جوهرة العبودية   8

 

عن الامام الصادق ع قال:


[العبودية جوهرة كنهها الربوبية، فما فقد في العبودية وجد في الربوبية، وما خفي عن الربوبية اصيب في العبودية]


تبين ان هناك جانبان للوصول الى معرفة عظمة الله الجانب النظري في التأمل بايات الربوبية، والجانب العملي في الالتزام بتطبيق ماامر الله به وما نهى عنه، وهو يشتمل على طريقين، الطريق الاول ما يكشفه الله لقلوب عباده من ادراك معاني الربوبية وقد انتهى البحث حوله، ليبقى ايضاح الطريق الثاني الذي يقود الى معرفة ما خفي من عظمة الربوبية، وهذا الطريق يتجلى من خلال القدرات الخارقة التي يعطيها الله لعباده الاخيار عند حقيقة الاخلاص له والتي لا يستطيعها الانسان العادي من دون تسديد الله وعنايته، وهذه القدرات تكون عادة متناسبة مع درجة ايمان المؤمن وعقله وسعة انائه لاستيعاب الحقائق الالهية، حيث تتمثل درجتها العليا بحجج الله واوليائه المعصومين، ثم تتناقص تدريجيا مع الاولياء والصالحين وعموم اهل الايمان بحسب مستواهم الايماني وسعة انائهم .
ولا يمكن الوقوف على مقدار فهم حجج الله وادراكهم لمعنى العبودية لله والذي يمثل الكمال الانساني،اذ ان ذلك يحتاج الى شرح مطوّل في استعراض ايات الكتاب التي وردت في وصفهم وذكر اقوالهم ودعواتهم ومواقفهم وفي تتبع الاحاديث الصحيحة المروية عنهم، مما يجعل البحث ينتقل الى نقطة اخرى وهي الحديث عما اعطاهم الله من القدرات والمواهب والقابليات الخاصة التي استطاعوا بها فعل المعجزات باذنه جزاء لحسن عبوديتهم النظرية والعملية، علما بان هذه المواهب والعطايا الالهية هي درجات وبامكان الانسان العادي ان يصل الى المراتب الدنيا منها والمتناسبة مع درجة ايمانه وفهمه واستيعابه.
(وهنا ينبغي التحذير من استغلال المشعوذين والدجالين والمستغلين للدين والمنتفعين به والمستأكلين للسحت الحرام عن طريق الحديث عن هذا الجانب وادعائهم به وانهم من اصحاب الكرامات وفعل المعجزات والتحدث مع الائمة بعد موتهم في مراقدهم اورؤيتهم هناك او زيارة الائمة لهم في بيوتهم وامثال ذلك من الدجل الذي يخدع به العوام وخاصة النساء وهو ما سيأتي التفصيل فيه فيما بعد).
فمن المعلوم ان كتاب الله تحدث عن انبياء الله وحججه فيما اعطاهم الله واجرى على ايديهم من المعاجز والقدرات والاعمال التي لا يستطيع فعلها غيرهم بسبب ماوصلوا اليه من حسن العبودية لله وصدق الاخلاص له وحقيقة التسليم والامتثال لأمره، فهم الطبقة العليا من العارفين بالله ابتداء من ادم الى نوح والى ابراهيم والى خاتم الانبياء (ومن بعده اوصيائه)سلام الله وصلواته عليهم جميعا، غير ان بعض ايات القران تناولت الانبياء بالذكر والتفصيل عما اعطاهم الله من القدرات، بينما اجملت في موارد اخرى، فما ذكره الله عن نوح ع ونجاته هو ومن معه في سفينته عند غرق الكرة الارضية بالماء بحكم تسليمه لامره وذكره لاسم الله بقوله:[وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ] ففي ذلك اجمال واختصار للتفاصيل الخفية التي اعطاها لنبيه نوح من القدرات الخارقة للعادة التي تحفظ من في السفينة على اختلاف اجناسهم وتفاوت طباعهم ثم توصل السفينة الى مستقرها بأمن وسلام باذن الله، وهو ما يتضح لاهل العلم بسنن الله ومقاديره الدنيوية للعباد، وكذلك ماذكره الله من المعلومات العامة عن ابي الانبياء ابراهيم ع عند القائه بالنار ونجاته منها بما الهمه الله من القول ليغير الله سننه في الدنيا فلا تحرقه النار كما بين في كتابه بقوله:[قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ] فهو حديث مجمل وفيه تفصيل،
فسنن الله تجري بارادته واذنه ولكن عبر عمل او قول او دعاء من عباده، فبعض الاحداث قد ذكرها الله مجملة في كتابه، بينما قد ذكر التفاصيل في ايات اخرى، مثل ما اوضحه عن القدرات التي اعطاها لنبيه ابراهيم الخليل ع في حادثة اعادة الحياة للطيور بعد ذبحها، حيث اوضح الله صراحة عن فعل ابراهيم ع من ذبح الطيور المختلفة واحيائها باذن الله بعد تقطيعها وخلطه لاجزائها مع بعض ووضعها على اعالي جبال متفرقة ثم دعوتها بلسانه، فاذا بالاجزاء المقطعة المبعثرةعلى الجبال تجتمع اجزائها ثم تلتحم وتعود فيها الحياة باذن الله امام عين ابراهيم كما في قوله تعالى:[وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ؟، قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن! قَالَ بَلَىٰ، وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي، قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ، فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ، ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا، ثُمَّ ادْعُهُنَّ، يَأْتِينَكَ سَعْيًا، وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] حيث تبين فعل وقول ابراهيم في احياء الطيور بعد موتها باذن الله وقدرته، وكذلك الحال فيما فعله الانبياء الاخرون كما سيأتي الحديث عنهم تباعا
وللبحث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com