شرح دعاء الافتتاح    5
 

لازال الشرح في القسم الاول من الاقسام الاربعة والذي يتناول تمجيد الله وبيان عظمته، وفيما يلي تتمته:

 

💠(الحمد لله الذي يؤمن الخائفين وَيُنَجِّي الصَّادِقِينَ وَيَرفَعُ المُستَضعَفِينَ، وَيَضَعُ المُستَكبِرِينَ، وَيُهلِكُ مُلُوكاً وَيَستَخلِفُ آخَرِينَ).

قد يصيب البعض شيئا من الحيرة حين يرى انتشار الظلم والقتل وسفك الدماء وتدهور الاوضاع السياسية والاقتصادية على الصعيد الفردي او الاجتماعي فيظن ان الله قد خلق الخلق وتركهم من دون متابعة الى حين من الزمن!! ومثل هذا الظن الذي يعبر عن اليأس لا ينسجم مع معرفة الله جلّ جلاله وحكمته في الخلق وما تحدث به في كتابه وعبر رسله، فالله سبحانه قد أقام سنّته على الابتلاء والاختبار لتكون الدنيا هي دار الابتلاء، والاخرة هي دار الجزاء، كما في قوله تعالى:[أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ، أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ]،

فالله قد جرت سنته على الامهال ليتوب التائبون ويهتدي المذنبون من دون ان يغيب احد عن نظره لتكون الخاتمة في الدنيا قبل الاخرة هي ثمرة لأعمال الانسان، فقد تكرر قوله في كتابه في آيات عدة من التحذير من سوء العاقبة كما في قوله:[وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ]، ثم قال في الآية التي تليها:[مَّا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ]، وقال في اية اخرى:[وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ]، فالله يمهل ولا يهمل لتكون العاقبة من جنس العمل سواء طال الزمان او قصر، وفي قصص القران عبرة للمعتبرين، فكم من المستكبرين والحكام الظالمين قد اهلكهم الله وانزل بهم عقوبات الدنيا قبل الاخرة.

💠(وَالحَمدُ للهِ قَاصِمِ الجَبَّارِينَ، مُدرِكِ الهَارِبِينَ، مُبِيرِ الظَّالِمِينَ، نَكالِ الظَّالِمِينَ).

القاصم: هو المهلك والمدمر فالله سبحانه قد جرت سنّته بهلاك الظالمين كما ذكر في كتابه الكريم في آيات عديدة كقوله تعالى: [ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ].
فالظالم ينتقم الله منه عاجلاً أم آجلا في الدنيا قبل الاخرة بسبب ذنوبهم واعمالهم السيئة كما في قوله تعالى:[أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللهِ مِن وَاقٍ].

فالظالمين رغم قوتهم الظاهرية وجبروتهم وبطشهم لابد وان ينزل الله بهم النكال اي العذاب والعقاب كما اوضح في كتابه ذلك بقوله:[أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ].

ومما يستدعي الذكر في العبارة التي وردت وهي (مبير الظالمين) اني لم اجد معنى لكلمة {مبير} في بعض المعاجم اللغوية وقد يكون اصل الكلمة هي:(مبيد الظالمين) حيث يكون معنى الابادة هو: الهلاك والدمار والفناء والسحق التام لأخرهم كما ورد في معجم المعاني الجامع، بمعنى انه لا يستطيع احد من الظالمين الفرار من العقوبة الالهية بسبب ما ارتكبوه من الذنوب وهو مصداق قوله:[قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ].

💠(صَرِيخِ المُستَصـرِخِينَ، مَوضِعِ حَاجَاتِ الطَّالِبِينَ، مُعتَمَدِ المُؤمِنِينَ)

فالله جل جلاله يسمع اصوات المستغيثين من عباده ومن وضع ثقته به وتوكل عليه فلا يتركهم من دون ان يغيثهم وهو القائل:(اليس الله بكاف عبده)، كما يسمع اصوات عباده الداعين والطالبين كما في قوله:[قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ]،

فالله سبحانه لا يخفى عليه شيء في الارض ولا في السماء، وما من شيء يحدث في الكون الا بعلمه ولا يخرج عن سننه وارادته كما اوضح بقوله:[لِّلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]، فحاشا لله ان يترك عباده الصالحين من دون رعاية وعناية.

💠( الحَمدُ للهِ الَّذِي مِنْ خَشيَتِهِ تَرعُدُ السَّمَاءُ وَسُكَّانُهَا، وَتَرجُفُ الأَرضُ وَعُمَّارُهَا، وَتَمُوجُ البِحَارُ وَمَنْ يَسبَحُ فِي غَمَرَاتِهَا).

فمن يعرف قدرة الله جل جلاله وقوته من خلقه فانه يخشع لعظمته سواء كان في السماء او في الارض، في البر او البحر، ولكن البعض للأسف لا يستيقن بذلك الا عند حضور اجله كما في قول فرعون عندما ادركه الغرق فيما ذكره الله في كتابه:[وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً، وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ]

وهو ما نبه اليه سبحانه بقوله:[قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ، أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنتُم بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ، ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ].

💠(الحَمدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهذَا، وَمَا كُنَّا لِنَهتَدِيَ لَولَا أَنْ هَدَانَا اللهُ).

وهو تعبير عن الشكر الذي ينبغي ان يملأ قلب المؤمن وعقله في جميع اوقاته واحواله، فلولا ما افاض الله عليه من سبل الهداية لما وصل الى معرفة فضل الله وعظيم احسانه، ليحمده ويشكره فيجزيه المزيد من فضله:[لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ]، [وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا].

💠(الحَمدُ للهِ الَّذِي يَخلُقُ وَلَمْ يُخلَقْ)

فهو الأول قبل الـخلق والآخر بعد فناء الخلق، وهو الدائم الباقي الذي لا فناء لـه ولا زوال، وهو الحيّ القيّوم الذي ليس كمثله شيء

فكلما ازداد علم الانسان بربه وطاعته له كلما صلحت حياته وازداد توفيقا في القربى اليه ليفوز بجنته ويأمن من عذابه [فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا]

💠(وَيَرزُقُ وَلَا يُرزَقُ، وَيُطعِمُ وَلَا يُطعَمُ، وَيُمِيتُ الأَحيَاءَ وَيُحيِي المَوتَى، وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخَيرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ)،

 فالرزق والحياة والـموت وكل الأحوال التي تعرض على الإنسان انما هي لا تخرج عن ارادته ولا عن قضائه وقدره لأنه هو الخالق والرازق والمدبّر والمحيي والمميت، ولذا ينبغي على اهل الايمان التوجه له وطلب العون منه والسؤال له دون سواه فهو العلي القدير.


وللشرح تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com