تأملات في القضية الحسينية
13
(معرفة مقام
الامامة)
تقدم الحديث عن ان المجالس
الحسينية حينما تستغرق في عرض الجانب العاطفي فقط وتغفل عن عرض الجانب العقائدي
فان ذلك يثير جملة من الاشكالات كما يؤدي الى الانحراف عن اهداف النهضة
الحسينية بل والجهل بمقام الامامة والذي هو الاصل في القضية.
ولكي يتضح مقام الامامة ومنزلتها
بشكل واضح نورد الحديث التالي من نهج البلاغة خطبة ١٥٣علما بان هناك كثير من
الخطب التي ذكرها امير المؤمنين فيما يخص منزلة اهل البيت عند الله وفي دورهم
القيادي في الامة لا يسع المجال لذكرها:
عن امير المؤمنين ع قال في مقام
ومنزلة اهل البيت:
💠[فيهم كرائم القرآن].
اي نزلت فيهم الآيات القرآنية
الكريمة التي تبين منزلتهم عند الله كمثل قوله تعالى:
♻️[إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ
لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا].
وكقوله تعالى:
♻️[إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ
يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ].
وكقوله تعالى في اية المباهلة :
♻️[فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن
بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا
وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ
ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل
لَّعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ].
وكقوله تعالى في سورة الانسان:
♻️[وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ
عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا، إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ
لِوَجْهِ اللهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا، إِنَّا نَخَافُ
مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا، فَوَقَاهُمُ اللهُ شَرَّ ذَٰلِكَ
الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا، وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا
جَنَّةً وَحَرِيرًا، مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ
فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا، وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا
وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا].
وامثالها من الآيات الاخرى التي
يطول الحديث عنها.
💠[وَهُمْ كُنُوزُ
الرَّحْمنِ].
اي ان اهل البيت يمثلون الخيرة من عباد الله والذين جعلهم ابوابا لفضله
ورحمته في الدنيا والاخرة.
💠[إِنْ نَطَقُوا صَدَقُوا].
فقولهم الحق والصدق الذي ليس فيه خرافة ولا وهم ولا مبالغة ولا كذب على
الله ورسوله.
💠[وَإِنْ صَمَتُوا لَمْ
يُسْبَقُوا].
اي انهم حكماء في حديثهم او صمتهم، فيضعون كل شي في موضعه.
💠[فَلْيَصْدُقْ رَائِدٌ
أَهْلَهُ].
والرائد هو الذي يسبق اهله او قافلته لإيصال المعلومات والاخبار لهم في
السفر فلا يتعرضوا للبلاء، والمراد به صدق الاخبار التي يتحدث بها امير
المؤمنين عن امور الاخرة ووجوب الاستعداد لها
💠[وَلْيُحْضِرْ عَقْلَهُ].
اي ينبغي على المؤمن ان يكون واعيا منتبها لإرشاد الائمة وتحذيرهم من
سوء الحساب في الدنيا والاخرة.
💠[وَلْيَكُنْ مِنْ أَبْنَاءِ
الاْخِرَةِ].
اي لا ينبغي للمؤمن ان تستهويه زينة الدنيا وزخرفها فينهمك في تحصيلها
ناسيا الاعداد بما يلزم من الطاعات والاعمال الصالحة التي ذكرها الله في كتابه
والتي هي زاد الاخرة.
💠[فَإِنَّهُ مِنْهَا قَدِمَ،
وَإِلَيْهَا يَنْقَلِبُ].
فالحياة الدنيا هي فترة قصيرة مؤقتة ينتقل منها الانسان الى محل
استقراره في الدار الاخرة فلا مقايسة لها مع خلود الاخرة سواء في نعيمها او
عذابها.
💠[وَالنّاظِرُ بِالْقَلْبِ،
الْعَامِلُ بِالْبَصَرِ، يَكُونُ مُبْتَدَأُ عَمَلِهِ أَنْ يَعْلَمَ:
أَعَمَلُهُ عَلَيْهِ أَمْ لَهُ؟ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَضَى فِيهِ، وَإِنْ كَانَ
عَليْهِ وَقَفَ عِنْدَهُ].
وفي ذلك تنبيه لاستخدام العلم والعقل واصول المعرفة المناسبة، للوصول
الى المقصد فلا تصيبه الغفلة والتيه في الطريق.
💠[فَإِنَّ الْعَامِلَ بَغَيْرِ عِلْم كَالسَّائِرِ عَلَى غيْرِ طَرِيق، فَلاَ
يَزِيدُهُ بُعدُهُ عَنِ الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ إِلاَّ بُعداً مِنْ حَاجَتِهِ].
اي ان العامل من دون علم
ومعرفة هو كمن يسير في طريق معاكس لمقصده ولن تفيده عندها السرعة في السير
فكلما اسرع زاد بعدا عن المقصد والهدف.
💠[وَاعْلَمْ أَنِّ لِكُلِّ
ظَاهِر بَاطِناً عَلى مِثَالِهِ، فَمَا طَابَ ظَاهِرُهُ طَابَ بَاطِنُهُ، وَمَا
خَبُثَ ظَاهِرُهُ خَبُثَ بَاطِنُهُ].
اي ان الظاهر السيء لأفعال الانسان يعكس حقيقة الباطن السيء في التربية
والثقافة والتعلق بالمفاهيم المنحرفة عن القيم الانسانية، كما ان الظاهر الحسن
للإنسان من التزامه بحسن السلوك والاخلاق والمعتقدات الصحيحة يعكس حسن التربية
والتعليم وسلامة المنهل الذي استقى منه علمه وحكمته.
💠[وَقَدْ قَالَ الرَّسُولُ
الصَّادِقُ(صلى الله عليه وآله):(إِنَّ اللهَ يُحِبُّ العبد وَيُبْغِضُ
عَمَلَهُ، وَيُحِبُّ الْعَمَلَ وَيُبْغِضُ بَدَنَهُ)].
فقد يكون العمل الذي يصدر عن المؤمن هو عمل سيئ ومبغوض عند الله فينبغي
على المؤمن ان لا يفعله لأنه ينزل من قدره عند الله، وقد يكون العمل الذي يصدر
عن المنافق هو عمل محبوب عند الله ولكن صدر عن شخص منافق او بعيد عن طاعة الله
فلا ينال من ثوابه شيء، فان الشيء المهم عند الله هو ذات الانسان وما اشتمل
عليه من اسس يعامل بموجبها في يوم القيامة.
💠[فَاعلَمْ أَنَّ كُلَّ عَمَل نَبَاتٌ، وَكُلَّ نَبَات لاَ غِنَى بِهِ عَنِ
الْمَاءِ، وَالْمِيَاهُ مُخْتَلِفَةٌ، فَمَا طَابَ سَقْيُهُ طَابَ غَرْسُهُ
وَحَلَتْ ثَمَرَتُهُ، وَمَا خَبُثَ سَقْيُهُ خَبُثَ غَرْسُهُ وَأَمَرَّتْ
ثَمَرَتُهُ]
والمعنى المراد هو ان لكل عمل
مردود او نتيجة تعتمد على الوسائل التي استخدمت في تحصيله، فاذا كانت الوسائل
صحيحة وشرعية كانت النتائج او الثمرات طيبة مباركة، واذ كانت الوسائل محرمة او
منحرفة تكون الثمرات خبيثة سيئة، وهو ما يعني ضرورة الاهتمام باصول الاشياء
وبالوسائل المستخدمة فمن لم يعرف منزلة حجج الله والوسائل التي تحي اهدافهم
كانت اعماله في تباب او ضياع وهو ما يوضح منزلة الامام الحسين كحجة لله ودوره
في احياء الامة واهدافه التي سعى الى تحقيقها، لتكون المجالس الحسينية شاملة
لكل الموضوعات التي تحي العقل والروح.
وللبحث تتمة