من هم اعدؤنا و كيف نعاملهم

إن معرفة الأعداء قد تكون في رتبة مقدمة على معرفة الأصدقاء، لأن دفع الضرر –كما هو معروف– أولى من جلب المنفعة.. فعلينا أن نبحث عن الأعداء الذين يصدون عن مسيرة التكامل.. وعلى رأس الأعداء: الشيطان الذي أمرنا الله تعالى بعداوته.

 إن العداء الشيطاني لبني آدم عداء متأصل وقديم، فهو الخبير بكل منافذ النفس التي قد تخفى حتى على صاحبها.. ومن الواضح أن كيده خفي في كثير من الحالات.. أضف إلى أنه يتربص بنا في كل مواطن الضعف، إذ يرانا من حيث لا نراه.

 إن من الأعداء التي نغفل عنهم هي: النفس التي بين جنبينا.. ولا نعني بذلك مجموع قوى النفس بما فيها القوة العاقلة، بل نعني بها: ذلك الجانب الشهوي والغضبي من النفس، والذي يدعو صاحبها لكل ما يوافق جاذبية الهوى، ونار الغضب، من دون أن يقيم وزنا لشريعة أو عرف.

 ومن الأعداء الذين لا ينبغي أن ننكر عداءهم لنا، هم الكفار والمشركون.. فالذي لا يعترف بوحدانية الله -تعالى- ولا بنبوة النبي (ص) الخاتم، كيف يمكنه أن ينسجم معنا في مقام الفكر والعمل، وخاصة مع اختلاف المصالح.. وقد سجل القرآن الكريم موقفا واضحًا تجاه خصوص اليهود، فقال عنهم: {لتجدن أشدّ الناس عداوة للذين آمنوا اليهود} والتاريخ يشهد إلى يومنا هذا بعمق هذا التنافر والصراع.

 إن من الخطأ الفادح هو الأنس الباطني بالكفار أو المشركين.. إذ الارتياح النفسي مقدمة لعدم النظر إلى باطلهم بعين الاشمئزاز والنفور.. وهذا بدوره يؤدي إلى تعدي منكرهم إلى حياتنا من دون التفات.. ومن مآسي الحياة معهم هو فقدان المنكر لصورته المظلمة في أعيننا، فمن الخطورة بمكان أن لا يرى الانسان -بعد فترة من العيش مع المنحرفين- المنكر منكرا.. إذ كيف يمكن ردع من لا يرى المنكر قبيحا؟!..

 إن المشكلة الكبرى هي: أن نعيش جو العداء والبغضاء مع من نـشترك معهم في العقيدة والدين.. وعليه، فلا بد من أن نفرق بين بغض الذوات وبغض الصفات والأفعال.. فإن المبغوض إذا كان هي الصفة، فمن المفروض أن يبغض الإنسان موقع تلك الصفة، ولو كانت نفسه التي بين جنبيه، أو أعز المقربين لديه.

 إن علامة بغضنا للصفات والملكات، هو عدم الإحساس بالحقد تجاه من نعاديهم، وذلك فيما لو زالت عنهم تلك الصفات..فمن الملاحظ أن البعض يعيش حالة العقدة من فرد لموقف شخصي عابر قد انتهي زمانه، إلا أنه يعيش حالة الحساسية التي لا مبرر لها في علاقته معه إلى آخر عمره.. فالأمر أشبه بمرض منه إلى موقف.

 إن خطورة جو العداوة مضاعفة فيما لو انتقلت إلى الأرحام، وبذلك تصبح أداة للقطيعة: تقطع الأرزاق، وتعجل الآجال.. فهل من الصحيح أن يقطع الإنسان رحمه لأسباب واهية، يضخمها الشيطان في نفس صاحبها، ليجره أخيرا إلى هذه الموبقةالملكة؟..

 إن الإنسان الحقود، يعيش جو التوتر الباطني دائما، فتراه في نزاع داخلي مع من افترضه عدوا له.. وهذا بدوره يؤثر على استقراره النفسي، وجوه العبادي.. ومن الواضح أن الذي يعيش العداوة الباطنية لا بد وأن ينكشف أمره من خلال فلتات لسانه، وصفحات وجهه.

 لا بد من ملاحظة بعض الأمور المخففة، لقبح الصفة الموجبة للعداوة.. فإن الجهل -وخصوصا القصوري (غير المتعمد) منه -من موجبات افتراض العذر للطرف المقابل، وبالتالي إعطائه شيئا من التبرير، الذي يزيل عن القلب حالة العداء الملتهبة.. فإن الذي لا ينظر إلى الأمور بهذا المنطق، فإنه سيعادي الكثيرين.. ولا ينبغي أن يغفل الإنسان عن حقيقة: إن جواب العداء هو المعاداة، وقد يكون العدو أكثر قدرة على إيذائه لك، من إيذائك له.

 إن الذي يعش حالة العداوة القهرية تجاه الآخرين، ولكنه يعيش حالة التبرم مما هو فيه، فإنه في مضان الرحمة الإلهية، التي تتصرف في قلب العبد، فتنزع عنه حالة الغل التي دخلت فيه كرها.. ومن هنا يمن الله -تعالى- على أهل المدينة الذين كانوا من شرائح متنافرة كالأوس والخزرج، والمهاجرين والأنصار، إذ ألف بين قلوبهم، فأصبحوا بنعمته إخوانا.

 إن من مصاديق الإعجاز الاجتماعي -كسنة لله تعالى في خلقه- هو أن الذي يدفع العدو بالتي هي أحسن، يرى آثارا غريبة في أنه كيف يتحول العدو-بتسديد من الله تعالى- إلى وليّ حميم، كما ذكره القرآن الكريم.. فإن العدو قد لا يعترف بحسن تصرفك، إلا أنه سيضمر لك الاحترام القهري الذي يمنعه من أن يضرك شيئا بمقتضى عداوته.

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com