نور من نهج البلاغة  91
 

الاستعداد للأخرة

 

عن امير المؤمنين ع في التنبيه الى تدارك ما فات من العمر قال :

💠(فَاسْتَدْرِكُوا بَقِيَّةَ أَيَّامِكُمْ، وَاصْبِرُوا لَهَا أَنْفُسَكُمْ)

غفلة الانسان عن الموت وانتهاء العمر هي غفلة عظيمة رغم كثرة الآيات والروايات التي تحدثت عن ذلك وبيّنت ان الدنيا دار امتحان وفترة مؤقتة ينتقل الانسان بعدها الى عالم البرزخ التي يحاسب فيها الحساب الاولي والذي يعقبه الحساب الاخروي الذي ينتهي به في الخلود الابدي في الجنة او النار كما في قوله تعالى [وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ]،

فبرغم ما يشاهده الانسان من حال الموتى الذين يغادرون الدنيا الى الاخرة في كل يوم فانه يستمر في غفلته حتى قال سبحانه: [بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ]، وهو ما يستلزم من اهل الايمان التدارك لما بقي من العمر والصبر على احداث الدنيا وتقلباتها وتنبيه النفس على حقيقة الدنيا وما بعدها من اهوال الموت ومن حساب الاخرة ومن تحذير الله بقوله: [قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللهِ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ، وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ].

💠 (فَإِنَّهَا قَلِيلٌ فِي كَثِيرِ الاْيَّامِ الَّتِى تَكُونُ مِنْكُم فِيهَا الْغَفْلَةُ وَالتَّشَاغُلُ عَنِ الْمَوْعِظَةِ)

فحالات الصحوة واليقظة هي قليلة في كثير من اوقات الغفلة التي ينساق فيها الانسان مع الهوى وحب الدنيا والسعي في تحقيق مصالحها العاجلة غافلا عن سرابها الذي قال الله عنه: [وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ].

💠(وَلاَ تُرَخِّصُوا لاِنْفُسِكُمْ فَتَذْهَبَ بِكُمُ الرُّخَصُ مَذَاهِبَ الْظَّلَمَةِ)

فمن يجوّز لنفسه فعل المعاصي باتخاذ الرخص والتبريرات والتي يلبسها لباس الشرعية والحليّة فانه يظلم نفسهم قبل ظلم الاخرين لتفريطه في حساب الاخرة وتفريطه بنعيم الجنة وسعادتها الأبدية [فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ].

💠 (وَلاَ تُدَاهِنُوا (اي تصانعوا وتلينوا في امور دينكم) فَيَهْجُمَ بِكُمُ الاْدْهَانُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ)

فالالتزام في القضايا الدينية مسألة لا تقبل المساومة او المصانعة لأنها تنتهي بالمعاصي التي تسوق الى جهنم ولذا حذر الله سبحانه من الركون للظالمين ومسايرتهم وتحقيق مقاصدهم السياسية والاجتماعية كما في قوله تعالى: [وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ]

💠(عِبَادَ اللهِ، إِنَّ أَنْصَحَ النَّاسِ لِنَفْسِهِ أَطْوَعُهُمْ لِرَبِّهِ، وَإِنَّ أَغَشَّهُمْ لِنَفْسِهِ أَعْصَاهُمْ لِرَبِّهِ، وَالْمَغْبُونُ مَنْ غَبَنَ نَفْسَهُ، وَالْمَغْبُوطُ مَنْ سَلِمِ لَهُ دِينُهُ، وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ، وَالشَّقِيُّ مَنِ انْخَدَعَ لِهَوَاهُ وَغُرُورِهِ).

 

نهج البلاغة خطبة رقم ٨٥


الموضوع التالي

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com