جوهرة العبودية   4

 

عن الامام الصادق ع قال:


[العبودية جوهرة كنهها الربوبية، فما فقد في العبودية وجد في الربوبية، وما خفي عن الربوبية اصيب في العبودية]


تقدم في شرح ما مضى من الحديث ان ادراك عظمة الربوبية يتم عن طريق المعرفة النظرية من خلال التدبر في ايات الله والالتفات الى ما تشتمله من الحقائق التي تبين ان الكون بكل ما فيه انما هو من صنع الله، كما يبين القسم الاخير من الحديث من ان الانسان يمكنه الوصول الى ادراك عظمة الله بحسن عبادته وطاعته لربه وهو ما يحدث عبر طريقين، الطريق الاول بما يكشفه الله لقلب عبده من المعارف الالهية التي يستشعر بها وجود الله وهيمنته على الامور كلها، والطريق الثاني بما يؤتي الله عبده من القدرات الخاصة التي يتبين فيها قدرة الله وعظمته وخضوع كل شيء له وانقياده لارادته.
والحق ان كلا الجانبين من التأمل والتدبر في ايات الله ، ومن الطاعة الشاملة له في اوامره ونواهيه، انما يتحدان فيما يفيض الله به على عبده من معرفته وسلوك سبل رضوانه، وهو ما كان يتجسد في حججه وانبيائه من معرفتهم لله وطاعتهم له فيما قصه القران وبيّنه الواقع
عن احوالهم عبر التاريخ، فمما جاء في ذلك مارواه
ابا ذر رحمه الله عن امير المؤمنين في عبادته فقال:
شهدت علي بن أبي طالب بشويحطات بني النجار (الشوحط شجر يتخذ منه القسي) وقد اعتزل عن مواليه واختفى ممن يليه وقد استتر ببَعِيلات النخل(وهو كل شجر لا يسقى الا بالمطر)، فافتقدته فإذا أنا بصوت حزين ونغمة شجي فاقتربت منه فاذا هو بعينه علي بن ابي طالب وهو يناجي ربه ويقول:
[إلهي كم من موبقة(اي خطيئة مهلكة) حلمت عن مقابلتها بنقمتك، وكم من جريرة تكرمت عن كشفها بكرمك، إلهي إن طال في عصيانك عمري وعظم في الصحف ذنبي فما أنا مؤمل غير غفرانك، ولا أنا راج غير رضوانك]
فاستترت لاسمع كلامه وأخملت الحركة، فركع ركعات في جوف الليل الغابر، ثم فرغ إلى الدعاء والتضرع والبكاء والبث والشكوى، فكان ممن ناجى به الله قوله:
[إلهي أفكر في عفوك فتهون علي خطيئتي، ثم أذكر العظيم من أخذك فتعظم علي بليتي، آه إن أنا قرأت في الصحف سيئة أنا ناسيها وأنت محصيها، فتقول: خذوه، فياله من مأخوذ لا تنجيه عشيرته، ولا تنفعه قبيلته، آه من نار تنضج الاكباد والكلى(الكلى جمع كلية بمعنى ان النار تنفذ وتحرق كل اجزاء الانسان)، آه من نار نزاعة للشوى (اي تنزع او تقلع جلدة الراس من مكانها)، آه من غمرة من لهبات لظى(اي من غمرة من عين النار اي نيران جهنم)].
ثم أمعن في البكاء فلم أسمع له حسا ولا حركة، فقلت: غلب عليه النوم لطول السهر، اوقظه لصلاة الفجر، فأتيته فإذا هو كالخشبة الملقاة، فحركته فلم يتحرك، وزويته فلم ينزو، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، مات والله علي بن أبي طالب، فأتيت منزله مبادرا أنعاه إليهم، فقالت فاطمة عليها السلام: يا أبا الدرداء ماكان من شأنه وقصته ؟ فأخبرتها الخبر، فقالت: هي والله يا أبا الدرداء الغشية التي تأخذه من خشية الله تعالى، ثم أتوه بماء فنضحوه على وجهه فأفاق، ونظر إليّ وأنا أبكي، فقال: مما بكاؤك يا أبا الدرداء؟ فقلت: مما أراه تنزله بنفسك، فقال ع:
[يا أبا الدرداء فكيف ولو رأيتني وقد دعُي بي إلى الحساب وأيقن أهل الجرائم بالعذاب، واحتوشتني ملائكة غلاظ شداد وزبانية فظاظ، واوقفت بين يدي الملك الجبار، وقد أسلمني الاحباء ورحمني أهل الدنيا(اي بعد موته)، لكنت أشد رحمة لي بين يدي من لا تخفى عليه خافية ].
وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com