نور من نهج البلاغة   54
 

عن امير المؤمنين ع قال عن وصية الله للعباد بالتقوى:

وَأَوْصَاكُمْ بِالتَّقْوَى، وَجَعَلَهَا مُنْتَهَى رِضَاهُ، وَحَاجَتَهُ مِنْ خَلْقِهِ (اي تكليفه للعباد فالله لا يحتاج لشيء من عباده بل عباده بحاجة اليه وهو معنى الله الصمد في سورة التوحيد)،

فَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِعَيْنِهِ (اي لا يخفى عليه شيء من امركم)،

وَنَوَاصِيكُمْ بِيَدِهِ (اي عاقبة امركم بيده، والناصية هي مقدمة الشعر في الراس وهي تمثل حالة الانقياد للإنسان)،

وَتَقَلُّبُكُمْ فِي قَبْضَتِهِ (اي انكم في جميع اعمالكم لا تخرجون عن قدرته عليكم واطلاعه على شؤونكم)،

إِن أَسْرَرْتُمْ عَلِمَهُ، وَإِن أَعْلَنْتُمْ كَتَبَهُ، قَدْ وَكَّلَ بِذلِكَ حَفَظَةً كِرَاماً، لاَ يُسْقِطُونَ حَقّاً، وَلاَ يُثْبِتُونَ بَاطِلاً.

وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً مِنَ الْفِتَنِ، وَنُوراً مِنَ الظُّلَمِ، وَيُخَلِّدْهُ فِيَما اشْتَهَتْ نَفْسُهُ، وَيُنْزِلْهُ مَنْزِلَ الْكَرَامَةِ عِنْدَهُ، فِي دَار اصْطَنَعَهَا لِنَفْسِهِ، ظِلُّهَا عَرْشُهُ، وَنُورُهَا بَهْجَتَهُ، وَزُوَّارُهَا مَلاَئِكَتُهُ، وَرُفَقَاؤُهَا رُسُلُهُ.

فَبَادِرُوا الْمَعَادَ، وَسَابِقُوا الاْجَالَ، فَإِنَّ النَّاسَ يُوشِكُ أَنْ يَنْقَطِعَ بِهِمُ الاْمَلُ، وَيَرْهَقَهُمُ الاْجَلُ (اي يغشاهم الموت)،

وَيُسَدَّ عَنْهُمْ بَابُ التَّوْبَةِ، فَقَدْ أَصْبَحْتُمْ فِي مِثْلِ مَا سَأَلَ إِلَيْهِ الرَّجْعَةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ (اي ما ذكره القران من سؤال المذنب من العودة إلى الدنيا عندما ينكشف له الغيب ويعلم سوء عمله ليعمل ما يرضي الله كما في قوله تعالى:(حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ، كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ))،

وَأَنْتُمْ بَنُو سَبِيل (اي كالمسافر المقطوع من السفر لنفاذ ماله وقدرته)، عَلَى سَفَر مِنْ دَار لَيْسَتْ بِدَراِكُمْ، وَقَد أُوذِنْتُمْ مِنهَا بِالارْتِحَالِ، وَأُمِرْتُمْ فِيهَا بِالزَّادِ.

وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ لِهذَا الْجِلْدِ الرَّقِيقِ صَبْرٌ عَلَى النَّارِ، فَارْحَمُوا نُفُوسَكُمْ، فَإِنّكُمْ قَدْ جَرَّبْتُمُوهَا فِي مَصَائِبِ الدُّنْيَا. فَرَأَيْتُمْ جَزَعَ أَحَدِكُمْ مِنَ الشَّوْكَةِ تُصِيبُهُ، وَالْعَثْرَةِ تُدْمِيهِ، وَالرَّمْضَاءِ تُحْرِقُهُ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ بَيْنَ طَابَقَيْنِ مِنْ نَار، ضَجِيعَ حَجَر، وَقَرِينَ شَيْطَان؟!

أَعَلِمْتُمْ أَنَّ مَالِكاً (وهو من الملائكة الكبار الذي اوكل الله اليه امر النار ومن فيها)،

إِذَا غَضِبَ عَلَى النَّارِ حَطَمَ بَعْضُهَا بَعْضَاً لِغَضَبِهِ، وَإِذَا زَجَرَهَا تَوَثَّبَتْ بَيْنَ أَبوَابِهَا جَزَعاً مِنْ زَجْرَتِهِ؟!

أَيُّهَا الْيَفَنُ الْكَبِيرُ (اي الشيخ المسن)، الَّذِي قَدْ لَهَزَهُ الْقَتَيرُ (اي خالطه الشيب فقد جعل الله الشيب اعلانا عن قرب الاجل)،

كَيْفَ أَنْتَ إِذَا الْتَحَمَتْ أَطْوَاقُ النَّارِ بِعِظَامِ الاْعْنَاقِ، وَنَشِبَتِ الجَوَامِعُ حَتَّى أَكَلَتْ لُحُومَ السَّوَاعِدِ؟
(والجامعة هي الاغلال التي تجمع بين اليدين والرقبة يقيد بها اهل النار كما في قوله تعالى: (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ، ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ، ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ)).

 

التالي

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com