شرح دعاء الافتتاح    9
 

تقدم شرح ما تناوله القسم الثاني من دعاء الافتتاح في بيان مقام رسول الله وحجج الله في خلقه وكان الموضوع حول حجية امير المؤمنين ومنزلته عند الله وما عانى بعد وفاة رسول الله وما تحدث به في خطبته المعروفة بالشقشقية عن الاحداث في زمن ابي بكر وفيما يلي تتمتها:

💠(حَتَّى مَضَى الاْوَّلُ لِسَبِيلِهِ، فَأَدْلَى بِهَا إلَى فُلان بَعدَهُ).

والمراد بالأول هو الخليفة ابو بكر حيث عهد بالخلافة الى عمر ابن الخَطَّابِ بتعيين منه من دون الرجوع الى حكم الله في الموضوع او اختيار الناس في المبايعة لمن يشاؤون بيعته كما كان ادعائهم.

💠(فَيَا عَجَباً ! بَيْنَما هُوَ يَسْتَقِيلُها في حَيَاتِهِ{اي يطلب اعفائه منها} إذْ عَقَدَهَا لآخر بَعْدَ وَفَاتِهِ! لَشَدَّ مَا تَشَطَّرَا ضَرْعَيْهَا{تَشَطّرَا ضَرْعَيْها اي اقتسماه فأخذ كلٌ منهما شطراً})

فكما هو معلوم ان الوضع الخاص الذي أُنجزت فيه البيعة لابي بكر في سقيفة بني ساعدة كان في حينها امير المؤمنين مشغولا بتكفين رسول الله ودفنه، وبعد الصلاة عليه والدفن له قد بين اعتراضه على انتخاب السقيفة في القول والعمل، وهو من المواضيع المهمة التي ناقشها عدد كبير من المؤلفين والباحثين على مر التاريخ فلا يسع المجال للتطرق اليه عبر هذا الشرح لدعاء الافتتاح وانما كان القصد من ايراده هو بيان حجية امير المؤمنين وما عاناه في تلك الفترة من تاريخ الاسلام، ولذا نعود الى تتمة خطبته الشقشقية في سرد الاحداث بعد وفاة الرسول وانتقال الخلافة من ابي بكر الى عمر حيث قال:

💠(فَصَيَّرَهَا في حَوْزَة خَشْنَاءَ يَغْلُظُ كَلْمُهَا).

اي ان الخليفة الثاني عمر بن الخطاب من بعد وفاة الخليفة الاول ابي بكر وانتقال الامر اليه بالتعين المباشر منه ، قد صير الخلافة او السلطة في مجال ضيق خشن يشتد كَلْمُها اي جرحها، بمعنى ان الخشونة التي كان يستعملها الخليفة الثاني في حكومته كانت تجرح القلوب جرحاً بالغا وتمثل حكما مستبدا قاسيا لا يستطيع احد الاعتراض عليه او مخالفة امره.

💠(وَيَخْشُنُ مَسُّهَ وَيَكْثُرُ الْعِثَارُ فِيهَا وَالاْعْتِذَارُ مِنْهَا).

اي اصبحت الخلافة في عهد عمر بن الخطاب تسير في مسير خشن في المواجهة العنيفة مع كل من يعترض على الحاكم او على اسلوب حكمه او تصرفه الذاتي في افعاله واحكامه، ومن يطلع على تاريخ الفترة التي حكم فيها عمر بن الخطاب يرى كثير من التناقضات والتخبّطات والاحكام الكيفية مما تكثر فيه العثرة والكَبوَة ولا يمكن الاعتذار والتبرير لتصرفات الحاكم الخاطئة حتى انه ليبتدع في الدين " والبدعة هي الادخال في الدين ما ليس فيه " كصلاة التراويح او الصلاة المستحبة بصورة صلاة الجماعة الواجبة وهي لم تكن في زمن رسول الله، ثم يفتخر بالقول يا لها من بدعة!، وهو ما نقلته مصادر الحديث المختلفة.

💠(فَصَاحِبُهَا كَرَاكِبِ الصَّعبَةِ).

والصّعبة من الإبل هي التي لا يمكن ركوبها بسهولة والسير فيها كما يريد الراكب بل هي غير مطاوعة له، مما يعني ان الاوضاع في المجتمع الاسلامي كانت في حالة اضطراب وشدة في تلك الفترة.

💠(إنْ أَشْنَقَ لَهَا خرم، وَإنْ أَسْلَسَ الزمام لها، تَقَحَّمَ).

ومعنى أشْنَقَ الدابة لغويا اي كفها بزمامها بقوة وشدّة فينقطع الحبل المربوط بها، والمراد هو التوضيح من ان راكب الدابة هو في وضع صعب جدا من عدم مطاوعة الدابة له، فان امسك الزمام المربوط بالدابة بقوة وسحبه نحوه، أدى ذلك الى ثقب انف الناقة، وان ارخى الزمام للناقة لتسير به حيث تشاء، فانه يلقي بنفسه في الهلكة لان الناقة ستسير حسب رغبتها في سيرها وفي اتجاه حركتها وسرعتها، وهو توضيح للوضع الصعب سياسيا واجتماعيا الذي كان يحكم المجتمع آنذاك مما ادى بأمير المؤمنين الى اعتزال العمل السياسي مع الناس في حينها لانه كان مرصودا وملاحظا من قبل الحاكم وسلطته.

💠(فَمُنِيَ النَّاسُ {اي ابتلوا واصيبوا} ـ لَعَمرُ اللهِ ـ بِخَبط {اي سير على غير هدى}، وَشِمَاس، وَتَلَوُّن، وَاعتِرَاض)

والشماس هو اباء الفرس عن ركوب ظهره والسير على ما يريده الراكب له، والتلون هو التبدل في المواقف الناس عن رهبة او رغبة في مجاراة الحاكم، والمراد بالاعتراض هو المخالفة لسيرته السياسية والاجتماعية حيث قُسم الناس الى اصناف مختلفة في التعامل المادي والشخصي معهم، وعلى اسس جديدة تخضع للتمييز بينهم في العطاء وفي توزيع المناصب والمواقع المهمة كما يحدث اليوم في سلطات الحاكم الجديد من تغير حاشيته واعوانه وعطاياه وسياسته.

💠(فَصَبَرْتُ عَلَى طُولِ الْمُدَّةِ، وَشِدَّةِ الْمحْنَةِ).

وهو ما يعكس الالم الكبير والمعاناة الشديدة لأمير المؤمنين في تلك الفترة حيث لم يغب عن عين الحاكم وجواسيسه رغم انه قضى سنوات طويلة تقرب من عشرين عاما في حفر الابار والانشغال بالأمور الجزئية التي لا يراها الحاكم خطرا عليه ولكنه لم يسلم من متابعة أمره اذ لا يمكن اطفاء نور امير المؤمنين وله السابقة والفضل والفضيلة والعلم بين الناس والاحاديث الكثيرة عن رسول الله في حقه ومنزلته.

💠(حَتَّى إذَا مَضَى لِسَبِيلِهِ جَعَلَهَا في جَمَاعَة زَعَمَ أَنِّي أَحَدُهُمْ، فَيَا للهِ وَلِلشُّورَى! مَتَى اعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِيَّ مَعَ الاْوَّلِ مِنْهُمْ{اي الخليفة ابا بكر} حَتَّى صِرتُ أُقْرَنُ إلَى هـذِهِ النَّظَائِرِ؟).

فمن المعلوم ان مقام امير المؤمنين بين الناس كان عظيما من خلال سابقته في الاسلام وجهاده مع رسول الله منذ طفولته ولم يستطع احد ابعاده عن منزلته في قلوب الناس ولذا فقد أُشرِك في ما يسمى بالشورى لانتخاب الخليفة والتي اختار عمر افرادها ووضع شروطها في وصيته ومنها وجوب اختيار الخليفة فيما بينهم خلال مدة معينة ويضرب رأس المخالف لانتخاب الخليفة ، علما بأن الاختيار لهذه المجموعة تنتهي بإبعاد علي عن الخلافة وهو ما كشف عن استمرار العداء لأمير المؤمنين والسعي لإبعاده عن الخلافة من قبل عمر بن الخطاب ، ولذا فقد استنكر امير المؤمنين موضوع الشورى واختيار افرادها بهذه النوعية والكيفية فأين هم من مستواه الشامخ في الامة والدين؟ بل ان الخليفة الاول الذي يعتبروه الافضل عندهم لم يقول بأفضليته على امير المؤمنين كما في خطبته المشهورة الاولى التي قال فيها "وليت عليكم ولست بأفضلكم" فكيف بهؤلاء الذين جمعتهم الشورى معه والتي عبر عنهم بالنظائر، فاين الثرى من الثريا ؟ {الثريا هو النجوم، والثرى اي التراب}

 

نهج البلاغة خطبة رقم ٣

وللشرح تتمة

 

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com