جوهرة العبودية   5

 

 

تطرق الايميل السابق الى امير المؤمنين في عبادته لله كمصداق لاتحاد الجانب النظري من فكره والجانب العملي من سلوكه فى معرفة الله والعبودية له، واتماما لهذا المصداق وان كان عرض الجانب الثاني من الحديث لم ينتهي بعد الا ان جمال الموضوع يستدعي ايضاحه اكثر.
فقد روي عن ضرار بن ضمرة الكناني (وكان من اصحاب امير المؤمنين) انه لما دخل على معاوية بن أبي سفيان بعد وفاة امير المؤمنين وانفاذ صلح الامام الحسن قال له معاوية : صف لي عليا، فقال: أٓوَ تعفيني من ذلك؟ فقال: لا اعفوك، قال اما اذا كان لابد من القول:
فانه كان بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا، ويحكم عدلا، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة على لسانه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويانس بالليل وظلمته، كان والله غزير الدمعة، طويل الفكرة، ثم قال: اشهد بالله لرأيته في بعض مواقفه وقد ارخى الليل سدوله وغارت نجومه، ماثلا في محاربه، قابضا على لحيته، يتململ تململ السليم(اي الملدوغ) ويبكي بكاء الحزين، كأني اسمعه وهويقول: يا دنيا اليّ تعرضت؟ ام اليّ تشوقت؟ هيهات هيهات، غري غيري لا حان حينك، قد طلقتك ثلاثا، فعمرك قصير، وخيرك حقير، وخطرك غير كبير، اه اه من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق.
فوكفت(اي انحدرت) دموع معاوية على لحيته وجعل يستقبلها بكمه واختنق القوم جميعا بالبكاء وقال هكذا كان ابو الحسن يرحمه الله.
وفي رواية اخرى عن وصف ضرار بن ضمرة لتقوى وعبادة امير المؤمنين ع عندما طلب منه معاوية ذلك قال: كان والله فينا كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه، ويقربنا إذا زرناه، لا يغلق له دوننا باب، ولا يحجبنا عنه حاجب، ونحن والله مع تقريبه لنا وقربه منا لا نكلمه لهيبته، ولا نبتديه لعظمته.
فقال معاوية: زدني في صفته.
فقال ضرار: رحم الله عليا كان والله طويل السهاد (اي السهر في الليل للعبادة) قليل الرقاد، يتلو كتاب الله آناء الليل وأطراف النهار، ويجود لله بمهجته، ويبوء إليه بعبرته، لا تغلق له الستور، ولا يدخر عنا البدور، ولا يستلين الاتكاء، ولا يستخشن الجفاء، ولو رأيته إذ ماثلا في محرابه، وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، وهو قابض على لحيته يتململ تململ السليم(اي الملدوغ) ويبكي بكاء الحزين ،(الى اخر الحديث السابق) .
مما يظهر جانبا من جوهرة العبودية لله حين يكون القلب خاشعا لله مدركا لعظمة ربوبيته.
وللبحث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com