الدرس الثامن عشر:
الجبر والاختيار
تمهيـد
ان
التوحيد في التأثير الاستقلالي من المعارف القيمة والتي لها تأثير كبير في تربية
الناس وبناء شخصيتهم وقد اكد القران الكريم عليه كثيراً ووفر بتعابير واساليب
مختلفة، الارضية المناسبة لفهمه الصحيح والسليم، ومن جملة هذه التعابير اناطة كل
الظواهر بأذن الله ومشيئته وارادته وقضاءه وقدره.
والفهم
الصحيح السليم لهذا الموضوع، يحتاج الى رشد عقلي وفكري وكذلك يحتاج الى
التعليم والتفسير الصحيحين له، واولئك الذين حرموا الرشد العقلي اللازم، او لم
يحاولوا الاستفادة والاقتباس من تعاليم الائمة المعصومين، والمفسرين الحقيقيين
للقران الكريم، عرضت لهم الكثير من الانحرافات والشبهات، ففسروا ذلك بحصر كل تأثير
وعليّةَ بالله تعالى ونفوا اي تأثير للاسباب والوسائط، واعتقدوا بأن ((عادة)) الله جرت بان يُوجِد
الحرارة عقيب وجود النار، او انه يُوجِد الشبع والارتواء بعد اكل الطعام وشرب
الماء، والا فليس للنار او الطعام او الماء اي تأثير في وجود الحرارة او الشبع او
الارتواء، وتظهر النتائج الخطيرة والسيئة لمثل هذا الانحراف الفكري في دراستنا
لآثارها في مجال الافعال الاختيارية للانسان ومسؤوليته، فان نتيجة هذا اللون من
التفكير، تتمثل في اسناد افعال الانسان لله تعالى بصورة مباشرة، ونفي فاعلية
الانسان وتأثيره في افعاله نفياً مطلقاً (القول بجبرية الانسان) ونفي المسؤولية
عنه مما يؤدي الى القول بعبثية وعدم فائدة كل الانظمة التربوية والاخلاقية والقانونية
والحقوقية، ومنها النظام التشريعي الاسلامي، ولم يبقَ موضع للمسؤولية والوظيفة
والامر والنهي والتكليف والجزاء والثواب والعقاب، بل لاستلزم عبثية النظام
التكويني وعدم غائيته (راجع المقدمة الثامنة عشر في باب المقدمات) الذي هو
في الاساس مبني على توفير الارضية الملائمة لخلق الانسان، ليتوصل من خلال ممارساته
وافعاله الاختيارية وعبادته وعبوديته لله تعالى الى ارفع الكمالات الامكانية،
ومقام القرب الالهي ليكون مؤهلاً لافاضة الالطاف والامدادات الخاصة عليه، ويصبح
القول بجبرية الانسان ناقضٌ لهذا الهدف وليتحول نظام الخلق الى مسرح كبير يلعب فيه
الناس دور الدمى التي تلعب ادوارها بدون ارادة واختيار ولكن بعد ذلك سوف ينال
البعض العقاب والمذمة، وينال البعض الاخر الثواب والثناء!
ان اهم
العوامل التي ادت الى اتساع هذا الاتجاه الخطير والمنحرف، هو المطامع السياسية
للحكومات الجائرة لتبرر بمثل هذه المعتقدات تصرفاتها المنكرة ولتفرض على الشعوب
غير الواعية الاذعان لسلطانها وتحول دون ان تتحرك الجماهير للثورة بوجه هذه
السلطات المجرمة (يلزم علينا ان نعتبر الجبرية اهم عامل في تخدير الشعوب) وهذا
يظهر واضحاً في تفسيرات البعض لعقيدة القضاء والقدر بسلب الاختيار من الناس
وخصوصاً الامويين.
ومن
المؤسف حقاً ان نلاحظ من اعداء الدين وبعض المستشرقين الصاقهم تهماً وافتراءات
يُقرِّعون من خلالها المسلمين مستندين في ذلك الى عقيدة الجبر، ولا ادري اذا كان
للجبر مفردةً في قاموس حياة المسلمين اذن فلماذا:
أ.
يهرع المسلمون الى ميادين
الجهاد والتضحية من اجل حماية مبادئهم (مع العلم ان الانسان مجبول على حفظ نفسه
ونوعه).
ب. يتحمسون
لدعوة الناس للصلاح والاصلاح (مع العلم ان الانسان مجبزل على الارتخاء والكسل).
ت. يطمحون
الى الجنة والرضوان (مع العلم ان الانسان مجبول على الجزاء المحسوس والمعجل دون
الغائب والمؤجل).
فلا
معنى لكل هذا وامثاله ولا ادري كيف سمح البعض لانفسهم ان يتهموا الدين بانه افيون
الشعوب؟! مع ان الدين لم يترك فرصة الا وعبأ اتباعه وجنّدهم من اجل التصدي للظلم
والظالمين (راجع المقدمة التاسعة عشر في باب المقدمات).
وهناك
من تنبه لنقاط الضعف في هذا الاتجاه، ولكن بما انهم لا يملكون الرشد العقلي
والقدرة الفكرية على التوفيق بين التوحيد الكامل ونفي الجبرية، ولم يحاولوا
الاقتباس من تعاليم اهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام، فقد اتجهوا الى
الاعتقاد بالتفويض، وقالوا بخروج الافعال الاختيارية للانسان عن نطاق الفاعلية
الالهية، وابتلوا هم انفسهم بنوع اخر من الامراض والانحرافات الفكرية، وحرموا من
المبادىء والتعاليم الاسلامية ومعطياتها السامية (راجع المقدمة التاسعة عشر في
باب المقدمات).
لكن
اولئك الذين يملكون الاستعداد والرشد الفكري الكافي تعرفوا على المعلمين والمفسرين
الحقيقيين للقران الكريم فانتهلوا منهم وحُفِظوا من الاصابة بمثل هذه الامراض
والانحرافات. فمن جهة اعتقدوا بان فاعليتهم الاختيارية مستمدة من القدرة
التي منحها الله تعالى لهم، ويترتب المسؤولية عليها، ومن جهة اخرى: ادركوا
التأثير الاستقلالي الالهي في مرتبة اعلى واسمى فتوصلوا من خلال ذلك الى معطيات
هذه المعرفة المثمرة ونجد في الاحاديث التي وصلتنا من اهل بيت النبي (صلى الله
عليه واله وسلم) احاديث قيمة ومثمرة في هذا المجال (راجع المقدمة العشرين في
باب المقدمات). وهناك بعض الاحاديث نهي فيها بعض الافراد غير المؤهلين عن
الخوض في مثل هذه المسائل الدقيقة والبحوث الصعبة حتى لايصيبهم الانحراف
والاشتباه. مخطط 18- أ.

بيان ذلك:
تذهب
الامامية الى القول بان الانسان مختارٌ في فعله، اختياراً لا يخرجه عن حيطة
الارادة والقدرة الالهية ونحن نستدل على هذه المذهب بالادلة
العقلية التي تقسم الى قسمين:
الاول: ما يدل على ان الانسان مختار في فعله على نحو
الاجمال.
الثاني: ما يدل على عدم استقلاله في هذا الاختيار عن
المشيئة والقدرة الالهية.
الاول: الانسان مختارٌ
في فعله
يدلنا على ذلك:
أ-
اختلاف
الافعال
ان الانسان يعلم ان افعاله مختلفة من حيث الصدور من
خلال:
1)
ادراكه العقلي انها ليس على
وتيرة واحدة:
وذلك من خلال المشاهدات الخارجية، اذ انا نجد تفرقةً بين
صدور الفعل منا تابعاً للقصد والداعي – كالنزول من السطح الى الارض على الدرج –
وبين صدور الفعل لا كذلك، كالسقوط منه، اما مع القاهر او مع الغفلة. فانا نقدر على
الترك في الاول دون الثاني. ولو كانت افعالنا غير واقعة باختيارنا، لكانت كلها على
وتيرة واحدة من غير فرق، ولكن الفرق حاصل، فتكون باختيارنا، وهو المطلوب.
2)
ادراكه الحضوري بانه مختار:
فان القدرة على اتخاذ القرار والاختيار من الصفات
النفسية التي يدركها الانسان ويجزم بها، ولعلها اكثر الصفات جزماً ويقيناً، فان كل
واحد منا يدركها في ذاته وباطنه بعلمه الحضوري الذي لا يخطىء ولا يشتبه، كما يدرك
بمثل هذا العلم سائر حالاته النفسية، وحتى لو شك في شيء فانه لا يشك في شكه هذا،
فانه يدرك ((شكه)) هذا بالعلم الحضوري، ولا يمكن ان يتردد في هذا الادراك.
وكذلك كل احد يدرك بادنى تأمل في باطنه واعماق ذاته بانه
قادر على التكلم بكلام، وعدم التكلم، او انه قادر على تحريك يده وعدم تحريكها، او قادر على تناول الطعام وعدم تناوله.
3)
اعتماد التدريب والتمرين في
مواجهة الرغبات النفسية (الارادة الحرة):
لان التصميم على القيام بعمل، انما يتم لاجل اشباع
الدوافع الغريزية والحيوانية تارةً، امثال الجوع الذي يدفع الانسان الى العزم على
اكل الطعام او الظامىء الذي يدفعه العطش الى العزم على شرب الماء، او يتم ذلك لاجل
ارضاء الدوافع والاحتياجات العقلية، وتحقيق الطموحات الانسانية الرفيعة تارةً
اخرى، كالمريض الذي يستعمل الدواء المر، لاجل الحصول على السلامة والشفاء، ويمتنع
لاجل ذلك عن تناول الاغذية الشهية، او طالب العلم الذي يُعْرِضُ، في سبيل تحصيل
العلم واكتساب الحقائق، عن الملذات المادية، ويتحمل الوان المتاعب والمصاعب،
والجندي الباسل الذي يضحي حتى بروحه في سبيل الوصول الى تطلعاته السامية.
وفي الواقع انما تظهر قيمة الانسان حينما تتعارض وتتزاحم
الرغبات المختلفة، والانسان من اجل الوصول الى الفضائل الاخلاقية والكمالات
الروحية والابدية والقرب والرضوان الالهي، يعرض عن الرغبات الحيوانية المنحطة
الوضيعة، وكل عمل يمارسه الانسان وفق اختيار ووعي اكثر، هو اكثر تأثيراً في تكامله
الروحي والمعنوي، او هبوطه وانحطاطه واكثر استحقاقاً للثواب والعقاب.
ومن الواضح ان القدرة على مواجهة الرغبات النفسية، ليست
بدرجة واحدة في جميع الافراد، ولكن كل انسان يملك هذه الموهبة الالهية (الارادة
الحرة)، قليلاً ام كثيراً، ويمكن له – بالتدريب والتمرين – تقويتها وتنميتها اكثر
فاكثر.
اذن فلا نتردد ابداً في وجود الارادة والاختيار، ويلزم
ان لا تؤدي الشبهات المختلفة الى تردد الاذهان في مثل هذا الامر الوجداني
والبديهي.
ب- امتناع التكليف
(هذا هو
اثبات عقلي بالاستقصاء) اذ لو لم يكن الانسان موجداً لافعاله ((مريداً لافعاله))، لامتنع تكليفه،
والا يلزم التكليف بما لا يطاق، وانما قلنا ذلك، لانه غير قادر حينئذٍ على ما
كُلّف به، فلو كُلّف لكان تكليفاً بما لا يطاق، وهو باطل، لانه ظلم، والظلم مناف
للحكمة. والعجب من الاشاعرة التزامهم بجواز التكليف بما لا يطاق.
ت- امتناع
صدور الظلم منه تعالى
(هذا هو
اثبات عقلي بالاستقصاء) اذ انه لو لم يكن الانسان موجداً لافعاله ((مريداً لافعاله))، لكان الله تعالى
اظلم الظالمين، لانه تعالى – على الفرض – هو الذي يوجد في العبد قبائح الافعال،
بلا اختيار من العبد، ثم يعاقبه عليها.
ولعمري، ان القائل بالجبر ما عرف الله حق المعرفة، والا
لنزهه عن هذه السفاسف، تعالى ربنا عن ذلك علواً كبيراً.
الثاني: اختيار الانسان
في ظل المشيئة والقدرة الالهية
يمكن
اثبات ذلك من خلال جهتين:
الجهة
الاولى (الدليل العقلي الثبوتي):
قد
عرفت في البيان المتقدم ان الانسان مختار في كل ما يقوم به من الافعال عن وعي
وشعور، ونبين الان ان الانسان في اختياره هذا غير مستقل عن قدرة الله ومشيئته، بل
كل فعل يوقعه الانسان انما يوقعه بمشيئة الله وقدرته، وذلك:
ان كل
ما في الكون ذواتاً كان او افعالاً، ممكن. والله تعالى واجب الوجود، والممكن هو الذي
لا يمكن ان يتحقق ويوجد الا بافاضة الوجود عليه من الواجب، وعلى هذا لا يمكن ان
توجد افعال الانسان وتتحقق في الخارج، الا
بايجاد الواجب تعالى لها.

الجهة
الثانية (اثبات عقلي عن طريق الاستقصاء):
ان
المانع من تعلق قدرة الله تعالى على الممكنات عموماً – ومن جملتها افعال الانسان –
لا يخرج عن امور ثلاثة كما عرفت في مبحث القدرة:
اولها: ان لا تكون ذاته متساوية بالنسبة
الى الاشياء، بان تكون على شيء اقدر منها على شيء اخر. لكنك
عرفت انه باطل لكونه تعالى واجب الوجود
وثانيها: ان تكون هذه الافعال – اي
افعال الانسان – ممتنعة الوجود، وهذا باطل ايضاً، لما عرفت من انها ممكنات، مفتقرة
في وجودها الى علة، فان اوجدتها وجدت، والا بقيت عدماً.
وثالثها: ان تتعلق بافعال الانسان قدرة
وارادة مضاهيةٌ ومنازعةٌ لقدرته تعالى وارادته. ولكن هذا لا يتصور الا من واجب
وجود اخر، وهذا تم تفنيده في مبحث التوحيد حيث اثبتنا انه لا شريك له تعالى ذاتاً
ولا فعلاً.
فاذا
وجد المقتضي (لتعلق قدرته تعالى وارادته بافعال العباد) كما افادته الجهة الاولى،
وارتفع المانع كما افادته الجهة الثانية، ثبت تعلق قدرته تعالى وارادته بافعال
الانسان. فافعال الانسان لا توجد الا بعد ارادته سبحانه وايجاده لها. هذا كله من جانب.
ومن جانب اخر: ثبت بالادلة العقلية المتقدمة، ان الانسان مختار في ما يصدر منه من افعال، وانه يوجد افعاله باختياره التام، فينتج من جميع ذلك ان فعل الانسان في عين كونه مراداً ومخلوقاً له، مراد ومخلوق لله تعالى. فهو فعل الانسان ومنسوب اليه حقيقة، لانه فعله باختياره، وفعل الله تعالى – ايضاً – ومنسوب اليه حقيقةً، لانه شيء ممكن، وكل ممكن لا يتحقق الا بافاضة الوجود عليه من الواجب تعالى، وهذا هو الامر بين الامرين. مخطط 18- ب.

تمثيل لتقريب النسبتين الحقيقيتين
لنفرض
انساناً يحمل بيده سيفاً، ولا يتمكن هذا الانسان من التحرك الا بان يوصل انسان اخر
اليه التيار الكهربائي بحيث لو قطع ذلك الانسان الاخر التيار حال فعل الانسان
الاول الحامل للسيف لتوقف هذا الاخير عن الحركة من فوره. فلو تحققت جميع هذه
الشرائط، واوصل التيار، فأقدم هذا الانسان بارادته الكاملة على قتل شخص بالسيف
الذي في يده، وكان الانسان الذي اوصل التيار متمكناً – في جميع مراحل فعل الانسان
الحامل للسيف – من قطع التيار الكهربائي، ولكنه لم يفعل لرغبة او مصلحة ما،
فحينذاك تتحقق نسبتان حقيقيتان للقتل:
نسبة
الى الانسان الحامل للسيف، فيقال انه قد قتل ذلك الشخص، لانه اقدم عليه باختياره،
ونسبة الى الموصل للتيار، فيقال انه قد قتل ذلك الشخص، باعتبار ان فِعْل حامل
السيف لم يخرج عن اقدار الموصل للتيار وارادته.
ويمكنك
ان تطبق هذا المثال لتستخرج صورة التفويض والجبر.
فلو ان
الشخص الموصل للتيار، لم يكن له بعد ان اوصل التيار واعطى القدرة، ان يقطعه فاقدم
الانسان الحامل للسيف على القتل باختياره، كان هذا مثالاً للتفويض، والقتل انما
ينسب الى الحامل للسيف فحسب.
ولو ان
الشخص الحامل للسيف لم يكن له اي اختيار، وانما كان يندفع بالقاء السيف على ذلك
الشخص بمجرد ان يوصل ذاك الانسان التيار، كان هذا مثالاً للجبر، والقتل انما ينسب
الى الموصل للتيار، فحسب.
مناقشة شبهات الجبريين:
الشبهة
الاولى: ان ارادة الانسان انما تتكون وتتشكل بفعل اثارة الميول الداخلية
وتنبيهها،ووجود هذه الميول ليس خاضعاً لاختيار الانسان وكذلك اثارتها تكون بفعل
العوامل الخارجية بعيداً عن اختياره، اذن فلا يبقى مكان ومجال للارادة والاختيار.
الجواب:
ان
اثارة الميول مُعِدّة للارادة والتصميم لا ان التصميم والارادة على القيام
بعمل هو نتيجة جبرية وحتمية لاثارة الميول، بحيث تسلب منه القدرة على المخالفة
والمقاومة، والشاهد عليه حدوث حالة الترديد والشك في الانسان في الكثير من
المجالات، بحيث يحتاج في اتخاذ القرار الى التأمل وموازنة النفع والضرر في العمل،
واحياناً لا يتم اتخاذ القرار الا بصعوبة.
الشبهة
الثانية: لقد ثبت في مختلف العلوم انه هناك عوامل عديدة لها تأثيرها في تشكل
ارادة الانسان امثال:
-
الوراثة.
-
افرازات الغدد (التي تحدث نتيجة
المواد الغذائية او الادوية الخاصة).
-
العوامل المحيطية والاجتماعية.
وان
اختلاف الناس في مواقفهم وسلوكهم، خاضع لاختلاف هذه العوامل والملاحظ ايضاً ان
النصوص الدينية تدعم هذه الاراء، اذن فلا يمكن القول بان افعال الانسان منبثقة من
الارادة الحرة.
الجواب:
ان
الاعتقاد بالاختيار والارادة الحرة لا يعني رفض هذه العوامل وتأثيرها، بل انما
يعني انه بالرغم من وجود كل هذه العوامل، فان للانسان الخيار والقدرة على المقاومة
والمخالفة، وحين تتعارض وتتزاحم الدوافع المختلفة، نجد انَّ له القدرة على اختيار
بعضها.
وبطبيعة
الحال، هناك بعض العوامل القوية التي يصعب مقاومتها حيث يكون اختيار عمل يخالف
متطلباتها صعب جداً وفي هذه الحالة تكون المقاومة والاختيار الصعب اكثر تأثيراً
في تكامل الانسان، وينعكس ايضاً على استحقاقه للثواب ومضاعفته، كما انه
احياناً تكون بعض حالات الهيجان والانفعالات الحادة، او بعض الظروف الصعبة سبباً
في تخفيف العقاب، او تضاؤل درجة الجريمة.
الشبهة
الثالثة: ان الله عالم بكل ظواهر العالم والكون، ومنها افعال الانسان قبل
وقوعها، والعلم الالهي لا يقبل الخطأ والتخلف، اذن فلابد ان تتحقق كل الظواهر
وفق العلم الالهي الازلي، ولا يمكن تخلفها
عنه، اذن فلا يبقى مجال لاختيار الانسان.
الجواب:
ان
العلم الالهي متعلق بكل ظاهرة بما هي عليه في الواقع والافعال الاختيارية
للانسان معلومة لله تعالى بما هي عليه في الواقع، وبوصف اختياريّتها واراديتها.
فاذا
حدثت هذه الافعال على صفة الجبرية تكون قد تحققت على خلاف العلم الالهي وتخلفت
عنه.
فمثلاً
ان الله تعالى يعلم بان الشخص الفلاني وفي ظروف معينة سيصمم على القيام بعمل ما، وانه
سيحقق ذلك العمل. والعلم الالهي لم يتعلق هنا بمجرد وقوع العمل وبغض النظر عن
صدوره بارادة الفاعل واختياره، بل تعلق الفعل بما انه يصدر عن اختيار الانسان.
اذن
فالعلم الالهي الازلي لا ينافي اختيار الانسان وارادته الحرة.
الشبهة
الرابعة: لاشك في وجود نصوص قرانية وروائية توحي بظاهرها الى ان الانسان مجبور على
الهدى او الضلال.
(يضل
الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم) ابراهيم – 4.
ومن
السنة الشريفة قوله (صلى الله عليه واله وسلم):
(السعيد
من سعد في بطن امه والشقي من شقى في بطن امه) كنز العمال: 1/107، الحديث
491.
الجواب:
من اجل الوقوف على الحقيقة لا بد من التعرف على لوني الهداية العامة والخاصة.
فالهداية
العامة تعني ان الله خلق كل شيء ووفر له ما يلزمه في رحلته وسيره الى هدفه
وغايته التي وجد من اجله (ربنا الذي اعطى كل شيءٍ خلقه ثم هدى) طه –
50. والانسان كغيره من الموجودات وجد من اجل هدف خاص به (راجع المقدمة الثامنة
عشر في باب المقدمات).
وقد
اعد الله كل ما يحتاجه الانسان في هذا السبيل من مستلزمات التفكير والادراك (الم
نجعل له عينين * ولساناً وشفتين * وهديناه النجدين) البلد – 8-10.
ومن
اجل ضمان صحة وسلامة تفكير الانسان وسيره الى هدفه بعث الله له الانبياء مبشرين
ومنذرين (لقد ارسلنا رسلنا بالبينات وانزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم
الناس بالقسط) الحديد – 25.
فواضح
ان كل ما تقدم من مستلزمات الهدي والرشاد لا تختص بفرد او جماعة دون غيرها فهي
عامة شاملة.
واما
الهداية الخاصة: فتعني عناية خاصة من الله بافراد معينين دونما سواهم بعد
ان استناروا بنور الهداية العامة واستثمروا ما منحهم الله من قدرة على ادراك الحق
من الباطل في سيرهم على جادة الصواب التي اختطها لهم الانبياء والمرسلون، فاثبتوا
بذلك صدق سيرتهم وسريرتهم فنالوا على غرارها تسديداً من الله وتوفيقاً لهم لعمل
الخير وابعادهم عن عمل الشر بمقدار نسبة طاعتهم وولائهم لله تعالى وهو مما لا
يناله الانسان فيما لو تُركَ وحاله من دون توفيق الله له.
وهكذا
يزداد الانسان توفيقاً من الله كلما زاد ورعه عن محارم الله واقترب الى طاعته حتى
ينال وبعناية من الله درجة العصمة من الذنب في حالات الغفلة والاشتباه (الله
يجتبي اليه من يشاء ويهدي اليه من ينيب) الشورى – 13.
فمن
كان معرضاً عما وفره الله من سبل الهداية (الهداية العامة) والايمان، لا يستحق من
الله اي لون من الوان العناية او الهداية الخاصة (والله لا يهدي القوم
الظالمين) التوبة – 19.
والنتيجة
المترتبة عن ظلم الانسان لنفسه هو ان يترك وحاله يتخبط في ظلام جهله وزيغه وهذا هو
معنى اضلال الله للعبد (فلما زاغوا ازاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم
الفاسقين) الصف – 5.
من
خلال استعراض ما تقدم يُعلم ان الله تعالى لم يهدي جماعة او يضل اخرى جزافاً وبلا
حكمة وعلى هذا فلا ربط لقوله تعالى (فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو
العزيز الحكيم) بعقيدة الجبر التي ذهب اليها البعض.
واما
ما يرتبط بحديث السعيد والشقي بمحمول على ان الله يعلم بشقاء الشقي وهو في بطن امه
ويعلم بسعادة السعيد وهو في بطن امه ايضاً لانه تعالى عالم الغيب والشهادة فقد
سُئل الامام موسى بن جعفر (عليه السلام) عن قول رسول الله (صلى الله عليه واله
وسلم) في حديثه عن السعيد والشقي فقال:
(الشقي
من علم الله في بطن امه انه سيعمل اعمال الاشقياء والسعيد من علم الله وهو في بطن
امه انه سيعمل اعمال السعداء) بحار الانوار: 5/157 (وسيأتي شرحه في مبحث القضاء
والقدر العلمي في الدرس القادم).
الشبهة الخامسة: الشبهة المتعلقة بموضوع القضاء والقدر، حيث يعتقد
الجبريون بانه لا يتلائم واختيار الانسان وهذا ما سنرد عليه في الدرس القادم.
أسئلة الدرس الثامن عشر:
السؤال الأول: اجب بصح أم خطأ
1) إن موضوع الجبر والاختيار هو من المواضيع التي تحتاج إلى
رشد عقلي وفكري ولا يمكن معرفة حقيقته إلا عن طريق الاستعانة والاقتباس من تعاليم
الأئمة المعصومين.
2) إن القول بالجبرية يعني إناطة جميع الظواهر بإذن الله
ومشيئته وإرادته وقضاءه وقدره.
3) من ملك الرشد الفكري فانه يرى أن الفاعلية الاختيارية
للإنسان مستمدة من القدرة التي منحها الله له وأدرك أيضاً إن التأثير الاستقلالي
في مرتبة أعلى.
4) إن النظر إلى الحياة الدنيا وتمثيلها كمسرح كبير يلعب فيه
الناس دور الدمى التي تلعب أدوارها باختيارها وبعد ذلك سوف ينال البعض العقاب
والثواب هو تمثيل لقول المجبرة.
5) لو لم يكن الإنسان موجداً لأفعاله لامتنع تكليفه وفي حالة
فرض إن الله كلفه وإن لم يكن الإنسان موجداً لأفعاله، لانتهينا إلى نتيجة مفادها:
انه مكلف بما لا يطاق وهو باطل لأنه منافٍ للحكمة الإلهية.
6) لو لم يكن الإنسان موجداً لأفعاله وجازاه الله عليها،
لكان الله اظلم الظالمين.
7) إن الدليل العقلي على وقوع اختيار الإنسان في ظل المشيئة
والقدرة الإلهية يمكن إقامته فقط من خلال اعتماد القول بان أفعال الإنسان ممكنة
وهذا معناه إنها لا توجد في الخارج إلا بإيجاد الواجب تعالى لها.
8) الشبهة القائلة: إن الوارثة والأدوية وإفرازات الغدد لها
التأثير التام على تشكل إرادة الإنسان، إنما تُدفع بما يلي: (انه بالرغم من وجود
هذه العوامل فان للإنسان الخيار والقدرة على المقاومة والمخالفة – الإرادة الحرة
–).
9) جواب الشبهة القائلة: (إن علم الله الأزلي بكل ظواهر
الكون لا يبقي مجال لاختيار الإنسان) هو من الأجوبة الدفعية.
10)
الجواب على الشبهة المقامة على بعض النصوص القرآنية (يضل الله من
يشاء ويهدي من يشاء) إنما هو جواب رفعي.
السؤال الثاني: أملا الفراغات
التالية
1) إن القول بجبرية الإنسان ينتهي ويستلزم _______ النظام
التكويني.
2) إن القول بتفويض الإنسان ينتهي أو يستلزم إخراج الله عن
_______ وحوله.
3) إن معنى التفويض هو ___________________________ عن نطاق
الفاعلية الإلهية.
4) إن الأدلة العقلية التي نستدل بها على
قول الأمامية في الجبر والاختيار تنقسم إلى قسمين:
أ.
أدلة عقلية
تشير على أن الإنسان ____________________________.
ب.
أدلة عقلية
تشير على أن اختيار الإنسان _______________________.
5) إن من الأدلة العقلية على أن الإنسان مختار في فعله هو، إن
الإنسان يعلم أن أفعاله مختلفة وهذا العلم يتم من خلال:
أ.
إدراكه العقلي
____________________________________.
ب.
إدراكه الحضوري ________________.
ت.
إدراكه ____________________________________________.
6) إن الدليل العقلي لإثبات إن اختيار الإنسان في ظل المشيئة والقدرة الإلهية يثبت من جهتين:
أ.
جهة إثبات وجود المقتضي (التي هي إثبات تعلق قدرته
وإرادته ________________).
ب.
جهة ارتفاع المانع حيث تنقسم إلى نفي ثلاث
احتمالات عقلية:
1- من حيث القدرة _______________________________ بالنسبة
إلى الأشياء.
2- أن تكون أفعال الإنسان _______________.
3- أن تتعلق بأفعال الإنسان __________________________ لقدرته
تعالى.
7) إن الشبهة القائلة: (إن إرادة الإنسان تتكون بفعل إثارة
الميول الداخلية وتنبيهها) يكون دفعها والجواب عليها من خلال القول: إن إثارة
الميول ______________ للإرادة والتصميم وان الإرادة والتصميم ليست ________________
لها.