بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل على محمد وآل محمد

قال الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾(البقرة:183). صدق الله العلي العظيم.

 

 مراتب الصوم المعنوية

الصوم جُنة من النار وهو ركن من الأركان ودِعامة من الدعائم التي بُني عليها الإسلام، وللصوم فوائد متعددة للإنسان، وقد أبانت الروايات الواردة عن النبي  والأئمة من أهل البيت  ما يصل إليه الصائم بصومه من درجات عند الحق تبارك وتعالى، وهي على مراتب متفاوتة:

 

 الأولى: الوصول إلى رضا الله

 قال الإمام الصادق : «إنّ الصائم منكم ليرتع في رياض الجنة، وتدعو له الملائكة حتى يفطر»، هذه درجة من الدرجات التي يصل إليها الصائم، وهي درجة الرضا من الله تعالى عنه، فيكون في الجنة، فالتعبير أنّ الصائم يكون في الجنة المراد من ذلك حصول رتبة للصائم في عالم الدنيا بصومه، يرتع في رياض الجنة، وقد ورد مثل هذا التعبير في القرآن الكريم بشأن من يأكل مال اليتيم أنه في النار، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾(النساء:10)، فمن يصوم فهو في الجنة، أي رتبته المعنوية الجنة، فيرتع في رياضها، ويتنعم في منازلها عند الله تعالى إلى أن يفطر، فالصوم يوصل الإنسان إلى مرتبة الرضوان من الباري جل وعلا.

 

 الثانية: السير في تحقيق صوم الجوارح

من المراتب التي يصل إليها الصائم ما أشارت إليه الروايات، فقد ورد عن إمامنا أمير المؤمنين  عن النبي  في ليلة المعراج، أنه  سأل الله تعالى، «يا ربي ما أول العبادة ؟»، أي، ماذا ينبغي أن يعبد الله به أولاً ؟ فقال الله عز وجل مجيباً نبيه : «أول العبادة الصمت والصوم»، وهنا اقتران بين الصمت والصوم، فالصامت يكُف لسانه ويسيطر على هذه الجارحة، وهذه أول عبادة يصل إليها الإنسان بقلبه، وفسر بعض العرفاء الصمت بأنه الإعراض عما سوى الحق تعالى والتوجه إلى الله تعالى، ويستشهد بقوله تعالى: ﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾(الذاريات:50).

 

فالصوم هنا لا يراد به الصوم عن المفطرات، وإنما يراد به ما أُشير إليه في بعض الروايات، قال إمامنا الصادق : «إذا أصبحت صائماً فليصم سمعك وبصرك من الحرام وجارحتك وجميع أعضائك عن القبيح». وهناك مرتبة أعظم من هذه المرتبة تتحد مع ما ذكرناه آنفاً في الصمت وهو أن يجعل قلبه صائماً مما عدا الله، فلا يتوجه إلاّ إليه.

 

 الآثار المعنوية للصوم

ثم إنّ النبي  سأل الباري جل وعلا، «يا ربي وما ميراث الصوم؟»، هناك آثار معنوية متعددة يحصل عليها الصائم الذي حقق أول عبادة بصمته وصومه نوجزها في الآتي:

 

 الأول: الحكمة

قال الباري تعالى: «يورث الحكمة»، أول درجة ينالها الصائم الحكمة، وهي وضع الأمور في مواضعها، فالحكيم هو العاقل الذي يضع الأشياء في محلها، وهذه الرتبة تعني سيطرة الإنسان على الهوى فلا يستجيب لهواه، وإنما يسير على ضوء معطيات العقل، فيضع الأشياء في مواضعها دون استجابة لنداء الغرائز.

 

 الثاني: المعرفة

والحكمة يترتب عليها المعرفة، قال تعالى للنبي : «والحكمة تورث المعرفة»، فالحكيم يصل إلى رتبة أخرى هي المعرفة، ومعناها معرفة بالحق تعالى ومعرفة بالخلق، فيستطيع الصائم أن يعرف كيف يكون عبداً لله من ناحية، ومتعاملاً مع الخلق بما يريده الحق من ناحية أخرى.

 

 الثالث: اليقين

الحكمة تورث المعرفة، والمعرفة تورث اليقين للصائم قال الباري جلًّ وعلا للنبي : «والمعرفة تورث اليقين»، فمن عنده معرفة يرتقي في درجاتها إلى أن يصل إلى اليقين، فيتحقق لديه ثبات في الحكم، فإذا عَرِف شيئاً ثبت عليه، وهو ما يُعبر عنه العلماء بالعلم القطعي الذي لا يشوبه شك، فإذا وصل الإنسان إلى هذه الدرجة أصبح مطمئناً، فيرتاح في كل خطوة من خطواته، لمعرفته ويقينه بما سيتجه نحوه، وهذا اليقين يحقق فوائد للإنسان، قال الله تعالى لنبيه  في الحديث القدسي الآنف: «فإذا استيقن العبد لا يبالي كيف أصبح بعسر أو بيسر»، إنّ أكثر من يصاب بالأمراض العقلية والاضطراب وعدم الاطمئنان يستطيع أن يتخلص من ذلك بالصوم، فيُسهم في اطمئنان النفس ووصول العبد إلى درجة من المعرفة واليقين، فلا يقلق ولا تؤثر عليه الظروف الخارجة عن قدرته، فإذا أبتلي بالمصائب يبقى متصفاً بالرشد، إذ من لوازم اليقين العملي عدم التأثر بالظروف التي تلم به حال خروجها عن إرادته، والتي ذكرها تعالى عن نبيه يعقوب  في نصحه لأبنائه، ﴿ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ ﴾(يوسف:66)، إذ أنّ هناك ظروفاً قاهرة تخرجهم عن القدرة في التصرف، فالإنسان يُطوِّع الأمور لصالحه إذا أمكنه ذلك غير أنه قد يفقد صوابه، فلا يستطيع أن يجعل الظروف لصالحه، وعليه أن يبقى على يقين في سيره إلى الله تعالى، وأن يُسلِّم أمره له. هذه مراتب ينالها الصائم تدريجاً، ففي البدء يحقق الدرجة الأولى من درجات العبادة ثم يتدرج في المراتب إلى أن يصبح حكيماً عارفاً متيقناً، ويترتب على اليقين آثار إيجابية تعود بالخير على ذلك الصائم.

 

 الأثر الاجتماعي للصوم

وتترتب على الصوم آثار تعود على المجتمع لا يعلم بها إلاّ الله، وأهم ما يترتب اجتماعياً على الصوم أن يكون الصائم إيجابياً من الناحية العملية، وهو ما يشاهد في شهر رمضان، فهناك الكثير من الدعوات التي وجهها المصلحون وأهل الخير للإسهام في رفع المستوى الاقتصادي للفقراء والمعوزين في كل بقعة من بقاع الأرض، حيث يتواجد الفقراء والمحتاجون، الذين هم في أمس الحاجة إلى إسهام عملي، يرفع مستواهم الاقتصادي، غير أنّ الاستجابة لذلك لا تتحقق على النحو المشاهد في شهر رمضان، وقد وضعت الروايات برنامجاً عملياً لحل هذه المشكلة، فقد ورد في الرواية عن الإمام الرضا  في علة الصوم، «لكي يعرفوا ألم الجوع والعطش»، فالصائم يتعرف على ألم الجوع والعطش بنفسه، فإذا تذوق ألم الجوع والعطش استشعر حاجة الفقراء، وبادر للإسهام في حل مشكلتهم، لمعايشته المشكلة عملياً.

 

 الصوم يحقق العدالة العملية

الصائم يعيش ما يريده الحق من العدالة بنحو عملي، وهذا من أعظم أنواع التربية التي يمر بها الصائم، قال إمامنا الرضا : «وليكون الصائم ذليلاً»، فمن يعيش الكبرياء وتتوافر لديه النعمة المادية قد لا يشعر بالآخرين، بينما الصائم يتفاعل إيجابياً مع أهل العوز والفقر، «وليكون الصائم خاشعاً ذليلاً مستكيناً مأجوراً محتسباًً»، فالله تعالى يثيبه ويجعل له قدرة على التحمل في حل الأزمات، ويكون ذلك دليلاً على شدائد الآخرة، فهو يعلم أنّ هناك عالماً فيه شدائد صعبة وحساب دقيق، ويحتاج للتزود، ﴿ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ﴾(البقرة:197)، والصوم مع ما فيه من الانكسار عن الشهوات، «واعظاً لهم في العاجل» و«دليلاً لهم في الآجل»، ثم قال الإمام الرضا : «وليعرفوا شدة مبلغ ذلك على أهل الفقر والمسكنة في الدنيا، فيوأدوا إليهم ما فرض الله تعالى لهم في أموالهم»، ففي الآخرة يعلم حاجته وفقره إلى الله تعالى، وأما في الدنيا فدرس عملي، يعيش به واقع الفقير، فمن جملة الحِكَم المترتبة على الصوم أن يعيش الصائم الحاجة إلى الطعام فيتفاعل إيجابياً مع المحتاجين، وهو ما أبانته الروايات، قال إمامنا الصادق  في علة الصيام، «فأراد الله تعالى أن يُسوي بين خلقه وأن يُذيق الغني - المكتفي - مسَّ الجوع والألم لِيَرُقَ على الضعيف ويرحم الجائع»، فإذا لم يذُق الإنسان الجوع لا يمكنه التفاعل مع المعوزين والفقراء أو قد يتفاعل بنحو ضعيف.

 

 التفاعل الايجابي في شهر رمضان

إنّ الخيرات لتكثر في كل مجتمع يصوم أفراده، فالصائمون يتبرعون بجزء من أموالهم، ويتفاعلون مع الفقراء، أكانوا من أقاربهم أم من البعيدين عنهم، وهذا التفاعل الإيجابي في شهر رمضان يريد الباري تعالى أن يستمر دائماً، فالصوم يمنح الإنسان حكمة عملية تدفعه لمساعدة الفقراء، فالصائم يكف عن الطعام والشراب فيتأثر نفسياًَ ويرتفع معنوياً فيتفاعل إيجابياً مع من يحتاج.

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com