قصة الأموات ... اهل القبور

 
عن امير المؤمنين ع بعد تلاوته لسورة﴿الهيكم التكاثر حتى زرتم المقابر﴾متحدثا عن اهل القبور قال:[فلو كانوا ينطقون بها(اي بهذه السورة) لعيوا بصفة ما شاهدوا وما عاينوا (اي لو تحدثوا بما تطرقت اليه السورة من الاحداث لاصابهم الاعياء والتعب من كثرة الحديث عما شاهدوا وعاينوا بعد الموت).
ولئن عميت آثارهم، وانقطعت أخبارهم، لقد رجعت فيهم أبصار العبر(اي ان المتامل فيهم رغم ذهاب اثارهم وانقطاع اخبارهم بعد الموت الا انهم اصبحوا عبرة للناظرين).
وسمعت عنهم آذان العقول(اي وعت اصواتهم واخبارهم ذوي العقول الرصينة)، وتكلموا من غير جهات النطق(اي تكلموا بلسان حالهم عما اصابهم بعد الموت).
فقالوا: كلحت الوجوه النواظر(اي زالت تلك الوجوه التي كانت نظرة رائقة في زمانها)، وخوت الاجسام النواعم (أي تهدمت بنية الاجسام الجميلة وتفرقت أعضاؤها) ولبسنا أهدام البلى(اي لبسنا لباس البالين من التراب)، وتكأدنا ضيق المضجع (فشق علينا ضيق حفرة القبر التي انزلنا فيها) وتوارثنا الوحشة(اي اصبحت الوحشة جزء من وجودنا في القبور)، وتهكمت علينا الربوع الصموت(اي سخرت منا أماكن الاقامة الصامته كناية عن القبور). فانمحت محاسن أجسادنا، وتنكرت معارف صورنا(اي تبدلت معالم صورنا الدنيوية عندما كنا أحياء)، وطالت في مساكن الوحشة إقامتنا (فالسنين والدهور تمر تباعا ولا يعرفنا احد لطول المدة)، ولم نجد من كرب فرجا ولا من ضيق متسعا(فلا تبديل لحالنا وشدائدنا التي نحن فيها في قبورنا)،فلو مثلتهم(اي لو تصورتهم) بعقلك أو كشف عنهم محجوب الغطاء لك، وقد ارتسخت أسماعهم بالهوام فاستكت (أي اجتمعت الديدان على اذانهم فأخذت في النقصان ونضب مستودع قوة السماع منهم وذهبت مادته بامتصاص الهوام حتىاستكت اي صمتت وذهب سمعها)، واختلجت ( اي اكتحلت) أبصارهم بالتراب فخسفت، وتقطعت الالسنة في أفواههم بعد دلاقتها (اي بعد ان كانت حادة في النطق والكلام )، وهمدت القلوب في صدورهم بعد يقظتها (اي ماتت قلوبهم في صدورهم بعد ان كانت يقضة حية)، وعاث في كل جارحة منهم جديد بلى سمجها (أي أفسد كل جارحة البلى وهو التحلل والفناء وجعلها سمجة المنظر قبيحة المظهر)، وسهل طرق الآفة إليها مستسلمات (اي سهل للافات قدومها استسلام الجوارح والاعضاء بعد الموت)، فلا أيد تدفع ولا قلوب تجزع( فلا يوجد ما يدفع عنهم البلاء والاذى).
______________
 

في تتمة حديث امير المؤمنين عن حال اهل القبور والذين سنكون امثالهم وحالنا كحالهم قال: [لرأيت أشجان قلوب(اي لو تحدثوا عما حل بهم لقالت لك القلوب همومها) وأقذاء عيون (وبكت العيون مما سقط فيها فآلمها)،لهم من كل فظاعة صفة حال لا تنتقل(اي اصابتهم فضائع المصائب الثابته من دون تغير)، وغمرة لا تنجلي (ووقعت عليهم الشدائد التي لاتزول)، فكم أكلت الارض من عزيز جسد، وأنيق لون(اي كم ضمت الارض من الاجسام التي كانت ذات نظارة والوان حسنة لم تتعبها الحياة)، كان في الدنيا غذي ترف (أي كان مغذى بالنعيم والترف وهو غاية التنعم والرفاهية) وربيب شرف(اي مربى على العلو في المكانة كالامراء والسلاطين وابناء المترفين)، يتعلل بالسرور في ساعة حزنه(اي يتشاغل بالمسرات عند حزنه لكثرة مسراته)، ويفزع إلى السلوة(اي ما يسليه ويذهب همه) إن مصيبة نزلت به، ضنا بغضارة عيشه وشحاحة بلهوه ولعبه(اي حرصا على استمرار طيب الدنيا وسرورها لديه)،
فبينا هو يضحك في ظل عيش غفول على جناح من فراق الدنيا وترك الاحبة، (فبينما هو كذلك بما فيه من العيش والضحك والسرور غافلا عن الموت الذي اظله بجناحه ليفارق احبته ودنياه وهو غافل)، إذ عرض له عارض من غصصه(اي عرض له عارض سبّب له الاذى والغصة)، فتحيرت نوافذ فطنته(اي لم يجد لما اصابه سببا في فكره)، إذ وطئ الدهر به حسكه(اي فاجئه الدهر بمرض او بلاء مفاجيء)، ونقضت الايام قواه( فذهبت عنه قوته ونشاطه)، ونظرت إليه الحتوف من كثب(اي نظر اليه الموت عن قرب عند اقتراب ساعته)، فخالطه بث لا يعرفه(اي خطرت في نفسه خطرات لايعرفها)، ونجيّ هم ما كان يجده (وصاحبه هم ما كان يعرفه من قبل لما اضطربت احواله)، ويبست رطوبة لسانه(وهي من علامات ظهور الموت )، فكم من مهم من جوابه عرفه فعي عن رده(اي تذكر ما سبق اليه من التحذير بالموت ولكنه عجز ان يمنعه)، ودعاء مؤلم بقلبه سمعه فتصام عنه(كما تذكر تغاضي قلبه عن سماع ذكر الموت) وتولدت فيه فترات علل آنس ما كان بصحته (فاذا بعافيته تذهب وتزول)، ففزع إلى ما كان عوده الاطباء من تسكين الحار بالقار (اي تسكين الحرارة بالبرودة) وتحريك البارد بالحار(اي لجا الى ما عوده الاطباء من العلاج بااستعمال المضادات لحاله)،فلم يطفئ ببارد إلا ثوّر حرارة، ولا حرّك بحار إلا هيّج برودة، ولا اعتدل بممازج لتلك الطبايع إلا أمد منها كل ذات داء (اي لم ينفعه العمل بما قاله الاطباء من العلاج بالمضاد ولا بالمشابه بل زاد في حالته سوء) حتى فتر معلّله(اي سكن معالجه لعجزه عن شفائه)، وذهل ممرضه، وتعايا أهله بصفة دائه(اي لم يستطيعوا اهله وصف دائه ولا معالجته)، وخرسوا عن جواب السائلين عنه(اي لم يدروا بما يجيبوا السائل عن مرضه)، وتنازعوا دونه شجي خبر يكتمونه (اي خشوا فيما بينهم من البوح بانتهاء عمره)، من قائل يقول: هو لما به(اي هو اعرف بعلته)، ومُمَنّ لهم إياب عافيته( اي يتمنى لهم رجوع عافيته)، ومصبّر لهم على فقده(اي موص لهم بالصبر وذكر الله)، يذكرهم اسى الماضين من قبله من كبير كان يعظمه أو صغير كان يرحمه (اي يذكرهم بالاموات الذين كانوا قبله من الكبار والصغار) وإن للموت لغمرات هي أفظع من أن تستغرق بصفة أو تعتدل على عقول أهل الدنيا(اي ان للموت اذى لايمكن وصفه او تصويره لاهل الدنيا، فاقل ما قيل في اذاه انه كغصن من الاشواك البرية التي تجتمع فيه الاف الاشواك المكتضة مع بعضها يضرب به جسم الانسان فتنغرز الاشواك في لحمه واعصابه واجزاء جسمه ثم يسحب سحبت واحدة خارج الجسم فكذلك خروج الروح).
اللهم نبهنا من رقدة الغافلين وسِنَة المسرفين ونعسة المخذولين
ولا تنسونا من الدعاء

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com