سورة الجمعة ....سورة المنافقون

 

كثيراما شغل بالي هذا السؤال :

ما الخصوصية المشتركة في هاتين السورتين الشريفتين (( الجمعة والمنافقون ))  والتي دعت الشارع المقدس أن يحضنا على قراءتهما في صلاة الجمعة من كل أسبوع كما ورد ذلك من خلال العديد من الروايات التي وردت في السنـّة المطهرة الشريفة  ؟؟

والكل يعلم أن صلاة الجمعة  صلاة جامعة يكون أساسها الإجتماع بمعنى آخر أن عدد المصلين فيها غالبا ما يكون أكثر من الفروض الأخرى حيث يقصدها المسلم من مكان بعيد .

ووفق الرسائل العملية  لعلمائنا أن المسافة بين جمعة وجمعة يجب أن تكون على الأقل بمقدار فرسخ أي ما يعادل الخمسة كيلومترات ونصف تقريبا !!

ويعني ذلك أن الشارع المقدس حبب لنا تلاوة هاتين السورتين على مسامع اكبر عدد ممكن من المؤمنين وفي كل أسبوع في اليوم الذي لا يشغلهم عملهم وتجارتهم ومصالحهم عن ذكر الله !!!

ومع إيقاننا بوجود حكمة من كل تكليف شرعي يأمر به الله وأن الرسول الأكرم ص لا ينطق عن الهوى , فبالتأكيد أن هناك رسالة سماوية  في هاتين السورتين يجب أن ينتبه لها المسلمون ويفتحوا أعينهم عليها ولا يمر أسبوع إلا وتذكروها ، فما هي ؟؟؟

فشرعت أبحث في الأمر لعلي أجد في البحث هدى

إن المتأمل في السورتين سيجد عدة ملاحظات :

 أن الملاحظة الأولى : هي أن هاتين السورتين متعاقبتان تأتي إحداهما بعد الأخرى مباشرة وبعض السور المتعاقبة في القرآن الكريم ترتبط بعلاقة أو صلة فيما بينها كما في الضحى مع الإنشراح والفيل مع الإيلاف والفلق مع الناس وتعاقب هاتين السورتين الجمعة وتليها المنافقون لا يبعد أن تكون هناك علاقة بين السورتين كما في السور الأخريات اللاتي مر ذكرهن .

 الملاحظة  الثانية : عدد آيات السورتين هو نفس العدد فعدد آيات سورة الجمعة أحد عشر آية والمنافقون كذلك وهذا ملفت للإنتباه وكأنه سبحانه يريد أن يخبرنا عن أمرين متكافئين علينا أن ننتبه لذلك .

الملاحظة الثالثة :  أن السورتين تنقسمان إلى جزءين ، الجزء الأول من ثمان آيات يتحدث عن موضوع محوري ليبدأ الجزء الثاني وبكل من السورتين بقوله تعالى (( ياايها الذين آمنوا ........)).

الملاحظة الرابعة : أن الجزء الثاني من كل سورة منهما والذي يبدأ من الآية  9  ((يا أيها الذين آمنوا.....))  فيه أمر بعدم اللهو والإنشغال عن الآخرة بالمشاغل الدنيوية وبالذات ما يتعلق بالأموال وإغترار الناس بها فتشخص السورة بذلك أعدى أعداء الأنسان (( نفسك التي بين جنبيك)).

وإذا عدنا لصلاة الجمعة لوجدناها صلاة عبادية سياسية على الخطيب فيها أن يخطب خطبتين إحداهما عبادية تتعلق بتزكية الفرد لنفسه وتطهيرها من الخلود والركون للدنيا ولهوها ولعبها والتوجه إلى الله إلى دار الآخرة التي هي دار القرار والأخرى تعالج أهم القضايا السياسية الراهنة.

الملاحظة الخامسة : أن الجزء الأول من كل سورة يتكلم عن عدو من  أعداء الله والإسلام ففي سورة الجمعة وبعد أن إفتتحت بالتسبيح وتحدثت عن بعثة الرسول الأكرم في الأميين وتضمنت تلميحا لذكر أهل بيت العصمة (ع)  طفقت تتحدث عن الذين حمّلوا التوراة عن الذين هادوا وذمهم بعدة آيات .

أما السورة الثانية فمن بدايتها تمركزت نحو ذم المنافقين في آيات عدة .

 

ومن جميع ما سبق نستطيع أن نلمس أن سورتي الجمعة والمنافقون تتحدثان عن ثلاثة أعداء يحاربون الدين الإسلامي حربا مباشِرة وضروسا إلى ما شاء الله .

العدو الأول هو اليهود وهو العدو الخارجي الذي عادى الإسلام وأهله منذ ولادته وإلى يومنا هذا وسيستمر يكيد للإسلام وأهله ويحاول بشتى الطرق أن يبطل الرسالة المحمدية (( لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود .....)) وهذا العدو عدو خارج جسد المجتمع الإسلامي يستطيع تشخيصه المسلمون ببساطة وهو واضح عند الذين آمنوا ومن اللطائف هنا فإن بإمكاننا معرفة الذين آمنوا حقيقة من طوائف المسلمين بتشخيصنا لكره اليهود لهم فالطائفة المسلمة التي تواجه أشد الكره والعداء من قبل اليهود هي الأعلى إيمانا وبنص قرآني صريح كما وغالبا ما يضع اليهود أيديهم بأيدي العدو الثاني الذي سيأتي ذكره ويشجعوه ويمدوه بما يحفظ له إستمراره بعمله.

أما العدو الثاني وهو عدو يقبع في داخل الجسد الإسلامي يتمثل في المتمسلمين الذين يدعون الإسلام ويبطنون الكفر فيعيشون كالآفات الضارة يطعنون المجتمع الإسلامي من الداخل بتفريق الصفوف وإثارة الفتن وتشويه الحقائق وتحفيز النعرات مشكلين بذلك جبهة داخلية تساعد العدو الأول الخارجي (( اليهود )) وتتعاطف معه وتقلل من أهمية عدائه .

وهذا العدو الثاني الداخلي عدو خفي غير ظاهر يلتبس أمره على المسلمين فلا يشخّص بشكل واضح ودقيق من قبل عوام المسلمين وينخدع بمظهره الكثيرون (( وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم ...)) لكن حقيقتهم جبناء  همهم الدنيا وما لهم في الآخرة من خلاق يخافون من كل شي لأنهم لا يخافون خالق كل شي (( يحسبون كل صيحة عليهم )) وقد حذر الله منهم وأنذر في آيات ومواضع كثيرة في كتابه المجيد .

أما العدو الثالث وهو الأخفى لأنه ليس في الجسد الإسلامي فحسب وإنما في داخل نفوس الأفراد في المجتمع الإسلامي (( الهوى , الرغبات , الغرائز , حب الدنيا, حب الأموال , حب الأولاد , حب التجارة , حب اللهو كما ويقابلها  نسيان الثواب الأخروي والجزاء المطلق .)) ويقوم العدوان الأول والثاني بتحريك العدو الثالث والعزف على وتره حينما تعييهم السبل فيتوجهون لأخيهم الثالث لطلب النصرة فيوجهون الإعلام الفاسد لإثارة مكامن الرغبات الفطرية عند الفرد لكي لا يكتفي بما لديه ويبقى متعطشا للمزيد من الملذات .

 

فنتخلص هنا إلى أن صلاة الجمعة كخطبتي الجمعة ندبنا الله لقراءة سورتين فيها هما الجمعة والمنافقون ليبن لنا فيهما ثلاثة أعداء يعتبرون الأعداء الأساسيين للإسلام وأهله وعلى كل مسلم أن يأخذ منهم الحذر أولهم خارجي معروف والثاني داخلي في المجتمع خفي والثالث هو الأخفى داخل نفس كل فرد .

فينتبه لذلك المسلم في كل أسبوع في يوم الجمعة لكي لا يغفل عن أعدائه الذين يحيطون به ويتربصون ليمكروا به متى ما سنحت لهم الفرصة لذلك وليأخذ حذره منهم .

والله العالم

محمد آل عيسى

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com