كيف نحول العدو الى صديق فصلت الاية  34

 

{وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}.. إن هذه الآية من الآيات التي تعتبر من السنن التكوينية.. فنحن نعلم أن الذي أنزل القرآن، هو صاحب المعادلات الكبرى في الوجود: في عالم الفيزياء، والكيمياء، والفلك، والذرة، وما شابه ذلك.. وعندما يعطينا القرآن الكريم قاعدة في مجال التعامل مع الناس، فإن هذه القاعدة لا تتخلف، كعدم تخلف المعادلات الكيميائية في عالم الوجود.. وهذه الآية تتناول مشكلة قائمة، فمَن مِنَّا لا يعيش بعض صور العداوة، أو إختلاف وجهات النظر مع الآخرين؟!.. وما دام هنالك اختلاف، فمعنى ذلك أن الأرضية مهيئة للخلاف، سواء في الوسط العائلي، أو في الوسط الاجتماعي .. فما هوالحل في هذه الحالات؟..

إن القرآن الكريم يقول: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ}.. فالقرآن الكريم يلفت أنظارنا إلى حركة وجدانية، وهي أن الإنسان الذي له خصال حميدة، لا يُقاس بالإنسان الذي له خصال غير حميدة.. إن الإنسان الذي له ملكات صالحة: كالوفاء، والصدق، وبعض الصفات الداخلية من الإيثار والكرم.. فإن هذا الإنسان يكفيه القليل من الطاعة، لأن له ذات محبوبة عند الله عزّ وجلّ، والذات الصالحة عندما يصدر منها أي حركة بسيطة، تكون مشكورة عند الله تعالى، بخلاف الذوات الخبيثة، والذوات الفاسدة.. إن الله عز وجل قد يحب عبداً، ويبغض عمله.. وقد يكره عبداً، ويحب عمله.. والله عز وجل إذا أحب عبداً قبِل منهُ اليسير.. ولهذا فإن تزكية الملكات أمرٌ مهم، فالشيطان في بعض الأوقات يقنع بأن ينشغل الإنسان بالعبادة، حتى العبادات الثقيلة والرياضات الشاقة، في مقابل أن  ينسى ذاته، وينسى ملكاته الخبيثة.. فمثلا: إنسان يعيش حالة البخل والحسد والحقد وماشابه ذلك، فليصلِّ ما شاء من الصلوات، فهل تنفعه؟.. فإذن، إن تصفية الباطن حركة مهمة جداً، بالإضافة إلى تصفية الأعمال، والقيام بالواجبات، وترك المحرمات .

{ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}.. إن كلمة ادفع يُستشعر من ذلك أن هنالك منافرة، فعندما يهجم عليك إنسان، ويريد أن يدفعك، فأنت أيضاً تدفعه.. فإذن، إن هنالك منافرة، ومن الطبيعي في المقام أن الذي يعيش حالة من حالات العداوة مع الغير أن يكون هنالك منافرة.. فما العمل؟.. الحل هو: بدلاً من دفعه بيدي بدنياً، أو دفعه بقولي، وإسقاطه اجتماعياً: أي أن أكيل الكيل كيلين، فإن القرآن الكريم يقول: أنت ألا تريد الدفع؟.. ألا تريد الصد؟.. فإذن، ليكن السلاح الذي تواجه به الخصم، هو أن تدفع بالتي هي أحسن.. فالإنسان الذي لا يواجه الخصم بأسلوب مشابه، ولا يرد الكلام بكلام من جنسه: من الفحش، واللغو، والشديد من القول.. فإن معنى ذلك أنه يريد أن يقول له بلسان الحال: أنك أنت دون أن أواجهك بالمثل.. وهذه الحركة كافية، لأن تجعل الخصم يعيش حالة من استحقار الذات.

ولهذا يقول الله تعالى في سورة الفرقان: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا}.. لأن الخطاب مع الغير هو نوع إلتفات إليه، أي أن تعطيه سمعك، وأن تعطيه الإلتفات والإنتباه، فإن هذا تكريم للطرف المقابل.. أما عندما تُعرض عن الجاهل، ولا تتكلم معه، فإنك تريد أن تقول بلسان الحال أنني أتكلم مع إنسان يشبهني، أتكلم مع من يستحق أن أتوجه إليه، وأنت كإنسان خصم، تتكلم من دون منطق، وتتكلم من منطلق الغضب والشهوة، وغلبة الأوهام والخواطر الباطلة، فأنا لا أجعلك أهلاً للخطاب.. ولهذا في مقام العمل يلاحظ أنه عندما تواجه صاحب الغضب بالسكوت، فإنه يحترق في غيظه أكثر فأكثر {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}.. أي أننا لا نرد الخطأ بالخطأ، بل نرده بالجميل.

إن آية {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} تتكلم عن عن الإعراض عن اللغو.. أما هذه الآية فإنها تدفعنا إلى مرحلة أرقى، وهي أن نقول التي هي أحسن.. وكان فيما أوصى به رسول الله (ص) عليا (ع): (يا علي!.. ثلاث خصال من مكارم الأخلاق: تُعطي من حرمك، وتصل من قطعك، وتعفو عمّن ظلمك).. فهذه هي السياسة الشرعية.

{فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}.. يقولون بأن هذا التعبير أبلغ مما لو قالت الآية: فإذا الذي عدوك، كأنه لا صلة بينك وبين هذا الإنسان إلا هذه الصلة، هناك بينك بينه سد، هذا السد متمثل في العداوة.. والقرآن الكريم يقول: إذا أردت أن تهدم هذا السد، فعليك بهذا المعول، معول الدفع بالتي هي أحسن ، فإذا بهذا الانسان الذي له عداوة معك كأنه ولي حميم.. فأنت يهمك رضا أخيك، ورضا زوجتك، ورضا حبيبك، ورضا والديك.. وهنالك عداوة غير مبررة، وعداوة غير منطقية.. فتقول هذه الآية: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}.. فالله عزّ وجلّ يتصرف في قلب الطرفين، ويحوّل العداوة إلى محبة، لأن قلب العبد بين إصبعين من أصابع الرحمن.. إن عداوة عامة الناس، لا تبتنى على أسس منطقية، فهي ليست على أساس الدين، ولا هي مواقف لأجل الله عزّ وجلّ.. فإذا تغيرت الذات، تغيرت المواقف.. والذي يغير الذات هو هذا العمل: أي أن تواجه السيئة بالحسنة.

{وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}.. إن المسألة تحتاج إلى تمرين، لكي يواجه الإنسان السيئة بالحسنة، لأنها حركة غير طبيعية، وتحتاج إلى كمال، وإلى تكامل، وإلى حالة من حالات البلوغ النفسي.. وهذا البلوغ يأتي من خلال المعاودة، ومن خلال الصبر على هذه الحالة، ومن خلال كظم الغيظ.. إن كظم الغيظ فيه حركة قسرية، إلى أن يصل الإنسان إلى درجة لا يُثار غيظه.. فهو في أول الطريق يكظم غيظه، ويصل إلى درجة من الدرجات لا غيظ له، وإذا كان له غيظ، فهو لله عزّ وجلّ.. كما كان النبي صلى الله عليه وآله لا يغضب إلا لله سبحانه وتعالى.. {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}.. وكأنّ هذه الصفة شبيهة بالحكمة التي أُلقيت على لقمان، وأُعطي لقمان كذلك هذا الحظ العظيم.. وإنما تُعطى للإنسان الذي له قابلية لتلقي هذا الحظ العظيم .

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com