أهل الكوفة و دورهم في النهضة الحسينية

 

مقدمة : 

دور العقيدة في قراءة النص التأريخي (الاسلامي)

أن من اهم الطرق للتأكد من صحة النصوص التأريخية (الاسلامية) وفهم النصوص التأريخية الصحيحة ، هو عرض النص التاريخي على المتبنيات العقدية الحقة ... وخصوصا تلك التي عرضت لها الايات القرانية المباركة و الاحاديث الشيفة الواردة عن النبي (صلى الله عليه واله ) و اهل بيته (سلام الله عليهم اجمعين).

و نضرب مثالا على ذلك : من المعلوم لدى المسلمين ،أن جميع اباء النبي (صلى الله عليه واله ) الى ادم (عليه السلام) هم من المؤمنين الموحدين، و قد أشار القران الكريم الى هذه العقيدة بقوله تعالى: (و تقلبك في الساجدين)  (1) <الشعراء 219>.

كذلك صرحت الروايات بذلك . فقد روي عن النبي (صلى الله عليه واله ) أنه قال (لم يزل ينقلني الله من اصلاب الطاهرين الى ارحام المطهرات حتى أخرجني في عالمكم هذا، لم يدنسني بدنس الجاهلية)(2) .<مجمع البيان للطبرسي ج4 صفحة 90، الدر المنثور للسيوطي ج 5 صفحة 98>

و ورد عن الباقر و الصادق( عليهما السلام) أنهما قالا في تفسير هذه الاية المباركة:(اصلاب النبيين نبي بعد نبي حتى اخرجه من صلب أبيه عن نكاح غير سفاح من لدن ادم) .

بعد أثبات هذه القاعدة و استيعابها نأخذ مثالا تطبيقيا عليها . نقل في كتب السير أن قصي بن كلاب (الجد الرابع للنبي صلى الله عليه و اله ) قد هجم على قبيلة خزاعة (التي كانت مسيطرة على البيت الحرام انذاك و منها عمر بن لحي الذي وضع الاصنام على الكعبة) فطرده من مكة و استولى على الحرم و انزل قريشا فيه(1). <راجع سيرة ابن هشام ج1 ص117-118 و تاريخ اليعقوبي ج1 ص239>

إن من يقرأهذه الحادثة التاريخية قراءة ساذجة قد يتصور للوهلة الاولى أن قصيا (عليه السلام) كان معتديا بهجومه ذاك ، ويريد الاستيلاء عى الكعبة المشرفة و على مكة .

غير أن هذا التصور يعارض الحقيقة القرانية (الانفة الذكر) التي تؤكد أنه كان مؤمنا موحدا بل من "الساجدين" . فبالتاكيد أن عمل قصي منطلق من "ايدلوجية ايمانية " غرضها القضاء على مظاهر الشرك و الفساد في مكة المكرمة حين ذاك.

كيف نقرأ أهل الكوفة

 وكذلك أهل الكوفة يجب أن نقرأهم وفق الاحاديث الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام)، و نقارن بين تلك الاحاديث مع ما صوره الإعلامان الاموي والعباسي بخصوص أهل الكوفة و ما نشراه من اقوال في حقهم.

أهل الكوفة في الإعلام الاموي

شوّه الاعلام الاموي سيرة شيعة علي (عليه السلام) من أهل الكوفة . فقد روي ان الحجاج (في زمن عبد الملك بن مروان) خطب بالكوفيين بعد قتل إبن الاشعث قائلا:

"إنكم أهل بغي و شقاق و نفاق. طال ما أرضعتم في الضلال و سننتم سنن البغي . يا أهل العراق أن الشيطان قد استبطنكم فخالط اللحم  منكم و العصب و الاعضاء و الاطراف"(2).

<انساب الاشراف ج7 ص345 ،شرح النهج لابن ابي الحديد ج1 ص344>


 

 

أهل الكوفة في الاعلام العباسي

لم تختلف كلماتهم كثيرا عن كلمات الامويين . فبعد قتل ابراهيم بن عبد الله بن الحسن أمر المنصور أن يطاف برأسه في الكوفة سنة 145هـ و خطب قائلا:

"يا أهل الكوفة عليكم لعنة الله و على بلد أنتم فيه. سبئية(1) (أي أتباع عبد الله بن سبأ) خشبية (2) (قال الذهبي :الخشبي : هو الرافضي في عرف السلف). للعجب لبني أمية و صبرهم عليكم، كيف لم يقتلوا مقاتلتكم و يسبوا ذراريكم و يخربوا منازلكم. أما و الله يا أهل المدرة (3) (المدرة:القطعة من الطين اللزج المتماسك، و أهل المدر:سكان البيوت المبنية <المعجم الوجيز ص576>) الخبيثة، لئن بقيت لكم لاذلنّكم".

كلمات أهل البيت (عليهم السلام) في حق شيعتهم من أهل الكوفة

  كان علي عليه السلام يقول :"الكوفة كنز الايمان، و حجة الاسلام وسيف الله يضعه حيث يشاء، و الذي نفسي بيده لينتصرن الله باهلها في شرق الأرض و غربها كما إنتصر بأهل الحجاز"(4). < معجم البلدان ج4 ص492>

عن محمد الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) انه قال:"ان الله عرض ولايتنا على أهل الأمصار فلم يقبلها إلا أهل الكوفة"(5). <البحار ج60 ص 209>

و عن عبد الله بن الوليد قال :" دخلنا على أبي عبد الله (عليه السلام) فسلمنا عليه و جلسنا بين يديه ، فسألنا : من أنتم؟ فقلنا :من أهل الكوفة. فقال أما أنه ليس بلد من البلدان أكثر حبا لنا من أهل الكوفة. إن الله هداكم لأمر جهله الناس، أحببتمونا و أبغضنا الناس ، و صدقتمونا و كذبنا الناس، و إتبعتمونا و خالفنا الناس. فجعل الله محياكم محيانا و مماتكم مماتنا"(6).


 

خلاصة مواقف أهل الكوفة مع علي (عليه السلام) و أهل بيته

الكوفيون هم القاعدة الشعبية الصادقة و المخلصة لأهل البيت (عليهم السلام) للاسباب التالية:

1- لقد نصروا عليا (عليه السلام) في البصرة و لولاهم لكان مسار الامور شيئا آخر ثم نصروه في حربه ضد معاوية في صفين يوم كانوا بغاة يقودهم معاوية.

2-ثم أبتلوا بحرب الخوارج و هو إبتلاء عظيم لأنهم (الخوارج) ابناؤهم و أخوانهم ، وخرج الكوفيون من الإمتحان ناجحين ظافرين . ثم تعبأوا لقتال معاوية و رد غاراته ثم إستشهد علي (عليه السلام) و تغيرت الظروف.

3-حقق الحسن (عليه السلام) بالكوفين كسر الطوق الإعلامي الذي فرضه معاوية على مشروع علي (عليه السلام) . وتحرك الكوفيون في سنوات الصلح ينشرون سيرة علي (عليه السلام) و أحاديث النبي (صلى الله عليه واله ) فيه بين أهل الشام وعرفوا أنهم كانوا مخطئين في حربهم علي (عليه السلام).

4-كم شهد لهم الحسن (عليه السلام) أنهم الحافظون حوزته(1) <حوزة الرجل:ما في ملكه (المعجم الوجيز ص178)> و ذماره(2) <الذمار : ما ينبغي حياطته والذود عنه، كالأهل و العرض ،ويقال : هو حامي الذمار (المعجم الوجيز ص246)> والمانعون المعتدي عليهما ، حيث قال حين فارقهم ورحل عنهم الى المدينة بعد الصلح متمثلا بهذا البيت من الشعر:

وما عن قلى فارقت دار معشري   هم المانعون حوزتي و ذماري

5- و شهد لهم أهل المدينة إنهم كانوا على إتصال مستمر مع الحسين (عليه السلام) بعد إستشهاد أخيه حتى منعهم الوليد أبن عتبة (والي المدينة انذاك)


 

 

 

 من زيارته سنة 58هـ ، و قال له الحسين (عليه السلام):

"يا ظالما لنفسه ،عاصيا لربه . علام تحل بيني و بين قوم عرفوا من حقي ما جهلته أنت و عمك؟" (1)<أنساب الاشراف للبلاذري ج3 ص157>

تساؤل وجواب

ولعل قارئ هذه السطور يتساءل في نفسه : إذاً من قتل الحسين (عليه السلام) ؟ أليسوا هم أهل الكوفة الذين دعوه لينقذهم من ظلم بني أمية و يقيم فيهم حكومة علي (عليه السلام) مرة أخرى ؟! أليسوا هم الذين قال فيهم ذلك القائل مخاطبًا الحسين (عليه السلام) بأنهم "قلوبهم معك و سيوفهم عليك"؟!

و الجواب:

1- أن معظم قتلة الحسين (عليه السلام) هم من أهل الشام الموالين لمعاوية و نهجه كما صرحت بذلك الحقائق التاريخية و الأحاديث الشريفة الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام).

2- لم يكن جميع أهل الكوفة موالين لعلي و أهل بيته(عليه السلام) ، فقد جرت عدة أحداث إستهدفت تغير ولاء أهل الكوفة لعلي (عليه السلام).

خطة معاوية لتصفية التشيع في الكوفة

بذل معاوية كل جهده لتغيير و جهة الولاء الفكري و السياسي الكوفة الذي كان لصالح علي (عليه السلام) و ولده الطاهرين (عليهم السلام) ،و تحويلها الى مدينة موالية لبني أمية. و ليس من شك أنه أمر عسيرجداً ودونه عقبات كؤود ، أهمها عقبتان (بعد أن تخلص من الحسن (عليه السلام)) وهما:

1- الجيش و الشرطة ،فإن النسبة الغالبة (إن لم يكونوا كلهم) شيعة لعلي (عليه السلام).

2- الوجوه البارزة في المجتمع و أغلبهم من الشيعة و فيهم رموز العلم و


 

 التقوى أمثال حجر بن عدي وعمرو بن الحمق الخزاعي و غيرهما من الصحابة و التابعين.

الجيش و الشرطة

إستخدم معاوية اسلوب "الغربلة" في الجيش الكوفي.فقد كان يعتمد على سياسة لعن علي (عليه السلام) و البراءة منه. فمن كان يرفض لعن علي (عليه السلام) و سبه كان نصيبه أن يمحى من ديوان العطاء. ولاشك أن المخلصين و الواعين من شيعة علي (عليه السلام) لا تطيب أنفسهم بسبه ، حتى في حالات الضرورة المسموح بها ، فضلا عن البراءة ، وهي غير مسموح بها لأن لها أثر قلبي. وكان هذا الأسلوب أقوى أسلوب إستخدمه معاوية لتصفية الجيش و قوى الأمن من الشيعة، بل حتى من كان متهما بحب علي(عليه السلام).

إجراءات زياد بن عبيد الله الثقفي في الكوفة (المعروف بزياد إبن أبيه)    

 كان  زياد بن عبيد الذي غير معاوية نسبه (في قصة معروفة) الى زياد بن أبي سفيان ، يعتبر بحق باني الجيش الاموي في العراق و قوى الأمن الداخلي فيه. و كانت من أهم إجراءاته في هذا السبيل:

1- إحياء الخروج الإلزامي للغزو . و هو أول إجراء إتخذه في الكوفة(1). <راجع أنساب الأشراف للبلاذري ج1 ص198>

2- تسيير (تهجير ) خمسين الف مقاتل عراقي مع عوائلهم الى خراسان. قال الخربوطلي في كتابه "العراق في العهد الاموي (وهو رسالة دكتوراه)ص298: " ولا شك أن معظمهم من الشيعة الذين أراد زياد التخلص من معارضتهم الدائمة". فهم 25 الف من الكوفة و الباقون من البصرة، و أسكنهم دون الهند(2). <فتوح البلدان ص507>

3- إعتماد الحمراء مادة أساسية في قوى الأمن الداخلي . و الحمراء كانوا يعملون مع الجيش الفارسي ، وأصلهم من الديلم(3). <فتوح البلدان ص343-344>


 

وقال المرحوم آية الله الشيخ رضا آل ياسين في كتابه "صلح الحسن " صفحة72: "و الحمراء شرطة زياد الذين فعلوا الأفاعيل بالشيعة سنة 51ه و حواليها".

شاهد أخير

و من الشواهد على أن شيعة علي (عليه السلام) الكوفيين هم الناصرون للحسين (عليه السلام) و ليسوا الخاذلين له ، هو ما قاموا به (بقيادة المختار الثقفي (رضوان الله عليه) و سليمان بن صرد (رحمه الله)) من الانتقام من قتلة الحسين (عليه السلام) و اقامة الحكومة العادلة في الكوفة (لسنتين تقريبا).و ذلك بعد أن كانوا مغيبين في سجون الظلمة. وهذا الأمر يحتاج الى تفصيل لا يسعه المقام و الحمد لله رب العالمين.

 

تنبيه

إن معظم مصادر الأحاديث الشريفة و النصوص التاريخية مأخوذة من كتابي "السيرة النبوية" و "الحسين في مواجهة الضلال الأموي" للعلامة المحقق السيد سامي البدري . فللتوسع يرجى مراجعة هذين المصدرين ، أو مراجعة موقع سماحة السيد على الانترنت

www.albadri.info  

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com