تاملات في القضية الحسينية 6
(حفظ الاهداف
الحسينية)
عن الامام الحسين ع في وصيته الى
اخيه ابن الحنفية عندما غادر المدينة متجها لمكة ومنها للعراق قال فيها:
💠[وأني
لم أخرج أٓشِرا ولا بٓطِرا، ولا مُفسِدا ولا ظالما، وإنما خرجت لطلب الاصلاح في
امّة جدي صلى الله عليه وآله...
💠اريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي
طالب...
💠فمن قبلني بقبول الحق، فالله أولى بالحق، ومن ردّ عليّ هذا، أصبر حتى يقضي
الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين ، وهذه وصيتي يا أخي إليك وما
توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه انيب].(بحار الانوار ٤/ ٣٢٩)
وعند البحث عن معنى كلمة اشر في
تاج العروس جاء فيه: الأشَرُ هو البَطَرُ، وقيل: أشَدُّ البَطَرِ، وقيل:
الأشَرُ هو الفَرَحُ بَطَراً وكُفْراً بالنِّعمة، وهو الفرح المَذْمُومُ
المَنهِي عنه شرعا لا مُطْلَقُ الفَرَحِ)، كما قيل ان الاشر هو البطر او هو
الفرح والمرح بشدة، وتستعمل هاتان الكلمتان لمن يخرج للصيد لهوا وبطرا، وقد ورد
في القران ذكر الاشر في الآية التالية: [أَأُلْقِيَ
الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ، سَيَعْلَمُونَ
غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ].
فيتبين من ذلك ان المراد من كلام
الامام الحسين ع بقوله: (اني لم اخرج اشرا ولا بطرا)،
ان خروجه لم يكن بقصد اللهو واللعب، وانما كان خروجه من اجل اصلاح المجتمع الذي
ساد فيه جميع انواع الفساد الاخلاقي والاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وهو ما
يعني انه لو ترك على ما هو عليه من الحال لازداد الوضع سوء وازداد الناس بعدا
عن الله وعن دينه، ولذا كان لابد من العمل على اصلاحه بكل ما يرضي الله وما أمر
به عباده. واذا كان خروج الامام بشخصيته المعروفة بالعلم والرزانة والمكانة
والمنزلة الاجتماعية الكبيرة، فان خروجه او قيامه بالمسئولية الدينية
والاجتماعية لن يترك عذرا لمعتذر ان يتخلف عن الواجب، خاصة وان شهادته
المأساوية شملته واهل بيته، وما اصاب النساء والاطفال من بعده من الخوف والاذى
مما يدل على انه مهما كانت التضحيات كبيرة فلا يجب ان تكون مانعا من اداء
الواجب، فالقضية هي قضية دين واخرة وليست قضية سياسية دنيوية، ولذا اوضح الامام
في حديثه السابق عن اهدافه المهمة بقوله:
💠[اريد
أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب]،
فسيرة رسول الله وسيرة امير المؤمنين لم يكن فيها شيئا غير طلب
مرضاة الله والقيام بأمره فيما نزل به كتابه من اقامة فروضه والالتزام بها،
وعدم ترك الدنيا لتكون مانعا عن السعادة الاخروية كما في قوله تعالى:
[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي
سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ
الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي
الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ]. ولذا فان من اولويات احياء الثورة
الحسينية هو ان يحقق الانسان اهداف الامام في نفسه ومع اسرته وارحامه ومن حوله
من افراد المجتمع بشكل عام، فلا يكون الاحياء بالبكاء والعزاء في يوم شهادته
فحسب وان كان ذلك من الواجبات الدينية والاخلاقية، ولكن ليكون هذا اليوم وهذه
المناسبة الحزينة باعثا لوضع اهداف الامام وكلماته في القلب والروح، ففي كل يوم
يقول المصلي في صلاته: (اهدنا الصراط المستقيم صراط
الذين انعمت عليهم)، ومن هناك افضل من حجج الله ان يكونوا قدوة
للمؤمن في حياته وعمله:
[أُولَٰئِكَ
الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ]
[أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُوا
الْأَلْبَابِ].
وللبحث تتمة