صور ثلاث نلتقطها من موقف عاشوراء
 

 
· الصورة الاولى : عمر بن سعد يقف شاهرا سيفه لسفك دماء ابن بنت نبي الرحمة (ص).
لقد كان هذا المشهد مسبوقا باختيار بين الجنة والنار ، لقد كان عمر ابن سعد قد طلب عدة مرات من عبيد الله ابن زياد ان يعفيه من الخروج لقتل الحسين(ع) لكون ابن سعد يعلم انها النار الخالدة إذا قتل ابن بنت رسول الله (ص) ، وفي كل مرة يرفض ابن زياد طلبه حتى ان انتهى الامر بأن مناه ابن زياد إمارة الري وجورجان التي هي الدنيا التي يحلم بها ابن سعد. وصار في المفرق وراح يخيّر نفسه بين الدين والدنيا ، وسقط في الفتنة وباع دينه واختار الدنيا على الآخرة بعد مشقة ومحنة وصبر ومعاناة كان نتيجتها الاستسلام للدنيا والتنازل عن الشهادة .
 
· الصورة الثانية : الحر ابن يزيد الرياحي(رض) يجادل عمر ابن سعد.
 (أمقاتل انت هذا الرجل ؟) يريد الحر ان يجد مفرا من المحنة والمفرق الذي هو يوشك ان يقع فيه ، يعلم ان الحق مع الحسين ومعه الجنة والشهادة وفراق الدنيا ،  ومع يزيد الحياة الدنيا والنار الخالدة في الاخرة. ثم جاءه المفرق وبدأت المشقة والمعاناة ، كم يحتاج الحر ان يشد على نفسه ليضحي بالدنيا ويشتري دينه وآخرته كم كان  الأمر صعبا وعسيراحتى نجح في الاختيار واجتاز المفرق وحمل نفسه نحو معسكر الحسين (ع) ، ونراه قد ضرب جواده بشدة ليفر ممن يمكن ان يطارده في تسلله من معسكر ابن سعد ، والحق ان الحر يفر من نفسه التي تطارده وتدعوه الى الدنيا التي هو مقبل على مفارقتها .
 
· الصورة الثالثة : علي الاكبر (ع) شاب في مقتبل العمر ومنتهى الحيوية والشباب امامه الدنيا بوسعها .
 في الطريق الى كربلاء يسترجع والده الحسين(ع) ويخبرعليا ان عين الحسين هومت قليلا فسمع هاتفا يقول ان القوم يسيرون والمنايا تسير امامهم ، فيستفهم علي الاكبر من والده (أولسنا على الحق ؟) فتاتيه الاجابة بالايجاب  فكان قوله انه لا يبالي ان وقع على الموت او وقع الموت عليه . هل هنا في هذا المفرق لعلي الاكبر معاناة او مشقة في ترجيح الجنة على النار او الاخرة على الدنيا ؟ هل حمل نفسه وشدها على مفارقة الدنيا باختيار الاخرة ؟ كلا بل هو يبشر نفسه مشتاقا للشهادة ، فالمفرق يسير والقرار سهل جدا وابدا غير عسير .
 
النتيجة :  كما رأينا ، الصورة الاولى تمثل السقوط والهلاك ، وكلا الصورتين الثانية والثالثة تمثل الفوز بالسعادة ، والمتغير في الصور الثلاث هو مقدار التعلق بالدنيا والانشداد اليها .
 
هناك اصول ثلاثة
1.   ان الله أحلّ الطيبات للانسان في الدنيا . وهو واضح.
2.   لا يحق لأحد ان يحرم ما أحل الله من الطيبات ، كما حرمت الرهبانية الدنيا على نفسها .
ألاخذ بالأصلين اعلاه جميل ويرضي الله تعالى إلا انه هناك اصل ثالث  :
3.  وهو إلاكثارمن الدنيا والتوغل فيها ينتهي الى انه يشقي الانسان ويورده المتاعب فيكون في حال من التعلق بالدنيا يصعب معه انتزاع نفسه منها عند الامتحان والفتنة .
كل من طيبات الدنيا وخذ منها ما شئت ولاتحرم على نفسك او غيرك مما احل الله ، لكن لاتكثر منها وتتوغل فيها حيث وقت المحنة والاختيار يسهل انتزاع النفس منها .
 
وأعلم ان المجتمع الانساني الآن و في كل آن لا يتعدى الصور الثلاث اعلاه – ونحن من هذا المجتمع -  وان الامتحان والاختيار يتفاوت فمنه يسير كأن تذهب او لا تذهب لعيادة مريض او الى مجلس للذكر ومنه عسير كإختيار يترتب عليه هجر الدنيا وما فيها.
  
يروى ما مضمونه انه قدمت حلوى لرسول الله (ص) لم يسبق ان ذاق منها من قبل فردها ولم يأكلها قالوا أتحرمها ؟ قال لا ، لكن لا اريد ان آكلها فتتوق وتشتاق نفسي اليها. ونحن نجد ان ما يفوتنا من مغانم الدنيا خسارة لنا ، وسيد الوصيين علي ابن ابي طالب (ع) يقول (مافاتك من الدنيا فهو غنيمة ). لابأس في طلب الدنيا لكن كن خفيفا ولا يثقلك الاكثار منها .
 
· الصورة الاولى صورة ابن سعد دخل الدنيا واكثر منها حتى اثقلته بمقدار يعجز عن انتزاع نفسه منها عند الامتحان .
· والصورة الثانية صورة الحر الرياحي دخل الدنيا واكثر منها بمقدار شق عليه وبمعاناة شديدة انتزع نفسه منها عند الامتحان .
· اما الصورة الثالثة صورة على الاكبر(ع) فهو لم يدخل الدنيا فلا مكان للمعاناة والمشقة عند اقباله على الشهادة .
 
من مضمون الكلام لعلي (ع) انه عندما انتهت معركة أحد ولم يستشهد فيها وكان قد وعده الرسول (ص) بأن ينال الشهادة ، استفسرمن رسول الله (ص) عن سبب عدم شهادته فقال له الرسول (ص) إصبر ستنال الشهادة . فقال علي(ع) لامكان للصبر انما هي البشرى بالشهادة .
 
الصورة الثانية و الثالثة  كلاهما نالتا الشهادة ، والشهادة مقام رفيع عند الله تعالى ودرجة عالية من السعادة لايمكن تصويرها ، فكلاهما نالا هذه الدرجة الا ان الحر نالها صابرا وعلي الاكبر نالها شاكرا مستبشرا . والفرق بينهما ان الصابر كان في معرض السقوط ومهدد بالهلاك خلاف الاكبر إذ لا مكان للسقوط والهلاك في مسيره. هذا في الدنيا , اما في الاخرة فلا يصعب عليك ادراك أفضلية احدهما ( أعني مقام الصابر و مقام الشاكر) على الاخر مع اشتراكهما في رفيع منزلة الشهادة.
 
والحمد لله رب العالمين
مأخوذ من كلام لسماحة الشيخ محمد مهدي الاصفي

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com