جوهرة العبودية   7

 

عن الامام الصادق ع قال:

 
[العبودية جوهرة كنهها الربوبية، فما فقد في العبودية وجد في الربوبية، وما خفي عن الربوبية اصيب في العبودية]


تقدم البحث عن الوصول للعبودية الصادقة من خلال المسلك العملي بما يفتحه الله من المعارف والفتوحات الربانية للمخلصين وهو ما يمكن ان يتم من خلال طريقين الطريق الاول ما يكشفه الله لقلب عبده من المعرفة الربانية التي تشعر القلب بالوجودالرباني ودخالته في جميع امور الحياة وهيمنته على الاعمال والاقوال وحتى النوايا التي في القلوب، وقد تبين معنى تاثير العبودية في الاعمال والاقوال، اما تاثيره سبحانه في النوايا (وهو ما يمثل جانب مهم من جوانب الرحمة الالهية او الخذلان الالهي) فهو ما يحتاج الى توضيح.
عن امير المؤمنين ع عندما سئل كيف عرفت ربك فقال :
[بفسخ العزم ونقض الهم، لما هممت فحيل بيني وبين همي، وعزمت فخالف القضاء عزمي].
وهو ذات المعنى الذي ورد في حديث الامام الصادق ع عندما سئل عن معرفة الله فقال :
[بفسخ العزم، ونقض الهم، عزمت ففسخ عزمي، وهممت فنقض همي].
وعن امير المؤمنين في حديث اخر قال:
[عرفت الله سبحانه بفسخ العزائم، وحل العقود، ونقض الهمم ]
(والمراد بالعقود هنا النوايا وحلها اي فسخها، ونقض الهمم اي ذهاب العزم، فقد يعزم الانسان ويعقد قلبه على الشيء ثم ينحلّ العزم دون ان يحدث جديد، مما يدل على ان العزم هو بيد الله تعالى)
والاحاديث عموما تحتاج الى بيان وتوضيح(علما باننا لانزال في الطريق الاول من الجانب الثاني الموصل لعظمة الله)، فإن المراد من كلام الامام هو ان التغيّر والتبدّل الذي يحدث في نية الانسان بصورة مفاجئة وطارئة انما يحدث بسبب الدخالة الالهية المباشرة في الرحمة او لخذلان للعبد، كما لو كان الانسان متوجها لمقصد معين من زيارة لصديق او شراء حاجة او اداء عمل معين فاذا به فجأة تتغير نيته ويتبدل رايه فيقرر الذهاب لمقصد اخر خلاف المقصد الاول او يؤدي عمل اخر تتوجه نفسه اليه وتعرض عن المقصد السابق من دون حدوث مانع لذلك، فما الذي صرف فكر الانسان ونفسه عن متابعة مابدأ به؟ سيما وانه قد يكون في بعض الاحيان قد قطع مسافة اوصرف وقتا للوصول الى المقصد الاول ولكنه في لحظة واحدة يغير نيته وينحرف عن مساره الاول بارادته الظاهرية ويتخذ مسارا جديدا، فكيف يحدث ذلك؟ وما هو مقدار الدخالة الالهية في الموضوع ؟
ان المتتبع لسلسلة المؤثرات التغيرية التي تبدأ من حركات الجسم الى تأثيرات العقل الى خطرات الفكر ومؤثرات النفس تنتهي كلها الى وجود مؤثر خارجي لا يجد الانسان له تفسيرا غير المؤثر الغيبي او تأثيرات الله سبحانه في قلب عبده لفعله الجديد، فهو الخالق والرازق والمدبّر والمقدّر وبيده الحياة والموت والقضاء والقدر وما ارادة الانسان الظاهرية الا هي جزء من ارادة الله التي اعطاها له بالعبودية (التي كنها الربوبية)، وبالحدود التي قدرها وحددها الله تعالى لعبده، فالانسان لا يستطيع ان يطير في الهواء كما تطير الطيور، ولا يسمع باذنه او يبصر بعينه الا ضمن مدى معين ان زاد او نقص يترك اثره السلبي على الانسان وقد يعدمه الحياة، وكذلك جميع اموره الاخرى حتى سرعة ومقدار النفس الذي يتنفسه، فهو حر مختار ولكنه لايخرج عن حدود الله والقيود التي وضعه فيها، فالارادة الظاهرية للانسان انما هي لاجل تحديد موقعه الاخروي باختياره وبدون فرض مباشر عليه، الا ان هناك كثير من الاثار الربوبية الي تترتب على اعمال الانسان واختياره الذاتي في سلوك طريق الجنة او النار تكون في الدنيا قبل الاخرة، وما القضاء والقدر والدعاء والتوفيق وليلة القدر والمغفرة والصدقة وايكال العبد الى نفسه والامهال والخذلان وامثالهم الا ابوابا للتدخل الالهي المباشر، فلماذا يتعرض انسان ما لحادثة تجعله معاقا مدى الحياة ولا يتعرض لها غيره؟ او يصاب بمرض عضال ينهي عمره بينما يعمر طويلا غيره؟ ومثلها كثير من الامور الاخرى التي تحيط بحياتنا ولكن لاندركها على حقيقتها ولا ندرك اثار اعمالنا واقوالنا وافعالنا فيها، وهو مايفسر الاحاديث السابقة الي مر ذكرها والتي تبين التدخل الالهي المباشر في حياة الانسان رغم الحرية النسبية التي اعطيت له فان اعمال الانسان وتبعات عمله تترك اثارها عليه في الدنيا والاخرة[إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ] وفي تتبع الاعمال الصالحة واثارها الايجابية على ذات الانسان ، وبالمقابل تتبع الذنوب وملاحظة اثارها السلبية على النفس ينكشف للانسان بعض ما خفي عليه من نتائج اعماله واثارها في الدنيا قبل الاخرة.
[قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ]
وللبحث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com