نور من نهج البلاغة
71
عن امير المؤمنين ع قال:
أَيُّهَا
النَّاسُ، إِنِّي قَدْ بَثَثْتُ لَكُمُ الْمَوَاعِظَ الَّتِي وَعَظَ بِهَا
الاْنْبِيَاءُ أُمَمَهُمْ، وَأَدَّيْتُ إِلَيْكُمْ مَا أَدَّتِ الاْوصِيَاءُ
إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ، وَأَدَّبْتُكُمْ بِسَوْطِي فَلَمْ تَسْتَقِيمُوا،
وَحَدَوْتُكُمْ (اي صرحت لكم)
بالزَّوَاجِرِ فَلَمْ تَسْتَوْسِقُوا (اي لم تجتمعوا وتتوحد كلمتكم
)، لله أَنْتُمْ! أَتَتَوَقَّعُونَ إِمَاماً غَيْرِي
يَطَأُ بِكُمُ الطَّرِيقَ، وَيُرْشِدُكُمُ السَّبِيلَ؟
أَلاَ
إِنَّهُ قَدْ أَدْبَرَ مِنَ الدُّنْيَا مَا كَانَ مُقْبِلاً (اي مضى
من الدنيا ما كان فيها من الخير بفقدان رسول الله الذي هو سيد الرسل والانبياء
وما كان يحمله من الوحي ونزول جبرائيل عليه، ومن فقدان الصديقة الطاهرة
والشهداء الابرار)،
وَأَقْبَلَ مِنْهَا مَا كَانَ مُدْبِراً (اي اقبل من الدنيا وجهها
المخفي وما فيه اذى)،
وَأَزْمَعَ التَّرْحَالَ (اي عزم وصمم الرحيل الى الاخرة )
عِبَادُ اللهِ الاْخْيَارُ، وَبَاعُوا قَلِيلاً مِنَ
الدُّنْيَا لاَ يَبْقَى، بِكَثِير مِنَ الاْخِرَةِ لاَ يَفْنَى.
مَا ضَرَّ
إِخْوَانَنَا الَّذِينَ سُفِكَتْ دِمَاؤُهُمْ ـ وَهُمْ بِصِفِّينَ ـ أَلاَّ
يَكُونُوا الْيَوْمَ أَحْيَاء ً؟ يُسِيغُونَ
الْغُصَصَ، وَيَشْرَبُونَ الرَّنْقَ (اي الكدر من المياه، والمراد
انهم قد فازوا بالشهادة والخلاص من معاناة الدنيا واذاها)!
قَدْ ـ
وَاللهِ ـ لَقُوا اللهَ فَوَفَّاهُمْ أُجُورَهُمْ، وَأَحَلَّهُمْ دَارَ الاْمْنِ
بَعْدَ خَوْفِهمْ. أَيْنَ إِخْوَانِي الَّذِينَ رَكِبُوا الطَّريقَ، وَمَضَوْا
عَلَى الْحَقِّ؟ أَيْنَ عَمَّارٌ؟ (اي عمار بن ياسر وهو من
المجاهدين القدماء)، وَأَيْنَ ابْنُ التَّيِّهَانِ؟
(وهو مالك بن التَّيِّهَانِ من اكابر الصحابة)،
وَأَيْنَ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ ؟ (وهو
خزيمة بن ثابت الانصاري حيث عبر النبي عن شهادته بشهادة رجلين في قصة معروفة)،
وَأَيْنَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ
تَعَاقَدُوا عَلَى الْمَنِيَّةِ، وَأُبْرِدَ بِرُؤوسِهِمْ إِلَى الْفَجَرَةِ؟
(اي ارسلت رؤوسهم بعد قتلهم مع البريد الى الفجرة للتشفي بقتلهم )
ثمّ مد يده إلى لحيته، فأطال
البكاء، ثمّ قال:
أَوْهِ
(وهو تعبير عن التوجع والتألم) عَلَى إِخْوَانِي
الَّذِينَ تَلَوُا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ، وَتَدَبَّرُوا الْفَرْضَ
فَأَقَامُوهُ، أَحْيَوُا السُّنَّةَ، وَأمَاتُوا الْبِدْعَةَ، دُعُوا
لِلْجِهَادِ فَأَجَابُوا، وَوَثِقُوا بِالْقَائِدِ فَاتَّبَعُوا (اي
كانوا اهل علم وعمل وتقوى وطاعة للقيادة المعصومة)
ثمّ نادى بأعلى صوته: الْجِهَادَ الْجِهَادَ عِبَادَ اللهِ! أَلاَ وَإِنِّي
مُعَسْكِرٌ فِي يَوْمي هذَا، فَمَنْ أَرَادَ الرَّوَاحَ إِلَى اللهِ
فَلْيَخْرُجْ.
التالي