود اصطلاحاً في مباحث علم
الكلام هو بمعنى العزم والابرام اي بمعنى الاتمام والفراغ من الشيء، او الاداء،
والحكم، (وهو نوع من الاتمام الاعتباري).
واحياناً
تستعمل كلتا الكلمتين بمعنى مترادف حيث يستعملان في معنى المصير.
اما
المراد من التقدير الالهي، ان الله تعالى جعل لكل حادثٍ مقداراً وحدوداً،
كميةً وكيفيةً، وزمانيةً ومكانيةً معينةً، في تحققه بفعل العلل والعوامل
التدريجية.
والمراد
من القضاء الالهي، ايصال الحادث الى مرحلته النهائية والحتمية بعد توفر
المقدمات والاسباب والشروط لذلك الحادث. مخطط 19- أ.
وعلى
ضوء هذا التفسير تكون مرحلة التقدير لكل حادث متقدمة على مرحلة القضاء لذلك
الحادث، حيث تكون للتقدير مراحل تدريجية مشتملة على مقدمات بعيدة ومتوسطة وقريبة،
ويتعرض التقدير للتغيّر بتغيّر بعض الاسباب والشروط فمثلاً مسيرة الجنين المتدرجة
من النطفة الى العلقة فالمضغة، الى ان تكون جنيناً متكاملاً تعتبر هي المراحل
المختلفة لتقديره، وسقوط هذا الجنين في مرحلة من هذه المراحل يعد تغيّراً في
التقدير. مخطط 19- ب ومخطط 19- ج.
![]()
واما مرحلة القضاء فهي دفعية وليست تدريجية، ومرتبطة بتوفر كل الاسباب والشروط، وهي ايضاً حتمية لا تقبل التغير (اذا قضى امراً فانما يقول له كن فيكون) ال عمران – 47.
كما ويستعمل القضاء والقدر كلفظين مترادفين احياناً (بمعنى المصير) ومن هنا يقسم للحتمي وغير الحتمي. وبهذا اللحاظ تعرضت بعض الروايات والادعية لتغيير القضاء. وان الصدقة والبر بالوالدين وصلة الرحم والدعاء من عوامل تغيير القضاء. مخطط 19- د.
القضاء
والقدر العلمي والعيني
يستعمل
التقدير والقضاء الالهي احياناً بمعنى علم الله بتوفر المقدمات والاسباب والشروط
المؤثرة في تحقق الظواهر وكذلك علمه بالوقوع الحتمي لها ويطلق على ذلك القضاء
والقدر العلمي. واحياناً يستعمل بمعنى انتساب المسيرة التدريجية للظواهر، وكذلك
انتساب تحققها العيني الخارجي، الى الله تعالى ويطلق عليه القضاء والقدر العيني.
ووفق
لما يستفاد من الآيات والروايات، فان العلم الالهي بكل الظواهر بالصورة التي تتحقق
بها في العالم الخارجي تماماً، مودع في مخلوق شريف رفيع يسمى اللوح المحفوظ.
وكل من يمكنه الاتصال بهذا اللوح، بإذن الله، سيكون
عالماً بالظواهر الماضية والمستقبلية. وهناك الواحٌ اخر اقل رتبةً ومقاماً من
اللوح المحفوظ اودعت فيها الظواهر بصورة مشروطة وغير تامة. ومن يشرف ويتعرف عليها
ستكون له معلومات محدودة وناقصة ومشروطة قابلة للتغيير (يمحو الله ما يشاء
ويثبت وعنده ام الكتاب) الرعد – 39، وتغيُّر التقديرات المشروطة وغير
الحتمية يعبر عنه في الروايات بالبداء. راجع مخطط
19- ب.
اذن
القضاء والقدر العلمي يعني: ان الاشياء قبل ان ترتدي لباس الوجود والتحقق كانت
معلومة عند الله تعالى ولا يمكن ان يعزب عن علمه شيء من الاشياء، حتى ولو لم يكن
متحققاً بالفعل.
ولا
يتصور خطأً ان علمه تعالى بواقع الاشياء قبل وجودها يعني انه تعالى قد الزم
مخلوقاته على افعالها، وسلب منها اختيارها بدعوى ان علمه لا يمكن ان يتخلّف عما هو
عليه، فلا بد وان توجد افعال العباد على ما هي عليه شاؤوا
ام أبوا وهو مردود، لان علم الله بافعال عباده وان كان
منذ الازل وقبل ان توجد تلك الافعال، الا ان ذلك لا يعني إلا ان الله تعالى قد
تعلق علمه بالواقع كما هو، فان كان الواقع مسلوب الاختيار فقد تعلق علمه به كما
هو، وان كان الواقع الذي تعلق به علم الله اختيارياً فان علمه تعالى قد تعلق به
كما هو بلا زيادة ولا نقيصة. راجع مخطط 19- د.
اذن فالايمان بالقضاء والقدر العلمي لا يثير اشكالاً اكثر مما ذكر
في موضوع العلم الالهي الازلي، وقد بحثنا في الدرس السابق شبهة الجبرية في موضوع
العلم الالهي، واتضح لنا ضعفها وخواؤها.
لكن
الاشكال الاكثر صعوبةً يأتي في مجال الاعتقاد بالقضاء والقدر العيني، وخاصةً في
مجال الايمان بالمصير الحتمي، وعلينا معالجته والاجابة عنه (وان عُلِمَ الجواب
الاجمالي عنه في موضوع التوحيد بمعنى التأثير المستقل) وكالاتي:
ان
نظرة عابرة وسريعة الى اطراف هذا الكون يلاحظ فيه ارتباط وثيق بين كل جزء منه مع
غيره من الاجزاء، طبقاً لنظام وقانون العلية الى ان تنتهي هذه السلسلة عند علة
العلل ومنتهى كل سبب وهو الله تبارك وتعالى.
فما من
حادثةٍ او شيءٍ او ظاهرةٍ الا ومن ورائها سبب اوجدها، وقد ابى الله ان يجري الامور
الا باسبابها ضمن مخطط دقيق وحكمة رائعة (هذا هو
المقصود من اصطلاحي القضاء والقدر في كتبنا العقائدية) فالحجر حينما يسقط من شاهق،
والدم حينما يجري في العروق، والشمس حينما تدور في مدارها، والانسان حينما يأكل
ويشرب ويتعامل مع الحياة سلباً وايجاباً و... و... و... و... كل ذلك بقضاء من الله
وقدره وهو ضمن قانون محكم ولا يكون على نحو المصادفة، وليس من شك من رجوع كل علة
مع ما قبلها وبعدها من العلل الى الله تعالى. وقد شاء الله ان يجعل الانسان
مختاراً في انتخاب مصيره واختيار ما يصلحه في هذه الدنيا وكذلك الامة فهي مختارة
فاذا ركنت الى الراحة والخمول عندها تجد الظالمين يتلاعبون بمقدراتها ويكون عاقبة
امرها الذل والهوان بينما نجد العزة والرفعة للامة التي تنهض بمسؤولياتها وتأبى الظيم وفي كلتا الصورتين يتجسم قضاء الله وقدره؛ لانه تعالى انشأ معادلة حياة الانسان وتعامله مع ما يدور حوله
على اساس هذه السنة والقانون وشاءت ارادة الله ان يجعل الانسان مختاراً في سلوك
طريق الخير او طريق الشر كالمريض الذي يراجع الطبيب ويعمل بنصائحه فان الشفاء سوف
يكون حليفه بعكس المعاند. فليس تصرف واختيار الانسان لمصيره بمعزل عن ارادة الله
وليس هو في نفس الوقت مجبوراً على فعله بحيث لا يكون له الخيرة من امره (لا جبر
ولا تفويض ولكن امر بين امرين). مخطط 19- هـ.
اذن
فان القضاء والقدر يعني ان الله قدر لكل شيء حدّاً محدوداً واوجده على ذلك، فقد
يخلق الله شيئاً او ظاهرة مسلوبة الاختيار وهي اكثر من ان تحصى كعمليات الهضم التي
تجري في داخل الانسان، وقد يكون خلقه تعالى على نحوٍ يمنح فيه الخيرة
لمخلوقه في اختيار ما يراه مناسباً له في مجال الحياة والتفاعل معها كما تحقق في
شأن افعال وتصرفات الانسان. وحيث ان الامور ومجرياتها باختلاف صورها وطبيعتها
مرتبطة بالله، على هذا النحو يمكن تفسير القضاء والقدر العيني.
وبالنظر
الى اهمية القضاء والقدر العيني ووقوع معظم الاشكالات صعوبةً في مجال الاعتقاد به
(وخاصةً الايمان بالمصير الحتمي) وان علم الجواب الاجمالي عنه في موضوع التوحيد
بمعنى التأثير المستقل لكن لا بأس بشرح الموضوع ببيان اخر.
بيان
اخر في القضاء والقدر العيني
ان
الاعتقاد بالقضاء والقدر العيني الالهي يستلزم الاعتقاد بان وجود الظواهر من بداية
وجودها حتى مراحل نموها وازدهارها، الى نهاية عمرها، بل من حين توفر المقدمات
البعيدة لها، كلها خاضعة للتدبير الالهي الحكيم، وعلينا ان نؤمن ايضاً بان توفر
الشروط لوجودها ووصولها الى المرحلة النهائية، مستند الى الارادة الالهية 1.
وبعبارة
اخرى: فكما ان وجود ظاهرة، منتسب للإذن والمشيّة التكوينية لله، وبدون اذنه لا
يمكن لاي موجود ان يفتح عينيه على عالم الوجود، كذلك
فان وجود كل شيء مستند الى التقدير والقضاء الالهيين وبدونهما
لا يمكن لاي موجود الوصول الى شكله وحدوده المعينة، ولا
يصل الى نهاية عمره.
وتوضيح
هذه الارتباطات والعلاقات يمثل في واقعه التعليم التدريجي للتوحيد بمعنى الاستقلال
في التأثير، الذي هو من ارفع مراتب التوحيد. فان للتأكيد
على مثل هذه العلاقات والتنبيه عليها دوره الكبير في بناء شخصية الانسان كما اشرنا
اليه سابقاً.
واما
اسناد الظواهر الى الإذن، بل حتى للمشيئة الالهية، فهو ايسر فهماً واقرب الى
الاذهان، خلافاً لاسناد مرحلتها النهائية وتعيُّنها
الحتمي للقضاء الالهي. ولاجل تعقيّده وصعوبته، فقد بحث
فيه اكثر، وذلك لانه يعصب التوفيق بين هذا الايمان،
والايمان باختيار الانسان في رسم مصيره وتحديده، لذلك رأينا بعض المتكلمين
(الاشاعرة) الذين تقبّلوا شمول القضاء الالهي لافعال
الانسان، قد اتجهوا الى القول بالجبر، بينما نرى المعتزلة الذين لم يمكنهم القول
بالجبر وآثاره الخطيرة والسيئة، قد انكروا شمول القضاء الالهي لافعال
الانسان الاختيارية، وكل جماعة اولت الايات القرانية بما يتلائم واتجاهها
ورأيها، كما ذكر ذلك كله في الكتب الكلامية الموسعة، وفي الرسائل المخصصة للبحث
حول الجبر والتفويض.
والمحور
الرئيسي للاعتراض: ان فعل الانسان اذا كان اختيارياً حقاً، ومستنداً لإرادته، فكيف
يمكن القول باستناده لإرادة الله وقضائه؟ واذا كان مستنداً للقضاء الالهي فكيف
يمكن القول بانه خاضع لارادة الانسان واختياره؟
ولاجل الجواب عن هذا الاعتراض والتوفيق بين استناد الفعل الانساني لارادة الانسان واختياره، واستناده لارادة
الله وقضائه، يلزم علينا ان نبحث حول استناد المعلول الواحد لعلل متعددة، حتى
نعالج بذلك مشكلة استناد الفعل الاختياري للانسان ولله
تعالى.
![]()
1 ان انطباق كل من الارادة والقضاء الالهيين على الاخر (بحسب المورد) يتضح من
تطبيق الاية 47 من آل عمران على الاية
82 من سورة يس (انما امره اذا اراد شيئاً ان يقول
له كن فيكون)
انواع
تأثير العلل المتعددة
يمكن
ان يُتصور تأثير العلل المتعددة في وجود ظاهرة ما، بعدّة صور:
1)
ان تؤثر العلل المتعددة معاً،
وكل منها مجاورة للاخرى، وتساهم جميعاً في وجود
الظاهرة، كاجتماع البذر والماء والحرارة وغيرها، حيث تؤثر في انفلاق البذر ونموّ
النبات.
2)
ان تتناوب العلل في التأثير،
بحيث يمكن تقسيم تلك الظاهرة على امتداد عمرها، على عدد تلك العلل، وكل قسم منها
معلول لواحدة من العلل والعوامل، التي تؤثر اثرها خلال وقتها ونوبتها، كما لو كانت
هناك عدة محركات للطائرة، تؤدي بالتناوب عملية استمرارية حركة الطائرة.
3)
ان يكون تأثير كل واحد منها
مترتباً على الاخر، كما في تصادم كرات رياضية متعددة، فكل واحدة هي السبب في حركة
الاخرى، وكما في اصطدام حلقات السلسلة على التعاقب او اصطدام عدة سيارات بعضها
ببعض على طول الخط ومثال اخر له، ما نلاحظه من تأثير ارادة الانسان في حركة اليد،
وتأثير اليد في حركة القلم، وتأثير القلم في وجود الكتابة.
4)
التأثير المترتب على علل وعوامل
متعددة، بحيث يكون وجود كل منها مرتبطاً بوجود الاخر، خلافاً للقسم الثالث حيث لم
يكن وجود القلم مرتبطاً بوجود اليد، او وجود اليد مرتبطاً بارادة
الانسان.
وفي
هذه الصور جميعاً يمكن ان تجتمع علل متعددة على
معلول واحد، بل يجب اجتماعها وتأثير الارادة الالهية وارادة الانسان في
الفعل الاختياري من القسم الاخير، اذ ان وجود الانسان وارادته مرتبطان بالارادة الالهية.
واما
الصورة التي لا يمكن فيها ان تجتمع علتان على معلول واحد، فهي الصورة التي تجتمع
فيها علتان موجدتان، او علتان يمتنع الجمع بينهما في التأثير في عرض ومستوى واحد
او علل على البدل، كما لو فرضنا صدور ارادة واحدة من فاعلين مريدين، او استناد
ظاهرة واحدة الى علتين تامتين.
مناقشة شبهة
تبين
مما ذكرناه من توضيحات، ان استناد وجود الافعال الاختيارية الانسانية الى الله
تعالى، لا ينافي استنادها للانسان نفسه، لان احدهما في
طول الاخر، ولا تزاحم بينهما.
وبعبارة
اخرى: استناد الفعل للفاعل الانساني في مستوى، بينما استناد وجوده لله تعالى فهو
في مستوى اخر اسمى من ذلك المستوى. فان وجود الانسان نفسه، ووجود المادة التي يحقق
فعله فيها، ووجود الآلات التي يستخدمها في القيام بفعله، كلها مستندة الى الله
تعالى.
اذن
فتأثير ارادة الانسان التي هي من قبيل ((الجزء الاخير للعلة التامة)) في فعله، لا ينافي استناد جميع
اجزاء العلة التامة الى الله تعالى، فانه تعالى هو الذي يملك بيد قدرته وجود
العالم والانسان وكل شؤونه واحواله الوجودية، وهو الذي يفيض الوجود عليها
باستمرار، ولا تستغني عنه تعالى في اي زمان، وليست لها اية استقلالية والافعال
الاختيارية غير مستغنية عنه تعالى ايضاً، ولا يمكن لها ان تخرج عن حدود ارادته.
وكل صفاتها ومميزاتها وحدودها ومشخصاتها ايضاً مرتبطة بالتقدير والقضاء الالهي، وليس
كما ذكر، بان هذه الافعال اما ان تكون مستندة لارادة الانسان،
او مستندة لارادة الله. فان هاتين الارادتين ليستا في
عرض ومستوى واحد، ولا يمتنع الجمع بينهما، ولا يؤثران في تحقق الافعال على التناوب
والبدلية، بل ان ارادة الانسان كأصل وجوده نفسه، مرتبطة بالارادة
الالهية، ووجود الارادة الالهية ضروري لتحققها. (وما تشاءون الا ان يشاء
الله رب العالمين) التكوير – 29.
معطيات
الاعتقاد بالقضاء والقدر
ان
الاعتقاد بالقضاء والقدر الالهي، كما انه يعتبر مرحلة رفيعة من معرفة الله، ويؤدي
الى تكامل الانسان عقلياً، فكذلك له آثار ومعطيات عملية كثيرة، اشرنا الى بعضها
ونذكر هنا بعضاً اخر منها:
ان من
يؤمن بان حدوث الحوادث خاضع لارادة الله الحكيمة،
ومستند الى التقدير والقضاء الالهي؛ لا يخشى الاحداث المؤلمة، ولا ينهار امامها،
ولا يتملكه الجزع واليأس، فانه حين يعتقد بان هذه الاحداث تمثل جانباً من نظام
العالم الحكيم، وتتحقق وفق مصالح وحكم؛ يستقبلها باحضان
مفتوحة، ليتوصل من خلال هذا الموقف المؤمن الى ملكات فاضلة، امثال الصبر والتوكل
والتسليم وغيرها.
وكذلك
لا تشده ولا تخدعه ملذات الحياة وافراحها، ولا يصيبه الغرور والخيلاء، بها، ولا
يتخذ النعم الالهية سلماً للتفاخر والاستعلاء.
ان هذه
المعطيات القيمة هي التي تشير اليها الاية الشريفة: (ما
اصاب من مصيبة في الارض ولا في انفسكم الا في كتاب من قبل ان نبرأها ان ذلك على
الله يسير * لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال
فخور) الحديد – 22 و 23.
وعلينا
ان نؤكد على تجنب التفسير المنحرف لمسألة القضاء والقدر والتوحيد في التأثير
المستقل، فان التفسير الخاطىء لها ربما يؤدي الى الكسل
والبطالة والمذلة وقبول الظلم والجور، والتهرب من المسؤولية، ويلزم علينا ان نعلم
ان السعادة او الشقاء الابدي للانسان انما هو نتيجة
افعاله الاختيارية (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) البقرة – 286، (وان
ليس للانسان الا ما سعى) النجم – 39.
كلام
في البداء :
للبداء
عدة معاني :
1. الظهور بعد الخفاء : وهذا
المعنى لا يطلق عليه تعالى من قبل الشيعة لاستلزامه ، ( حدوث علمه تعالى بشيء بعد
جهله به ) .
2. تغيير
المصير والمقدر بالاعمال الصالحة والطالحة : وهذا
هو المراد من البداء عند الشيعة فليس الانسان في نقابل التقدير مسيراً بل هو يعد
مخيراً في ان يغير مصيره ومقدره بصالح اعماله او بطالحها حتى ان هذا ( تمكن
الانسان من تغيير المصير بالعمل ) ايضاً جزء من تقديره سبحانه .
دلة الايات والاحاديث الصحيحة على ان الانسان قادر على تغيير
مصيره لحسن افعاله وصلاح اعماله بمثل الصدقة والاحسان وصلة الرحم وبر الوالدين
والاستغفار والتوبة وشكر النعمة ، والذي يوجب تغيير المصير وتبدل المقدر السيء الى
المقدر الحسن والعكس صحيح ، مما يشير الى ان الانسان غير محكوم بمصير واحد ومقدر
غير قابل للتغير ولا انه يصيبه ما قُدر له ، شاء ام لم يشأ بل المصير والمقدر
يتغير ويتبدل بشكر النعم او كفرانها وبالتقوى والمعصية الى غير ذلك من الامور من
دون ان يمس ذلك بكمال علم الله سبحانه بان يوجد فيه التغير والتبدل ، وهذا مما دلت
عليه الايات والروايات الكثيرة والتي تناولت هذا الشأن
واشارة الى وجود الرابطة بين الحسنات والسيئات وبين الحوادث الكونية والذي لا يهدف
الى ابطال العلل الطبيعية وانكار تاثيرها كما لا يهدف
الى تشريك الحسنات والسيئات مع العوامل المادية ، بل المراد اثبات علة في طول علة
وعامل معنوي فوق العوامل المادية واسناد التاثير الى
كلتا العلتين لكن بالترتيب وهذا خلاف ما قال به اليهود من منعهم النسخ سواءاً اكان في التكوين او التشريع واستدلوا على ذاك بانه
خلاف الحكمة الالهية وان قلم التقدير والقضاء اذا جرى على الاشياء في الازل استحال
ان تتعلق المشئية بخلافه وبعبارة اخرى ذهبوا الى ان
الله قد فرغ من امر النظام وجف القلم بما كان . ويرد عليه قوله تعالى : ( يمحو
الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب ... الرعد 39 ) ، ( الا له الخلق والامر تبارك
الله رب العالمين ... الاعراف 54 ) وكذلك ( كل يوم هو في شأن .. . الرحمن 29 ) ، (
ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم ...
الرعد 11 ) .
وبعبارة
اخرى ان الله سبحانه اذا قدر لعبده شيئاً وقضى له بامر
لم يقدره ولم يقضه عليه على وجه القطع والحتم ، بحيث لا يتغير ولا يتبدل ، بل
قضاءه وقدره على وجه خاص ، وهو ان ما قدر للعبد يجري عليه ما لم يغير حاله بحسن
فعلٍ او سوئه ، فاذا غير حاله تغير قدر الله وقضائه في حقه والجميع ( القضاء
والقدر السابق واللاحق ) قضاء الله وقدره وهذا هو البداء الذي تتبناه الامامية
واشارة اليه رواياتهم الكثيرة . واما غير الشيعة فيقولون به ولكن لا يسمونه بداء
فالنزاع حقيقة انما هو في التسمية حيث
ان تسمية فعل الله بالبداء هو من باب المجاز والتوسع ، وهكذا فان كل ما قدر من حق
الانسان من الحياة والموت والصحة والمرض والغنى والفقر يمكن تغييره بالدعاء
والصدقة وصلة الرحم واكرام الوالدين .
وهذا
يبعث الرجاء في قلوب المؤمنين والعكس صحيح فان عدم القول بالبداء يترتب عليه الياس
والقنوت فيستمر الفاسق في فسقه والطاغي في طغيانه .
نقول :
ان لله سبحانه وتعالى قضائين :
أ. قضاء قطعي .
ب. قضاء معلق .
اما
الاول فلا يتطرق اليه البداء ولا يتغير ابداً حتى ولو دعي بالف
دعاء ولا تغيره الصدقة ولا الاعمال صالحها او طالحها ومن الامثلة على القضاء
القطعي ( قضاءه سبحانه للشمس والقمر مسيراً الى اجل معين او تقديره في حق كل انسان
بانه يموت ) وغيرها من السنن الثابته في الكون .
اما
الامثلة والتقديرات المعلقة : هو ان المريض يموت في وقت كذا الا اذا تداوى او
اجريت له عملية او دعي له او تصدق عنه وغير ذلك من التقداير
التي تتغير بايجاد الشرائط والموانع وذلك ينسحب الى
الاجل فان الاجل المسمى هو التقدير المحتوم بينما الاجل بلا قيد هو التقدير المعلق
فاذا وهب الله تعالى لاحدنا ولداً بحيث اطمأن الاطباء ان باستطاعة ( هذا الوليد )
ان يحمل اعباء الحياة الى ( 100 ) مائة سنه فمن الواضح من معنى هذا ليس اكثر من
الامكان او الاقتضاء وليس معناه ان يعيش هذه المدة كيف كان وفي اي وضع كان بل هو
مشروط بشروط عديدة منها استمرار صحته وعدم عروض مانع لاستمرار بقائه حتى تصل هذه
القابلية من القوة الى الفعلية .
أسئلة الدرس التاسع عشر:
السؤال الأول: اجب بصح أم خطأ
1) مرحلة التقدير لكل حادث متقدمة على مرحلة القضاء لذلك الحادث .
2) مرحلتي التقدير والقضاء ، مرحلتين دفعيتين
.
3) ان شمول القضاء الالهي لافعال
الانسان ، دفع المعتزلة الى القول بالجبر بينما الاشاعرة اللذين لم يمكنهم القول
بالجبر دفعهم الى انكار شمول القضاء الالهي لافعال
الانسان الاختيارية .
4) ان استناد وجود الافعال الاختيارية الانسانية الى الله
تعالى لا ينافي استنادها للانسان نفسه .
5) ان البداء بمعنى تغيير المصير بالاعمال
الصالحة والطالحة للانسان يشير الى وجود رابطة بين
الحسنات والسيئات والحوداث الكونية وهذا معناه تشريك
الحسنات والسيئات مع العوامل المادية .
6) نستطيع ان نقول ان القدر عبارة ( عن الخصوصيات الوجودية
التي تبين مكانة وجود الشيء على صفحة الوجود ؟ ) .
7) انا نجد الحوادث الخارجية والامور الكونية بالقياس الى
عللها والاسباب المقتضية لها على احدى الحالتين : فانها قبل ان تتم عللها الموجبة لها وقبل ان تتم الشرائط
وترتفع الموانع التي يتوقف عليها حدوثها لا يتعين لها التحقق والثبوت ، فاذا تمت
عللها الموجبة وكملت ما تتوقف عليه من الشرائط وارتفاع الموانع خرجت من التردد
والابهام وتعين لها احد الطرفين وهذا هو القضاء .
السؤال الثاني: أملا الفراغات
التالية
1) التقدير هو وضع ـــــــــــــــــــــ للاشياء قبل ــــــــــــــــــــــ ايجادها بينما التقدير الالهي هو : ان الله تعالى جعل لكل حادث ـــــــــــــــــــــــ و ــــــــــــــــــــــ كمية وكيفية وزمانية ومكانية معينة في تحققه بفعل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .
2) القضاء معناه الاتمام والفراغ من الشيء او بمعنى ـــــــــــــــــــــ و ـــــــــــــــــــــــــــــــ ( وهو نوع من الاتمام الاعتباري ) اما القضاء الالهي فهو ايصال الحادث الى ـــــــــــــــــــــــــــــ و ــــــــــــــــــــــــــــــ بعد توفر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــ لذلك الحادث .
3) ان معنى التقدر العلمي هو ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والاسباب والشروط ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في تحقق الظواهر .
بينما القضاء
العلمي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
.
4 ) ان معنى
القدر العيني هو انتساب ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لتلك الظواهر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بينما
القضاء العيني هو انتساب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الى الله
تعالى .
5) ان معنى
البداء اللغوي هو ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهذا لا يطلق عليه تعالى لاستلزامه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بعد جهله به .
6) ان المعنى اللذي يقصده الشيعة من البداء هو
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
.
7) عدد – 7 – من
الاعمال الصالحة التي سردتها الروايات الصحيحة التي تغيير مصير الانسان :
1.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 5.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .
2. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
6 . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .
3. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
7 . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .
4. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
.
8) ان المراد من
تغيير المصير بالاعمال الصالحة والطالحة للانسان في موضوع البداء هو عدم ابطال العلل
ــــــــــــــــــــــــــــــــ وانكار تاثيرها بل
المراد اثبات ــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وعامل معنوي ـــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ واسناده الى
تلك العلتين ولكن ـــــــــــــــــ .
9) عدم القول
بالبداء يترتب عليه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فيستمر الفاسق
والطاغي في فسقه .
10) ان لله تعالى
قضائين :
1. قضاءاً ـــــــــــــــــــــــ .
2. قضاءاً ـــــــــــــــــــــــ .
وان البداء من القضاء
ــــــــــــــــــــــــــــــ وان الاجل المسمى من القضاء ــــــــــــــــ بينما الاجل بلا قيد هو من القضاء
ــــــــــــــــــــــــــ .