نور من نهج البلاغة
35
عن امير المؤمنين ع قال:
سُبْحَانَكَ خَالِقاً
وَمَعْبُوداً بِحُسْنِ بَلاَئِكَ عِنْدَ خَلْقِكَ (أي معبودا بالشكر على
نعمك المستمرة على العباد فلو لم يكن الخالق رحيما بخلقه متفضلا بالرحمة على
العباد لكانت حياتهم جحيما وعذابا دائما لا يطاق)،
خَلَقْتَ دَاراً (اي دار
الاخرة)، وَجَعَلْتَ فِيهَا مَأْدُبـَةً (وهي ما يصنع من الطعام
والاكرام للمدعوِّين في العرس والافراح والمراد منها هنا نعيم الجنة)،
مَشْرَباً وَمَطْعَماً (اي
احتواء المأدبة على الطعام والشراب)،
وَأَزْوَاجاً وَخَدَماً،
وَقُصُوراً، وَأَنْهَاراً، وَزُرُوعاً، وَثِمَاراً، ثُمَّ أَرْسَلْتَ دَاعِياً
يَدْعُو إِلَيْهَا (وهم الانبياء والرسل وحجج الله)،
فَلاَ الدَّاعِيَ أَجَابُوا،
وَلاَ فِيَما رَغَّبْتَ رَغِبُوا، وَلاَ إِلَى مَا شَوَّقْتَ إِلَيْهِ
اشْتَاقُوا.
أَقْبَلُوا عَلَى جِيفَة
(والمراد بها الدنيا) قَدْ افْتَضَحُوا بِأَكْلِهَا، (لما فيها من سلوك
واعمال كريهة قبيحة)،
وَاصْطَلَحُوا (اي تعارفوا)
عَلَى حُبِّهَا،
وَمَنْ عَشِقَ شَيْئاً أَعْشَى
بَصَرَهُ (اي اعماه عن رؤية الواقع)،
وَأَمْرَضَ قَلْبَهُ (اي
جعله متعلق بمحبوبه)،
فَهُوَ يَنْظُرُ بِعَيْن غَيْرِ
صَحِيحَة، وَيَسْمَعُ بَأُذُن غَيْرِ سَمِيعَة (اي لا يسمع ولا يبصر الا ما
يهواه)،
قَدْ خَرَقَتِ الشَّهَوَاتُ
عَقْلَهُ (اي تحكمت الشهوات بعقله وفكره)،
وَأَمَاتَتِ الدُّنْيَا
قَلْبَهُ، وَوَلِهَتْ عَلَيْهَا نَفْسُهُ (فاصبحت نفسه عاشقة للدنيا
ومتاعها الفاني)،
فَهُوَ عَبْدٌ لَهَا، وَلِمَنْ
فِي يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا، حَيْثُـمَا زَالَتْ زَالَ إِلَيْهَا (اي
حيثما تغيرت سبلها ووسائلها تغير معها في سلوكه وسعيه)،
وَحَيْثُما أَقْبَلَتْ أَقْبَلَ
عَلَيْهَا (اي ان الدنيا اصبحت قبلته ومقصده في الامور كلها)،
لاَ يَنْزَجِرُ مِنَ اللهِ
بِزَاجِر (فلا يرتدع بما ذكره الله له من العبر)،
وَلاَيَتَّعِظُ مِنْهُ بِوَاعِظ
(ولا يستفيد من الوعظ والنصيحة التي تضمنها كتاب الله او تحدثت بها حججه)،
وَهُوَ يَرَى الْمَأْخُوذِينَ
عَلَى الْغِرَّةِ (رغم انه يرى المأخوذين بالموت وهم على غفلة وانشغال
بالدنيا)،
حَيْثُ لاَ إِقَالَةَ ( فلا
رجوع عن ساعة موتهم)، وَلاَ رَجْعَةَ (الى الدنيا)،
كَيْفَ نَزَلَ بِهمْ مَا
كَانُوا يَجْهَلُونَ (اي ما اصابهم من ساعة حلول الموت وانكشاف وقته فلا
تنكشف الامور الا بعد الموت)،
وَجَاءَهُمْ مِنْ فِرَاقِ
الدُّنْيَا مَا كَانُوا يَأْمَنُونَ (اي لم يكونوا يتوقعوه او يستعدوا له)،
وَقَدِمُوا مِنَ الاْخِرَةِ
عَلَى مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (فكل ما قاله الله في كتابه وجدوه حقا وصدقا)
فَغَيْرُ مَوْصُوف مَا نَزَلَ
بِهمْ (من سوء الحال عند الموت)،
اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِمْ
سَكْرَةُ الْمَوْتِ (اي ما يصيب الميت عند الاحتضار وهو ما سيتعرض الحديث
الى ذكره)،
وَحَسْرَةُ الْفَوْتِ (اي
الاسف على فوت العمر فيما ليس له نفع في الاخرة)،
فَفَتَرَتْ لَهَا أَطْرَافُهُمْ
(اي لم تعد عند الاحتضار القدرة للمحتضر على تحريك يديه او رجليه)،
وَتَغَيَّرَتْ لَهَا
أَلْوَانُهُمْ ( حيث يتغير عند الموت لون ابدانهم فيزداد الشحوب في وجوههم
وابدانهم)،
ثُمَّ ازْدَادَ الْمَوْتُ
فِيهِمْ وُلُوجاً (اي دخولا، حيث تتوالى علامات الموت ومراحله)،
فَحِيلَ بَيْنَ أَحَدِهِمْ
وَبَيْنَ مَنْطِقِهِ (فالمحتظر يعجز عن النطق والكلام اولا وان كان نظره
وسمعه وعقله لا تزال على حالتها الاولى في الحياة)،
وَإِنَّهُ لَبَيْنَ أَهْلِهِ
يَنْظُرُ بِبَصَرِهِ، وَيَسْمَعُ بِأُذُنِهِ، عَلَى صِحَّة مِنْ عَقْلِهِ،
وَبَقَاء مِنْ لُبِّهِ، يُفَكِّرُ فِيمَ أَفْنَى عُمْرَهُ، وَفِيمَ أَذْهَبَ
دَهْرَهُ (اي يعيش الندم على ما افنى به عمره)،
وَيَتَذَكَّرُ أَمْوَالاً
جَمَعَهَا، أَغْمَضَ فِي مَطَالِبِهَا، (اي لم يهتم في موارد تحصيلها من
الحلال او الحرام وكأنه أغمض عينيه في مدة سعيه السابق)،
وَأَخَذَهَا مِنْ
مُصَرَّحَاتِهَا وَمُشْتَبِهَاتِهَا، (فلم يبال بين حلالها وحرامها)،
قَدْ لَزِمَتْهُ تَبِعَاتُ
جَمْعِهَا (اي تعلق بذمته ما يطالبه به الناس من حقوقهم فيها)،
وَأَشْرَفَ عَلَى فِرَاقِهَا
(اي فراق الاموال)،
تَبْقَى لِمَنْ وَرَاءَهُ
يَنْعَمُونَ فِيهَا، وَيَتَمَتَّعُونَ بِهَا، فَيَكُونُ الْمَهْنَأُ
لِغَيْرِهِ، وَالْعِبءُ (اي الحمل الثقيل) عَلَى ظَهْرِهِ (ليحاسب
به في القيامة)،
وَالْمَرْءُ قَدْ غَلِقَتْ
رُهُونُهُ بها (اي استحقّ صاحب الرهن اخذ ما اودعه المرتهن من وديعة لديه،
وهو ما يعني ان عمل الانسان او وديعته من العمر قد انتهى وقتها فحق لله سبحانه
اخذ روح الانسان بعد ان اعطاه الحياة لفترة محدودة من العمر ليسعى في تحصيل
الاخرة السعيدة)،
فَهُوَ يَعَضُّ يَدَهُ
نَدَامَةً (وهو تعبير عن بلوغ الندم والاسف لاقصاه)،
عَلَى مَا أَصْحَرَ لَهُ عِنْدَ
الْمَوْتِ مِنْ أَمْرِهِ (اي على ما ظهر وانكشف له من الغيب عند الموت)،
وَيَزْهَدُ فِيَما كَانَ
يَرْغَبُ فِيهِ أَيَّامَ عُمُرِهِ (حيث تبين لديه سراب وقلة قيمة ما كان
يسعى اليه)،
وَيَتَمَنَّى أَنَّ الَّذِي
كَانَ يَغْبِطُهُ بِهَا وَيَحْسُدُهُ عَلَيْهَا قَدْ حَازَهَا دُونَهُ !،
فَلَمْ يَزَلِ الْمَوْتُ يُبَالِغُ فِي جَسَدِهِ حَتَّى خَالَطَ لِسَانُهُ
سَمْعَهُ (اي شارك السمع اللسان في العجز عن أداءِ وظيفته بمعنى انه لم يعد
يتكلم او يسمع)،
فَصَارَ بَيْنَ أَهْلِهِ لاَ
يَنْطِقُ بِلِسَانِهِ، وَلاَ يَسْمَعُ بِسَمْعِهِ، يُرَدِّدُ طَرْفَهُ
بِالنَّظَرِ في وجُوهِهِمْ، يَرَى حَرَكَاتِ أَلْسِنَتِهِمْ، وَلاَ يَسْمَعُ
رَجْعَ كَلاَمِهِمْ، ثُمَّ ازْدَادَ الْمَوْتُ الْتِيَاطاً (اي التصاقا)
بِهِ،
فَقُبِضَ
بَصَرُهُ كَمَا قُبِضَ سَمْعُهُ، وَخَرَجَتِ الرُّوحُ مِنْ جَسَدِهِ، فَصَارَ
جِيفَةً بَيْنَ أَهْلِهِ، قَدْ أوْحَشُوا مِنْ جَانِبِهِ، وَتَبَاعَدُوا مِنْ
قُرْبِهِ،
لاَ يُسْعِدُ بَاكِياً، وَلاَ
يُجِيبُ دَاعِياً (فهو قد اصبح في عالم وهم في عالم اخر)،
ثُمَّ حَمَلُوهُ إِلَى مَخَطٍّ
فِي الاْرْضِ (اي شق في الارض او ما يعرف باللحد والقبر)،
فَأَسْلَمُوهُ فِيهِ إِلَى
عَمَلِهِ، وَانْقَطَعُوا عَنْ زَوْرَتِهِ (اي عن زيارته).
نهج البلاغة خطبة ١٠٧
التالي