الرجاء الكاذب 9
عن امير المؤمنين ع في تتمة
حديثه عن الرجاء الكاذب وصفات المتلبسين به قال:
[ينهى ولا ينتهي ويأمر
بما لا يأتي].
اي ان من خصوصيات
هؤلاء الناس الذين يتلبسون بالدين ويتظاهرون بالالتزام الديني رغم عدم نفوذه
الى اعماق قلوبهم وعقولهم، انهم تكون لهم شخصيات مزدوجة، فهم في الظاهر من اهل
الدين والالتزام والدعوة الى الاخلاق والقيم، ولكنهم في باطنهم وخلواتهم
بعيدون عن تطبيق قيم الدين في حياتهم، بل ويكيّفون الدين بحسب مزاجهم واهوائهم
ومصالحهم، سواء اكانوا من ذوي الشخصيات العادية من الناس، او من ذوي الشخصيات
التي تلبّست بلباس الدين والعلم، وخاصة اذا كانوا قد ورثوها عن ابائهم
واتخذوها تجارة وحرفة في الحياة، فهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولكن
لا يلتزمون بتلك الواجبات لأنهم عمليا يعتبرون انفسهم فوق مستوى الناس،
متجاهلين لقوله تعالى:﴿ أتأمرون الناس بالبر وتنسون انفسكم ﴾،
ولذا يكشف الامام ع
عن حقيقة تفكيرهم وتوجهاتهم، والتي تهتم بالمظهر دون الجوهر، فيضيف الى حديثه
الاول متمما لصفاتهم:
[يحب الصالحين ولا يعمل عملهم]
فحب هؤلاء الافراد للدين ولأهله
مقصورا على الحب المجرّد الذي لا ينتقل لمرحلة العمل والتطبيق، وما قيمة مثل
هذا الحب الذي لا يكون باعثا نحو ا لعمل والتغير؟، فقد سبق الله في تأكيد
ارتباط العمل بالقول بقوله: ﴿الذين امنوا وعملوا الصالحات﴾، حيث جمع
الايمان والعمل في آيات كثيرة ومنها الآيات التالية:
﴿لا خيرَ في كَثِيرٍ من
نَجوَاهُم إلّا مَن أَمرَ بِصدَقَةٍ أو معروفٍ أو إصلاحٍ بَينَ النَاسِ ومَن
يَفعَل ذلك ابتغاءَ مرضاتِ الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما﴾
﴿ومَن يَعمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ من ذَكرٍ أو أُنثى وَهوَ مُؤمِنٌ فأولئك
يدخلون الجنّة ولا يظلمون نقيرا﴾
﴿ فَمَن يَعمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعيِهِ
وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾
فمن يكون حبه نظريا
ولا يدفعه للتغير والتحول فان بغضه يكون كذلك، او كما يصفه امير المؤمنين في
تتمة حديثه السابق بقوله:
[ويبغض المذنبين وهو أحدهم].
فالبغض عند مثل هؤلاء
الافراد هو في مستوى العواطف النظرية والاحاسيس النفسية المجردة التي لا تدفع
نحو التغير والفعل، ولذا قد يمارس الذنب رغم الكراهة النظرية له، ومن هنا كان
تأكيد المعصومين في احاديثهم على وحدة الايمان والعمل كما في الحديث النبوي:
«ليس الايمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل»
والذي يؤكد رفض الازدواجية بين
الاعتقاد والعمل .
عن رسول الله
(ص) قال:
«كما لا يجتنى من الشوك العنب، (اي ان الذي يزرع الشوك لا يحصد منه
العنب) كذلك لا ينزل الفجار منازل الأبرار، وهما طريقان، فأيهما أخذتم
أدركتم اليه»
اي ان لكل من الخير او الشـر سبيله
الخاص به وعليه تترتب النتائج الاخروية والمراد من الحديث ان السلوك العملي
ينبغي ان يكون متطابقا مع الاعتقاد النظري والا فلا قيمة للاعتقاد النظري اذ
كان مخالفا للعمل، فان الاساس الذي يحاسب عليه الانسان يوم القيامة هو نوعية
عمله الفعلي.
عن الامام الباقر ع قال :
«والله ما معنا من الله براءة، ولا بيننا وبين الله قرابة، ولا لنا على
الله حجة، ولا نتقرّب الى الله الا بالطاعة، فمن كان منكم مطيعا لله تنفعه
ولايتنا، ومن كان منكم عاصيا لله لم تنفعه ولايتنا، ويحكم لا تغتروا».
وفي حديث اخر عنه قال ع:
«أبلغ شيعتنا أنا لا نغني عن الله شيئا، وأبلغ شيعتنا أنه لا ينال ما عند
الله إلا بالعمل، وأبلغ شيعتنا أن أعظم الناس حسـرة يوم القيامة من وصف عدلا
ثم خالفه إلى غيره، وأبلغ شيعتنا أنهم إذا قاموا بما أُمروا أنهم هم الفائزون»
فالعمل هو الترجمة الحقيقية
للاعتقادات التي ينطوي عليها القلب وهو الميزان في يوم القيامة.
وللحديث تتمة