مفهوم الحزن والفرح في فكر الشيعة الامامية

 

  تميز المذهب الإمامي على المذاهب الإسلامية بأن له سمةً شعائريةً، وان إشاعة مشاعر الحزن واضحة في مناسبات عديدة ، كوفيات الأئمة الطاهرين وذراريهم «صلوات الله عليهم أجمعين» ، ومن اظهر هذه المناسبات الموسم العاشورائي الذي يمتد الى قرابة الشهرين من كل سنة.

    لذا ثارت بعض الأقلام على الفكر الإمامي بانه فكر يتفنن في صناعة الأسى والحزن، إذ أنه يستوعب ويستغل أيام السنة لممارسة الحزن والأسى بألوان مختلفة وصور متعددة، وهذا الأسى والحزن يترتب عليه عدة آثار : فهناك ثلاثة اثار للحزن مؤاخذ عليها الفكر الامامي :

1 ان الحزن مصادم لطبيعة الإنسان وجبلته، فإن طبيعة الإنسان تميل نحو الفرح والغناء والرقص، ولذلك نلاحظ أن الطفل منذ صغره يميل إلى الطرب والغناء، وليس من طبيعة الإنسان الميل إلى الحزن والأسى، اذن هناك تنافى وتصادم مع طبيعة الإنسان في ميله للفرح والغناء ونحو ذلك.

2 أن الحزن والأسى يقتل الإبداع والعطاء لدى الإنسان، إذ أن الإنسان لكي يعطي وينتج ويبدع يحتاج إلى أن يعيش أجواء الفرح، وأما أجواء الحزن التي يكرسها المذهب الإمامي فهي تقتل روح الإبداع وتزرع روح التشاؤم والإحباط، ولذلك تجد أن الشعوب الحية المتحضرة هي التي تستغل أدنى المناسبات لإظهار الفرح والابتهاج.

3 أن الفكر الإمامي يفتح الباب على مصراعيه أمام مظاهر الحزن، من لطم وبكاء ومواكب ، لكنه يقف أمام مظاهر الفرح، فيحظر الغناء والرقص والفرح، وهذا خروج عن التوازن في الطبيعة الإنسانية .

في الجواب نقول ان الفكر الامامي قائم على القران الكريم في مبادئه ومفاهيمه ، ومن حقنا ان نسأل الأسئلة التالية:

1- هل أن طبيعة الإنسان الميل للفرح؟

عند التأمل في الحقيقة الإنسانية نجد انها لها ثلاثة جوانب :

الجانب الفاعلي ويتمثل بالقوة العاقلة في النفس ولها الفاعلية وشانها التفكر وادراك الكليات والسير من المجهول الى المعلوم وفيها الارادة والتصميم. ولا مكان للحزن والفرح هنا.

الجانب الانفعالي ويتمثل بالقوتين الشهوية والغضبية ولهما الانفعال والاستجابة للمثيرات الخارجية فهما تقفان على حد السواء بين مثيرات الفرح ومثيرات الحزن من غير انحياز.

الجانب الفطري الغريزي وهو مجموعة الميول والدوافع الغريزية والنزعات الفطرية ، وعند التحليل الدقيق نجد ان هذه النزعات والميول ليس لها الا حركة واحدة وباتجاه واحد ،وهي نحو الجمال الذي هو مظهر للكمال والانسان مجبول على البحث عن الكمال . وللجمال والكمال هذا صور متعددة لا يحدها الحزن او الفرح .

مثلاً: عندما يموت عظيم من عظماء الإنسانية فإن الحزن لفقد هذا العظيم جميل، لأنه نوع من الحسن والجمال الذي يميل إليه الإنسان، ولكن قد يُقْتَل بريءٌ، فيكون الفرح لقتله قبيحًا لا يميل إليه الإنسان، ، وبناء على ذلك فإن هذا المدعى - أي: أن الإنسان بطبعه يميل إلى الفرح - ، خيال لا صحة له. وليس في الحزن تصادم مع الطبيعة الإنسانية.

2- اين يقع الفرح في المنظومة القرآنية؟

الإنسان مخلوق هادف خُلِقَ لهدف معين، وهو نيل الكمال المعد له. وللوصول الى هدفه يقتضي من الانسان السير الى الهدف بسعي وعمل واجتهاد ، قال تعالى :
(وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى () وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى) وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ) وأما الإنسان الكسول الذي لا سعي ولا عطاء له فهو مضيّعٌ للهدف من وجوده، وقال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾، ويقول القرآن الكريم: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.

لكن اين الفرح ؟

قال تعالى

﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾
﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾،

أعطت الآيات الضابط الكلي للتعامل مع الثروة والبيان القرآني للفرح.

  هؤلاء الذين خاطبوا قارون لم ينهوه عن مطلق الفرح، وإنما نهوه عن الفرح باقتناء الثروة فحسب ، نهوه عن اقتناء المال الذي ينسي الإنسانَ المسؤولية ويشغله عن هدفه الحقيقي، حيث أن قارون فرح بنعمته وثروته ونسي أن هناك حقوقًا في ثروته، ونسي أن هناك دار أخرى تنتظره، وهذا الفرح الذي ينسي الإنسانَ الدارَ الآخرة، وينسيه حقوقَ المحرومين، ويبعثه على الظلم والاعتداء على الآخرين، فرحٌ مذمومٌ ممقوتٌ، وأما الفرح الممدوح فهو الذي يعيش استشعار المسؤولية، وينسجم مع الهدف من خلق الانسان ولذلك قال القرآن الكريم: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾، ثم قال: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾، فلا يوجد مانع من أن تفرح وتبتهج، ولكن ليكن فرحك هادف وباعث للعمل وفي إطار المسير الى الغاية .

   ثم ان المنهج القرآني فتح باب الرجاء الممدوح الذي من شانه الحث على الحركة والعطاء ونهى عن الياس والقنوط ثم ندب الى التفاؤل الذي عده سبب إضافي في تحقق المقاصد ونهى عن التشاؤم. قال تعالى في الرجاء: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَـئِكَ يَرْجُونَ رَحْمةََ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) وقال تعالى النهي عن الياس : (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) وقال أيضا في النهي عن الحزن الذي يعطل العمل ولا يبعث الى الحركة : ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
وقال الرسول الاكرم (ص) : (تفاءلوا بالخير تجدوه).

    نعم ممكن للفرح ان يكون دافعا محفزا للعمل والابداع فحملة الفكر الامامي يفرحون في الأعياد ومناسبات ولادة الائمة الاطهار ع ويقع فرحهم هذا في مسار الهدف المنشود. والقران الكريم يقرن الفرح بالإنجاز قال تعالى : ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ ..﴾.

    كذلك يكون الحزن - كالفرح على حد سواء - دافعا وحافزا للأبداع والإنتاج فالحزن عند الشاعر يكون باعثا له على الابداع في قصيدة مميزة، والرسام من حزنه يصنع أروع لوحاته الفنية. هذا الذي يترجم لنا سر الابداع الذي نلمسه على اعواد المنبر الحسيني ، فالفاجعة الحسينية وعلى مدى العصور صنعت لأبناء فكر اهل البيت ع بل للعالم بأجمعه مدرسة بل جامعة عريقة يصدر عنها فكر متجدد ممزوج بحرارة العاطفة يربي الجيل بعد الجيل.

وبذا يتساوى الحزن والفرح في جانب الابداع والعمل ويندفع الاشكال الثاني.

3- هل الفكر الامامي يفتح باب الحزن ويقف امام الفرح والغناء والرقص؟

أن الفرح من صفات النفس وليس من صفات الجوارح، إذ هناك صفة جوارحية وهناك صفة جوانحية، فمن أمثلة الصفات الجوانحية: العلم والشجاعة والعفة، بينما امثلة الصفات الجوراحية هي الصلاة والصدقة والطواف حول البيت الحرام،

فالفرح من شؤون النفس، وأما الغناء والرقص و الصخب وحركات المهرجين فكلها تعبير عن الفرح وليس هو الفرح، وهي الانعكاس الجوارحي للفرح. فإن الفرح - كما ذكرنا - موقعه النفس، والشريعة لم تحرم الفرح الهادف لكنها وقفت امام حركات الجوارح غير المسؤولة وغير الهادفة التي تخرج الانسان من كرامته الإنسانية الى ذلة الحيوانية منصرفا عن الغاية والهدف.

ثم الغناء لا ينحصر في النفوس الفرحة بل الغناء يعبر أحيانًا عن الألم، وفي ذلك يقول الشاعر:
لا تحسبوا أن رقصي في الهوا طربًا الديك يرقص مذبوحًا من الألمِ
فالغناء والرقص والصخب مجرد تعبير فقط، وهذه المظاهر والصور قد تعبر عن الفرح وقد تعبر عن الألم أيضا ولذا لم يخرج الانسان عن التوازن ، ومن اظهر مصاديق التوازن والاعتدال في النفس الانسانية قوله تعالى في القران الكريم: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ * لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾.

إذن بالنتيجة: القرآن الكريم عندما تناول ظاهرتي الفرح والحزن لم يعتبر الفرح شيئًا متأصلاً في الإنسان، بل المتأصل في الإنسان النزعة نحو الجمال والكمال لا إلى الفرح،

وعندما تحدث القرآن الكريم عما ينسجم مع هدف وغاية الإنسان و الذي يحثه على العمل والابداع ذكر أن من ذلك هو الرجاء والتفاؤل والفرح الهادف كما ان الحزن يكون كذلك فاثر الحزن في حث الانسان نحو الابداع امر لا ينكره منكر.
والقرآن الكريم عندما تحدث عن الفرح والحزن كان ناظرا الى الجانب النفسي لهما اما وراء ذلك من حركات الجوارح فأبى للإنسان الذلة الحيوانية وانصرافه عن غايته الكمالية.

(فكرة البحث وبعض مضامينه منتزعة من بحث للسيد منير الخباز في محاضرة صوتية بما يقرب من هذا العنوان)

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com