الإمام الحسين عليه السلام و وجوب النهضة

  

 يخطيء الكثير منّا حين حين يصف ملحمة الحسين صلوات الله عليه وحركته بأنها ثورة , فبهذا فنحن نغمطها حقها وننتقص منها والحق أن علينا أن ننعتها بالنهضة لا بالثورة حيث أن الثورة هي الهياج مع حدة الغضب وتشوبها شائبة العشوائية وعدم التنظيم وعدم وضوح الرؤية والهدف وكل ذلك بعيد عن أبي الأحرار عن الحسين صلوات الله عليه أما النهضة فهي القيام بالشيء مع حمل شؤونه على ثقلها وشدة الجهد فيها وذلك أليق بالحسين ع الذي لم يخرج أشرا ولا بطرا كما قال هو وإنما خرج لطلب الإصلاح في أمة جده مع وضوح رؤيته ودقة هدفة وتنظيم أمره هو ومن معه من الأبناء والأنصار الذين كانوا على علم بأنهم يسيرون والمنايا تسير بهم .

 لذا فهي نهضة قام بها أبو عبد الله الحسين الشهيد ع حينما توقف أمر الدين الإسلامي وإستمراره على هذه النهضة فقام بها سيد الشهداء متحملا أذاها الذي وصفه عليهم السلام بقولهم لا يوم كيومك يا أبا عبد الله.

 وأما وجوب النهضة فقد يظن البعض أن للنهضة رجالها فالحسين صلوات الله عليه إبن بنت رسول الله إبن علي ع وعلي هذا بطل الأبطال ومجندل الشجعان الحسين تعرفه الناس وله شأن عظيم لذا كانت النهضة واجبة عليه فقام بها وأما من لا شأن له فلا وجوب عليه لأن ينهض .

 وهذا تفكير الإنهزامي الذي يحب الدعة والراحة فيعتبر النهوض ليس من واجبه وللنهضة رجالها وهو ليس من رجالها !! .

 والحق ليس كذلك فكلنا مأمور بالنهضة وكلنا واجبة عليه سواءا كان أحدنا مسؤولا كبيرا أم كان عاملا بسيطا فالكل تجب عليه النهضة .

 رسول الله صلى الله عليه وآله نهض بالرسالة وسبقه جميع الأنبياء ع , علي بن أبي طالب ع نهض بالأمر حينما بايعه الناس والأمر ثقيل في ذلك اليوم كما قال ع ( لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر وما أخذ الله على العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها ...).

 ونهضت الزهراء ع وما خطبتاها الرنانتان إلا دليل على أنها بذلت ما بوسعها من دعوة الأمة لأن تثوب لرشدها بعد الغي .

 وتبعهم الحسن ع فنهض أيضا ومع أن نهضته لم تكن ظاهرة للعيان لكنه نهض وجاهد ومهّد لنهضة الحسين ع.

 ونهض الحسين ع ومعه أهل بيته وأنصاره فسطر لنا أروع نهضة عرفها التاريخ بكل أبعادها

 وبعد إستشهاد الحسين ع ذلك المصاب الجلل الذي إرتكبت فيه البشرية واحدة من أخزى معاصيها بأن تجرّأت على حرمة إبن بنت نبيها وريحانته من الدنيا ولم تكتفي بقتله قتلة عادية بل راحت تمثل به وتطوف برأسه بين البلدان سابية لحريمه لم يثبّط ذلك من عزم من بقي بعد الحسين صلوات الله عليه فنهضوا من بعده فنهضت زينب ع بدفاعها المستميت عن الحسين ونهضته ونهض السجاد ع بعلمه برسالته للحقوق بصحيفته السجادية .

 ونهض بعده الباقر وتلاه الصادق والكاظم والرضا فالجواد ثم الهادي والعسكري كلهم نهضوا ولم يتقاعس منهم أحد على سوء الأحوال والظروف فكان كل منهم ينهض بما تأتى له من قوة وقابلية وظروف مواتية .

 وهذا يعني أن النهضة علينا جميعنا واجبة كل بما يستطيع فالأمانة التي حُمّلناها لا بد لنا من حملها والنهوض بها ورعايتها حق الرعاية واداء حقها كما فرضه الله وأول وجه لوجوه النهضة هو النهضة ضد الهوى والرغبات ومقارعة النفس ثم يتوجه الفرد ليخط طريقه في كل حياته ناهضا بالأمانة في بيته في عمله في شارعه مع أولاده وعائلته وأصدقائه .

 وأفضل هذه الوجوه ما قام به الحسين عليه صلوات الله عندما نهض مع قلة العدد وخذلان الناصر بوجه اعتى الطغاة الذي لا يراعي لله حرمة فأفضل الجهاد كلمة حق بوجه سلطان جائر .

 وهكذا فإن النهضة واجبة على بقية الله الأعظم ع ولا تعني غيبة هويته بين الناس أنه قاعد ولا نهضة له بل العكس أنه على عمل دؤوب وحركة دائمة للتمهيد لنهضته الكبرى التي يحيي بها دين جده ص فعلينا أن نكون له عونا في تمهيده هذا ونهضته المرتقبة التي ترتقبها الإنسانية جمعاء والتي لا بد منها حيث وعد بها الله ومن لم ينهض بأمانته ورسالته إستبدل الله به غيره والعياذ بالله ( وإجعلني ممن تنتصر به لدينك ولا تستبدل بي غيري آمين رب العالمين ) أليس هذا دعاؤنا ي شهر رمضان المبارك ؟

 فهنيئا لمن حذا حذو الحسين ع وأصحابه الذين قال فيهم الحسين (مارأيت أصحابا خير من أصحابي) فمن أحب قوما حشر معهم ومن أحب عمل قوم أشرك فيه وهنيئا لمن كان عونا لمولاه مؤيدا وناصرا له وممهدا لدولته المباركة وهذه هي نهضتنا الواجبة علينا .

 محمد آل عيسى

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com