زاد المؤمن في الموسم الحسيني

 إن المؤمن هذه الأيام، يستعد للتزود بأقصى ما يمكن،

 فالتوحيد والولاية ؛ هما وجهان لعملةٍ واحدة.. لذلك المؤمن يتقرب إلى

 الله -عزَ وجل- بأئمته (ع) {وَابْتَغُواْ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ}.. فالوسيلة

 تُعجل الوصول ، مثلا: عندما ينوي الإنسان الذهاب إلى الحج والعُمرة، عليه أن

 يدفع المال ليسمح له بركوب الطائرة ؛ لأنَ هذهِ الطائرة وسيلة لإيصاله إلى

 مبتغاه ، ولولا الطائرة لما وصل.. {وَابْتَغُواْ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ}؛

 واتباع الوسيلة إذا كانَ بأمرٍ من الله  - عز وجل - لا ضير فيه ، فالأمرُ عادَ

 إليه.. إن قمة التذلل لله - عزَ وجل - هو السجود ، ورب العالمين عندما خلق آدم

 أمر الملائكة بالسجودِ له : {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي

 فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ}.. قال الصادق (ع) -في جواب سؤال الزنديق: "كيف أمر

 الله الملائكة بالسجود لآدم"؟..-: (إن من سجد بأمر الله فقد سجد لله، فكان

 سجوده لله إذا كان عن أمر الله).. هنا إبليس قام بقياس باطل، فاستنكف.. لذا،

 فهو إلى هذا اليوم مطرودٌ من رحمة الله، وملعونٌ في الأولين والآخرين..

 وإبليس انطلقَ من منطلق توحيدي، عن الصادق (ع) : (قال إبليس: رب!.. إعفني من

 السجود لآدم، وأنا أعبدك عبادة لا يعبدكها ملك مقرب، ولا نبي مرسل.. فقال جل

 جلاله : لا حاجة لي في عبادتك، إنما عبادتي من حيث أريد، لا من حيث تريد).

 

 وبالتالي، فإن الإنسان عندما يجلّ، ويقدّم ذرية أهل البيت (عليهم السلام)،

 فإن ذلك من باب: {قُل لّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ

 فِي الْقُرْبَى}.. والمودة لها شقان: الفرح لفرحهم، والحزن لحزنهم؛ فهذهِ

 سُنة الأمم.. والنبيُ الوحيد الذي طلبَ الأجرَ على الرسالة، هو النبي الخاتم

 (ص).. أما الأنبياء السلف، كانوا لا يسألون الأجرَ على الرسالة {إِنْ

 أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ}.

 

 ماذا نعمل في هذهِ العشرة المباركة؟..

 أولاً: معرفة فلسفة البكاء.. علينا أن نعي لماذا نحضر المجالس؟.. ولماذا

 نبكي؟.. ولماذا نندب؟.. لأن معرفة الشيء؛ طريق إلى إتقان ذلكَ الشيء.

 

 ثانياً: التأسي بالنبي (ص).. فالبكاء، والندبة، والتأذي مما جرى على سيد

 الشهداء في هذا اليوم، هو من سنة الأنبياء: فنبي الله يعقوب من الأنبياء

 الكبار والعظام، لماذا يبكي على ولدهِ يوسف، وهو يعلم بعلم الله -عزَ وجل- أن

 هُنالكَ غدرا ومؤامرة في البين، ومع ذلك  {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ

 الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} لا على موتِ يوسف، بل على فراقه.. ولو كانَ الأمر

 مذموماً لنقله القرآن ، ولكن القرآن احترم هذهِ الحالة في يعقوب؛ الذي

 كان يبكي على يوسف (ع) الذي كان في حال يرثى لها، فهو: تارةً في الجب، وتارةً

 في السجن، وتارةً في قصرِ زُليخا!..

 

 فإذن، إن التألم على أذى أولياء الله -عز وجل- من سنن الأنبياء.. وهذه هي

 سُنة النبي (ص) (خرج النبي (ص) من بيت عائشة، فمر على بيت فاطمة، فسمع

 الحسين يبكي، فقال: ألم تعلمي أن بكاءه يؤذيني)؟!.. هذهِ رقة النبي (ص)،

 وعاطفة النبي (ص)، رغم أنه لم يكن هناك ما يقاس بما جرى في أرض كربلاء.

 

 ثالثاً: إعلان موقف.. في هذه الأيام تعبر الدول عن احتجاجها على عمل ما:

 بالإضراب عن الطعام، أو بمظاهرة، والبعض يجعل على فمهِ لاصقا؛ ليحتج على عدمِ

 حُرية التعبيرِ مثلاً.. ومن الأساليب، أن يبكي الإنسان على مظلوم.. فنحن في

 هذا العمل يوم عاشوراء، نسجل موقفا نقول من خلاله: أن الإمام (ع) قتل

 مظلوماً!..

 

 إن هناك تعاطفا عالمياً مع قضية الإمام الحسين (ع).. أحدهم مسيحي المذهب، وله

 مؤلفات كثيرة عن أهل البيت، عندما سئل عن سبب ذلك؟.. قال: "أنا لا أدافع عن

 أهل البيت من منطلق الاعتقاد، وإنما من منطلق الظلامة".. فالحسين (ع) معشوق

 الأحرار، وكثيراً ما يتردد قول غاندي: "تعلمت من الحسين، كيف أكون مظلوماً؛

 فانتصر".. نحن لا نعول على هذهِ الكلمات، فالحسين أعظم وأعظم!.. إذ يكفي أن

 جدهِ (ص) قال عنهُ ما قال: (وأما الحسن والحسين: فهما ابناي، وريحانتاي، وهما

 سيدا شباب أهل الجنة).. وما قيلَ في الحسنين (ع) ملأ بطون الكتب.

 

 رابعاً: التعلم.. إن مجالس الحسين (ع) تعد بحق جامعة كبرى، لها فروعها في

 عواصم المدن الكبرى، إلى الأرياف الصغرى.. ومن هنا لا نرى أمة متفقهة في

 كليات الشريعة - فقها، وتاريخا، وسيرة - كأتباع مذهب أهل البيت (ع)، الذين

 يدخلون هذه الجامعة شهرين في كل عام ، - حيث يتناوب على صعود منابرها خطباء

 متنوعون، مختلفون في مذاقهم وفي توجهاتهم.. والإنسان بمثابة النحلة: يأخذ من

 كل مجلس رحيقاً، وإذا به يخرج وقد امتلأ فهماً وثقافة في حياته الفردية

 والاجتماعية -.. سواء في ذلك الصغير الذي لم يبلغ الحلم، إلى الكبير الذي على

 مشارف نهاية عمره!..

 

 إن عميد المنبر الحسيني، الشيخ الوائلي -رحمه الله- كان يفتتح كلامه بآية من

 كتاب الله -عز وجل- فيشبعها بحثا من الزمن، ثم يختم بذكر مصائب الحسين (ع)..

 هذا المجلس هو عبارة عن محاضرة، -المحاضرة فكرة محورية، ولها شُعب- من الممكن

 أن تلقى في أرقى الجامعات العالمية.. هذا ديدن الخطباء الحسينيين في كل مكان،

 يعلموننا معالم الدين.. وهذا كله من بركة دم الحسين (ع).. فالذي حفظ الإسلام

 أمران: المحراب، والمنبر.. المحراب يرمزُ إلى الدين، والمنير يرمزُ إلى حركة

 الحُسين (ع).. فالإسلام محمدي الحدوث، وحسيني البقاء.

 

 خامساً: اقتران العاطفة بالعمل.. إن من دواعي التأسي بهم (ع)، المحافظة على

 الصلاة.. فالبعض ظهيرة يوم عاشوراء، قد ينشغل بشيء من العزاء واللطم، وما

 شابه ذلك؛ ويؤجل الصلاة.. بينما الحسين -عليه السلام- في هذا الوقت وقف ليصلي

 صلاة الحرب جماعة (فلم يزل يقتل من أصحاب الحسين الواحد والاثنان، فيبين ذلك

 فيهم لقلّتهم، ويُقتل من أصحاب عمر العشرة، فلا يبين فيهم ذلك لكثرتهم.. فلما

 رأى ذلك أبو ثمامة الصيداوي قال للحسين (ع): يا أبا عبد الله!.. نفسي لنفسك

 الفداء، هؤلاء اقتربوا منك، ولا والله لا تقتل حتى أقتل دونك، وأحب أن ألقى

 الله ربي وقد صليت هذه الصلاة.. فرفع الحسين رأسه إلى السماء وقال: ذكرتَ

 الصلاة، جعلك الله من المصلين!.. نعم هذا أول وقتها، ثم قال: سلُوهم أن يكفوا

 عنا حتى نصلي... فقال الحسين (ع) لزهير بن القين، وسعيد بن عبد الله: تقدمّا

 أمامي حتى أصلي الظهر.. فتقدما أمامه في نحوٍ من نصف أصحابه، حتى صلى بهم

 صلاة الخوف.. ورُوي أن سعيد بن عبد الله الحنفي تقدم أمام الحسين (ع)،

 فاستهدف لهم يرمونه بالنبل، كلما أخذ الحسين (ع) يمينا وشمالا قام بين يديه،

 فما زال يُرمى به حتى سقط إلى الأرض...) ولعل أرقى صلاة صلاها الحسين في

 حياته، كانت في يومِ عاشوراء؛ خشوعاً وإقبالاً.. حيث الدماء تنزف من جراحه

 الطاهرة، وهو يعلم أنهُ سيستقبل ربهُ بعدَ ساعة، وأصحابهُ من حوله، والسهام

 تأتيه من كل مكان.. يا لها من صلاة حسينية!..

 

 فإذن، ما المانع أن يتقن المؤمن صلاته في يومِ عاشوراء، ليكون على دربهِ

 (ع)؟..

 

 سادساً: التغيير الجوهري.. إن الهدف من المجالس الحسينية، هي أن يخرج الإنسان

 بتغيير جوهري في ذاته.. علينا أن نذهب إلى هذه المجالس، بنية الاستفادة

 العملية.. وذلك من خلال محاولة تغيير جوهري للملكات الفاسدة في أعماق النفس..

 فمن علامات القبول بعد عاشوراء: أن يخرج الإنسان بانقلاب جوهري، وأن يخرج

 بالاستغفار.. فالبعض لهم هاجس جفاف الدمعة، يخشى أن يأتي محرم، وفي ليلة

 عاشوراء لا تذرف لهُ دمعة.. نعم، يقول أمير المؤمنين (ع): (ما جفّت الدموع؛

 إلاّ لقسوة القلوب.. وما قست القلوب؛ إلاّ لكثرة الذنوب).. المؤمن لابدَ أن

 يستغفر ربهُ هذهِ الأيام؛ لئلا يبتلى بجفاف الدمعة، هذهِ الأيام أيام جريان

 دموع أهل البيت (ع).. ورد عن الإمام الرضا (ع): (إن يوم الحسين أقرح جفوننا،

 وأسبل دموعنا، وأذلّ عزيزنا بأرض كربٍ وبلاء، أورثتنا الكرب والبلاء إلى يوم

 الانقضاء.. فعلى مثل الحسين فليبك الباكون؛ فإن البكاء عليه يحطّ الذنوب

 العظام).. في شهر رمضان الذنوبُ تحط، وهذهِ الأيام ببركة هذهِ المجالس الأمرُ

 كذلك.

 

 إن البكاء الذي يأتي من غير نعي، هذا بكاء مقدس؛ أرقى من بكاء النعي!.. قد

 يسمع إنسان غير مسلم، ما جرى على أهل البيت؛ فتجري دمعته.. ولكن عندما يبكي

 الإنسان من باب الحب الولائي؛ فإن هذهِ الدمعة تطفئ بحاراً من غضب الله عز

 وجل.

 

 قال ابن شبيب: دخلت على الرضا (ع) في أول يوم من محرم فقال لي: (يا بن

 شبيب!.. أصائم أنت)؟.. فقلت: لا، فقال: (إنَّ هذا اليوم هو اليوم الذي دعا

 فيه زكريا (ع) ربه عزَّ وجلَّ فقال: {رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً

 طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء} فاستجاب الله له، وأمر الملائكة فنادت

 زكريا (ع) وهو قائم يصلي في المحراب: {أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى}

 فمن صام هذا اليوم، ثمَّ دعا الله -عزَّ وجلَّ- استجاب الله له كما استجاب

 لزكريا (ع)).. ثمَ قال:

 

 (يا بن شبيب!.. إنَّ المحرم هو الشهر الذي كان أهل الجاهلية فيما مضى يحرّمون

 فيه الظلم والقتال لحرمته، فما عرفت هذه الأُمة حرمة شهرها ولا حرمة نبيها

 (ص)، لقد قتلوا في هذا الشهر ذريته، وسبوا نساءه، وانتهبوا ثقله، فلا غفر

 الله لهم ذلك أبداً.

 يا بن شبيب!.. إن كنت باكياً لشيء، فابك للحسين بن علي بن أبي طالب (ع)؛ فإنه

 ذُبح كما يُذبح الكبش، وقُتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلا ما لهم في

 الأرض شبيه.. ولقد بكت السموات السبع والأرضون لقتله، ولقد نزل إلى الأرض من

 الملائكة أربعة آلاف لنصره، فوجدوه قد قُتل.. فهم عند قبره شعثٌ غبر إلى أن

 يقوم القائم، فيكونون من أنصاره.. وشعارهم: يا لثارات الحسين (ع)!..

 يا بن شبيب!.. إنْ سَرّك أن يكون لك من الثواب مثل ما لمن استشهد مع الحسين

 (ع)، فقل متى ما ذكرته: يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً.

 يا بن شبيب!.. إنْ سَرّك أن تكون معنا في الدرجات العلى من الجنان: فاحزن

 لحزننا، وافرح لفرحنا، وعليك بولايتنا.. فلو أن رجلاً تولّى حجراً؛ لحشره

 الله معه يوم القيامة).

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com