الإصلاح مشروع السماء
 

بسم الله الرحمن الرحيم
 

    حمل الأنبياء راية الانتهاض بالمجتمع البشري في منذ بدايته و اختلاف الأزمنة والعصور، منذ نوح و انتهاء بالنبي محمد (ص)، فكانت النبوة عبر تاريخها الطويل ظاهرة ربانية تمثل رسالة نهضوية وعملا تغييريا وإعدادا ربانيا للجماعة ، وقد كان العمل التغييري النبوي وبشكل خاص الدعوة الإسلامية التي قادها الرسول محمد (ص) ثورة لا تنفصل فيها الحياة عن العقيدة ولا ينفصل فيها الوجه الاجتماعي عن المحتوى الروحي .

إن العملية التغييرية التي قادها الأنبياء كانت تقوم على محورين ثابت ومتغير


فأما المحور الثابت هو محور الدعوة إلى عبادة الله - أي العقيدة التي هي أطروحة (التوحيد - النبوة - المعاد) - حيث كان النبي يركز على الجانب العقائدي الإلهي باعتباره أساس بناء المجتمع الإنساني السليم .

أما المحور المتغير في الدعوات النبوية هو المحور الاجتماعي الذي كان يعاصره النبي حامل لواء التغيير ، وبناء على الحاجة الفعلية لذلك الواقع، فمثلا في المجتمع الذي يعاني من الظلم السياسي يركز النبي على التغيير السياسي كما فعل موسى (ع) قال تعالى : (اذهبا إلى فرعون انه طغى . فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ...) .
وفي المجتمع الذي يعاني من الفساد الأخلاقي يركز النبي على الإصلاح الخلقي كما فعل لوط (ع) قال تعالى: (ولوطا إذ قال لقومه  أتأتون الفاحشة وانتم تبصرون. أئنكم  لتأتون الرجال  شهوة دون  النساء بل انتم قوم تجهلون )
وفي المجتمع الذي يعاني من تردي الحالة الاقتصادية ، وسوء توزيع الثروة يركز النبي على الإصلاح الاقتصادي كما فعل النبي شُعيب (ع) قال تعالى: (وإلى مدين أخاهم شُعيبا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها )

إن حركة التغيير والإصلاح التي تبنتها السماء منبسطة على كل عصر و كل زمان ولا يكاد يخلو منها أي مجتمع في كل وقت .
   إن العمل الاجتماعي وتغيير المجتمع نحو الأفضل هو مطلب جماعي وأمل يحمله الجميع فكل إنسان مؤمن يحمل بداخله بذرة خير لمن هم حوله ويتمنى لهم مستقبلا أفضل ، لابد أن يطمح بتغيير واقعه وما يدور فيه من سلبيات وعناصر هدم ، فالناس في ذلك متساوون والفرق بينهم يكمن في أمر واحد ، وهو أن البعض يترجم ذلك الشعور العميق والأمل إلى عمل فيقوم بالعمل على إصلاح المجتمع وتغييره ومنهم من يعزف عن المشاركة في عملية الإصلاح والتغيير.

   إن حركة الإصلاح هذه أما هي حركة فردية: أي حركة الإنسان في تغيير نفسه وإصلاح الذات ، قال تعالى: (إن الله لايُغّير ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم) يقول لنا سبحانه إن الإنسان هو الذي يصنع التغيير؛ غيّر نفسك تغيّر الواقع لأن الواقع يتجسد من خلال الفكرة الداخلية التي تحكم التخطيط الإنساني وطبيعة حركته في الحياة .

   فالتسلح بالفكر العقائدي الرصين المتكئ على حكم العقل المستند على الشريعة الحقة أولا ، و ثانيا انتهاج المنهج الأخلاقي الذي خطته السماء واسهب في بيانه علماء الاخلاق ، ثم ثالثا السير العملي ظاهرا وباطنا بما تقدم مراعيا أوامر ونواهي كتاب الله وسنة نبيه السمحاء على ما فصلة الافاضل من الفقهاء. فليكن عمل الإنسان عمل خير لا عمل شر وحركته حركة عدل لا حركة ظلم وانطلاقته انطلاقة الاستقامة لا انطلاقة الانحراف.

   ثم ينطلق الإنسان في رحاب الأسرة ، فالإنسان مسؤول عن إصلاح أسرته فالقرآن يقول أنت مسؤول عن حجاب زوجك ... أبنتك .... و كل ما يجري داخل الأسرة ، أبناؤك ماذا يشاهدون وماذا يسمعون ومن يصاحبون، ونحن في ظل التطور في عالم الاتصالات والتواصل بشبكة الانترنت والقنوات الفضائية ، صارت الرقابة احوج في كل أمور حياتهم الأسرية ، سلوكهم ، أخلاقهم ، دينهم .... أنت المسؤول عن كل ذلك يوم القيامة. قال تعالى:( قوّا أنفسكم واهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد).


   او هي حركة الاجتماعية: ليست الحركة الإصلاحية الاجتماعية منوطة برجال الدين فقط ولكن الجميع مسؤول عن الحركة الإصلاحية (كلكم راع ٍ وكلكم مسؤول عن رعيته....) المدرس في المدرسة مسؤول عن الإصلاح ، الجمعية الخيرية مسؤولة عن الإصلاح ، الجار مسؤول عن إصلاح جاره ، المدير مسؤول عن إصلاح العاملين معه ، وكل واحد جزء من الحركة الإصلاحية من خلال موقعه الذي هو فيه ، وهذا ما يؤكده القرآن الكريم قال تعالى: (ولتكن منكم امة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر)

 نحن نلاحظ إن حركة الإصلاح بدأت تتراجع في المجتمعات الإسلامية ... فما هي أسباب التراجع ؟؟

السبب الأول:- اليأس ، كثير من المصلحين بدأ يتراجع نتيجة لطغيان روح اليأس عليه ؛ يقول لا ينفع الوعظ والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لماذا ؟ لأن الهجمة الشرسة للإعلام المضلل لم تترك مجالا للإصلاح والإرشاد فهناك مئات من القنوات والمواقع على الانترنت ومئات من وسائل الإعلام التي تبث الفكر المنحرف ، نحن المؤمنون المتمسكون بدينهم لا نملك قدرات ووسائل كافية لمقاومة هذه الهجمة الشرسة للإعلام المنحرف لذا أصابنا اليأس ، هذا التوهم تبدده الآيات القرآنية ، فالمصلح إذا قرأ الآيات القرآنية تمنحه شحنا روحيا وصمودا وحياة ، وأن الخير هو المنتصر.. أما الزبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض قال تعالى:  (يا أيها الذين امنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم )

السبب الثاني:- قصور الفهم كثير من المتدينين سرى لديهم توهم أن علينا إصلاح أنفسنا وليس علينا إصلاح الآخرين . هذا التوهم يصطدم مع الحركة الإصلاحية القرآنية، القرآن لا يرى التدين ظاهرة فردية انما التدين تيار اجتماعي يخترق القلوب ويغزو النفوس ويمتد حتى يستولي على سلوك المجتمع . قال تعالى: (والعصر. إن الإنسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)

السبب الثالث:- الميل للكسل والراحة، هناك الكثير منا كسول يبقى مثلا ثلاثين سنة لا يطور من مستواه العلمي والثقافي ولا يفكر في السعي لتطوير ذاته وبالتالي لا يفكر في تغيير وإصلاح المجتمع يقول هناك غيري هو الذي يعمل ، ويصاب بالجمود والخمول وعدم التقدم في ذاته وفكره ودينه لان الإنسان بطبعه يميل إلى الراحة والاسترخاء.
إذن يجب أن نؤمن بان الإصلاح والتغيير هي حركة تشمل الجميع وان نتحلى بعوامل التغيير الايجابي من خلال العمل الجماعي وخلق روح الإبداع والنشاط والتفاؤل وتهيئة نظام وبرنامج مدروس لكي نحقق هذا الهدف السامي الذي يتم بإيمان كل إنسان بأنه مسؤول عن الإصلاح والتغيير وبذلك نسعى جميعا لتكامل الحركة الإصلاحية بتلاقح الجهود في جميع مجالات الحياة وننتظر جميعا بشوق ظهور مصلح البشرية جمعاء الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) ليملأ الأرض قسطا وعدلا بعدما ملئت ظلما وجورا
.

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com