الحسين عليه السلام بين الظلم و الانظلام

السيد محمد مكي آل عيسى

   ورد ذكر الظلم مئات المرات في القرآن الكريم وقد تكون هذه الصفة الرذيلة من أكثر الصفات الذميمة ذكرا في القرآن ذكرها البارئ جلت قدرته تحذيرا منها وهذه الصفة يندرج تحت جنسها الكثير من الصفات السلبية المنكرة. ولم يكتف القرآن بذلك حتى اعتبر الضلال والشرك ظلما وساوى بينها من حيث المصداق لا المفهوم.
وكما هي عادة القرآن . . . جرت عادة أهل البيت ع في توصياتهم وأحاديثهم والروايات الواردة عنهم عليهم السلام في ذم رذيلة الظلم فقد كان ديدنهم ع رفض الظلم بكل أنواعه وصوره وبكافة الوسائل والطرق المتاحة لهم والتي ظهرت بأشكال متعددة وفقا للظروف التي أحاطت بهم عليهم السلام.
ولعل موقف أبي عبد الله الحسين عليه السلام كان الأكثر ظهوراً بنهضته التي تمثلت بواقعة الطف التي كان أبرز شعاراتها ((هيهات منّا الذلّة)) ورفضه بيعة الظالم الفاسق يزيد بن معاوية , تلك النهضة التي تعرضت لحملات كثيرة ومنظمة لتشويهها ولحرفها عن هدفها الأساسي .
وقام أئمة أهل البيت ع بتأسيس المنهج الذي يتكفل بإبراز هذه النهضة وإذكاء ذكراها لتكون نبراسا لكل الثورات القائمة ضد الظلم والبغي وشرعت أقلام وحناجر الموالين والثائرين وأباة الضيم تصدح لمديح هذه النهضة وبيان أهدافها وخطها الرسالي والتعهد بالسير على نهجها.
حتى طرقت أسماع غير المسلمين من المجاهدين والمناضلين من أجل قضاياهم الإنسانية.
وكان من بين هؤلاء الزعيم الهندي غاندي الذي قال قولته المشهورة " تعلمت من الحسين أن أكون مظلوما فانتصر"
والتي شاعت وتداولها الإعلام وكتبتها اللافتات وما إن تأتينا ذكرى عاشوراء إلا وذكرنا مقولة غاندي.
وهنا وبعد هذه المقدمة لا بد لنا من وقفة مع هذه المقولة التي قد تعطي انطباعا سلبيا حول نهج الأئمة عليهم السلام في تعاملهم مع الظلم.
فهم يرفضون الظلم بشتى صوره كما ذكرنا ولا يقبلون بأن يكونوا مظلومين أبدا وجميع الثورات التي ساندوها وأشادوا بها كانت ضد الظلم. صحيح أننا نطلق على سيد الشهداء الإمام الحسين ع اسم المظلوم ونزوره بهذا الاسم لكن هذا لا يعني أنه مستسلم لهذا الظلم وبمعنى آخر أن أهل البيت عليهم السلام جميعا لا يقبلون بالإنظلامية والتي تعني القبول بالانظلام وهو النهج الذي قد يتخذه البعض ابتعادا عن أن يظلموا غيرهم . . . وهذا مما لا يرضاه الله ولا رسوله ص ولا أئمة الهدى ع.
فالموقف الذي مر على أبي الأحرار الحسين الشهيد ع جعله مظلوما بظلم توجه إليه من يزيد الفاسق وجنده لا أن الحسين ع أراد أن يكون مظلوما والفرق كبير بين الإثنين.
فهم عليهم السلام لا يريدون منا أن نورد أنفسنا موردا نكون فيه مظلومين بل أرادوا لنا العزة والرفعة والكرامة والإباء فمقولة غاندي التي تقول " تعلمت من الحسين كيف أكون مظلوما فأنتصر " قد توهم السامعين أن الانتصار ولكي يتحقق فلابد من أن نكون مظلومين أولا ؟!!
لا بالتأكيد
فالحسين ع وإن تعرض للظلم فإنه لم ولن ينظلم لأن الظلم أمر خارجي يقع على المظلوم أما الإنظلام فهي طواعية النفس لتقبل الظلم وهذا أبعد ما يكون عن الحسين ع ونهجه الرافض للظلم.
لقد جاء حزب يزيد بكل ظلم يستطيعون فعله ليصبّوه على تلك الثلة الطاهرة فتقدمت تلك الثلة بدورها لتقف بوجه ذلك الظلم بأقصى طاقتها مضحية بكل ما تملك في سبيل أن توقف الظلم وتنشر الحق وإذا استطاع حزب الشيطان أن يزهق الأرواح ويحز النحور ويرفع الرؤوس ويرض الصدور بحوافر الخيول ويسبي الحرائر فإنه عجز عن أن يؤثر في النفوس وأن يرغمها لتقبل الظلم وبقيت نفس الحسين ع مشعلا للإباء ورمزا لرفض الضيم ورفع الحيف عن كل مظلوم.
نعم لقد تعلمنا من الحسين ع أن نكون رافضين للظلم فننتصر لا أن نكون مظلومين فننتصر

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com