بين الخُلُق..... و.....الادب


هل أنت مؤدب أم خُلوق أم الإثنان معا ؟!!
هل بالإمكان أن يكون المرء مؤدبا غير خَلوق أو خَلوقا بلا أدب ؟!!
وللإجابة على هذين السؤالين لابد لنا من أن نضع أيدينا على الحدود الواضحة لكل من التعبيرين "الخُلُق " و"الأدب" وهل هناك فرق بين الإثنين؟
 وحتى نعرف ذلك فلا بد من لجوئنا للتعاريف فنتعرف على الخلق والأدب , حيث تكفّل العلماء بتعريفهما.
 فالخُلُق هو صفة في نفس الإنسان وهذه الصفة راسخة وباقية ويصعب زوالها وإستنادا لهذه الصفة يقوم الفرد بأفعاله المناسبة لهذه الصفة بسهولة بمعنى آخر أن صفات النفس هي المنشأ لصدور الأفعال عند الإنسان .
ولمزيد من التوضيح فإن خُلُق السخاء والكرم والجود مثلا هو صفة في نفس الفرد المتخلق بهذه الفضائل فيقوم ببذل المال وإعطاء المحتاج بسهولة يجدها في نفسه فلا يتردد ولا يصعب عليه الإعطاء وبالوقت نفسه يتألم حينما يرى محتاجا وليس في يده شيء يعطيه.
وكذلك يجد الكثير منا نفسه مرتبكا متلعثما حينما يكذب وهذا يعني أن خُلُق وفضيلة الصدق مترسخة في نفسه فيكون الصدق عليه سهل يسير والكذب صعب عسير .
وبإمكان كل واحد منّا أن يتعرّف على الأخلاق الفضيلة والرذيلة في نفسه وذلك من خلال مراقبة نفسه أثناء القيام بأفعاله .
ومن الصعوبة والسهولة التي يجدها في نفسه سيعرف ما هي أخلاقه وما فيها من الحسن الفضيل و السيء الرذيل .
وبالتأكيد فإن الأخلاق سواءاً كانت فضيلة أم رذيلة بما انها من صفات النفس فإننا لسنا قادرين على رؤيتها وتشخيصها في نفوس الآخرين إلا بصعوبة بالغة وبمواقف عديدة وعلى فترة زمنية طويلة.
 فقد يقوم الإنسان بالإنفاق رياءً ليلفت أنظار الناس وهو بداخله يكره الإنفاق ويصعب على نفسه لكنه يقوم بذلك لكي يمتدحه الآخرون الذين يضنوه سخيا جوادا كريما.
وقد يكون هناك إنسان كريم سخي بالفعل لكنه لا يملك مايعطي فإذا رأيناه قلنا عنه بخيل شحيح والحق أنه ليس كذلك إلاّ انه لا يملك ما ينفق وفضيلة السخاء راسخة في نفسه.
وكم من إنسان شجاع جدا لكننا لا نعلم بذلك حيث لم يتوفر أمام أعيننا الموقف الذي تظهر فيه شجاعته وهكذا.
وعلى هذا التعريف يكون الإنسان الخَلوق هو الذي تتصف نفسه بالفضائل والصفات الحسنة سواءا ظهر منه الفعل المناسب لهذه الصفة أم لم يظهر .
وبهذا نكون قد عرفنا ما هو الخُلُق وما هي الأخلاق .
 أما الأدب فقد عرّفه العلماء بأنه الهيئة الحسنة للفعل المشروع وبمعنى آخر الأدب هو الصورة أو الطريقة الحسنة المقبولة التي يؤدي فيها الإنسان الأفعال اللتي تناسب الشريعة وغرض الدين أو الإجتماع.
ولا يكون الأدب إلاّ مع الأفعال المشروعة فمثلا لا أدب مع الظلم والخيانة والكذب والإفتراء.
فبالتأكيد هناك فرق حينما تقدم الطعام لضيفك بطريقة لطيفة مهذبة يقبلها منك وبين أن ترمي له الطعام رميا ًكما لو كنت ترميه لحيوان وبالتأكيد لن يتقبله أحد في الحالة الثانية ففي كلا الحالتين يقوم المضيّف بإقراء ضيفه والفرق بطريقة أداء الفعل.
وإذا أردت أن تساعد زميلك بأن تعطيه القلم ففرق بين أن تناوله إياه بيدك عن أن تركله أو تدفعه إليه برجلك وفي الحالتين أنت تساعده لكن الفرق بطريقة المساعدة.
أما إذا صادفت مناسبة عزيزة و اردت أن تتقدم لصديقك بهدية ففرق كبير وواضح بين أن تهديه هدية جديدة نظيفة مرتبة مغلفة وبين أن تعطيه إياها قديمة مستعملة متسخة وإن كنت في الحالين أنت المتفضل بالإهداء.

 ومما تقدم نكون قد عرفنا أن هناك فرق كبير بين الأدب والخُلُق فالادب صورة للفعل الحسن والخلق صفة للنفس.
والآن يمكننا الإجابة عن الأسئلة التي بدأنا بها بحثنا فمن الممكن للإنسان أن يكون فاقدا لكليهما لا خلق له ولا أدب والعياذ بالله ومن الممكن أن يحرز الإثنين معا فيكون خلوقا مؤدبا صقة نفسه حسنة وصورة فعله حسنة وهنيئا لمن كان كذلك .
ومن إبتلاءاتنا أن يكون أحدنا مؤدبا لكنه غير خلوق فيتصنع المعروف أمام الناس ليثنوا عليه فيعفوا عن المسيء ويقبل إعتذاره ويحسن له حتى يقول عنه الناس أنه حليم عفوّ وإذا كشفنا عن قلبه لرأيناه يستشيط غضبا يود أن لو يقطّع ذلك المسيء إرباً على فعلته لكنه يريد أن يمدحه الناس فلا يظهر غضبه وهذا الإنسان غير خلوق , ظهر منه الفعل الحسن بصورة لطيفة لكن نفسه مازالت مريضة بالغل والحقد على المسيء وكثير منّا مبتلى بإبتلاء كهذا.
أمّا الحالة الأخرى وهي أن يكون فيها الفرد خلوقا غير مؤدب فهي موضع إبتلاء أيضا فكثير منا يتخلق بخلق فضيل لكنه لا يأتي بالفعل المناسب لهذا الخلق بالصورة الحسنة .
فقد يعطي أحدنا المال للفقير بنية خالصة لله لكنها بطريقة خشنة أو بطريقة تقلل من شأن الفقير وتهين ذاته أو تشعره بالمذلة والإحتقار وهنا يكون المعطي قد أساء الأدب مع أن فضيلة السخاء موجودة عنده .
ومثال آخر قد يتخلق أحدنا بالصفات المناسبة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو مؤمن بذلك يريد أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر لكنه يسيء التصرّف ويظهر فعله بصورة قبيحة مع أن صفة نفسه صفة فضيلة , فيردع الناس بطريقة غليظة تنفّرهم وتكرّههم بالدين وأهله وهو نيته خالصة لله حيث أنه يدعو للدين ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر .
ولذا قال جل شأنه "أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن " وكلنا سمعنا القصة التي تروى عن الحسن والحسين عليهما السلام حينما رأيا شيخا يخطيء في وضوئه وكيف علماه الوضوء بمنتهى الأدب وأفضل الخلق وغاية الذكاء حيث قالا له نريد أن نتوضأ وتحكم أنت لنا أينا أفضل وضوءا فعلم الشيخ أنهما يريدان تعليمه الوضوء ولكن بطريقة غير مباشرة .
وهذا إبتلاء الكثير من المتدينين حينما يريدون أن يقوموا بالدعوة لدين ربهم ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فيتعاملون مع الناس بإسلوب فض خشن يسبب الإنكماش النفسي لدى الآخرين فبدلا من أن يستجيبوا لهم ينفرون بعيدا عنهم لاعنين الدين وأهله حانقين عليه  " ولو كنت فضا غليظ القلب لإنفضوا من حولك " وهنا تكون صفه النفس جيدة وطريقة أداء الفعل قبيحة فالفاعل هنا خلوق غير مؤدب.
بل أن هناك من يدعوا لدين الله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ظاناً أنه لله وفي سبيله ولو تصارح مع نفسه لوجد أنه يحب أن ينهى ويأمر ويحب التسلط على الآخرين ويتخذ من الدعوة إلى الله ذريعة للتسلط على الرقاب وإثبات وجوده وذاته وهنا الداعي غير خلوق .
فعلى الدعاة إلى الله أن يأخذوا الناس لدين الله بالرفق والمحبة , وإذا أردت ان تحكم الناس أحبهم فإذا أحببتهم حبا حقيقا
 أحبوك وأخذوا منك كل ما تقول وتأمر وتوجه وسرت وساروا معك إلى بر الأمان .
إلى هنا نستطيع أن نعرف أنفسنا وأين نحن من الخُلُق والأدب وما هو المقدار الذي أحرزناه من كليهما ونجزم أن الفرد منا قد يكون خلوقا بلا أدب أو مؤدبا بلا خلق .
والله من وراء القصد


محمد مكي آل عيسى

Thursday, October 20, 2011 9:06 PM

تاريخ الاضافة ahmed aljawad الاســم

بارك الله جهودكم

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com